-جامعة آكلي محند أولحاج-
-البويرة-
-كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية-
-قسم الشريعة -
مطبوعة العقيدة الإسلامية
سنة أولى جذع مشترك - شريعة-
الدكتورة أنيسة زغدود
السنة الجامعية: 2023/2024م الموافق لـ 4144/1445ه
مدخل عام إلى دراسة العقيدة الإسلامية
الدرس رقم :01
تعريف العقيدة
1-العقيدة لغة: أصل العقيدة في اللغة مأخوذ من الفعل عقد .قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة:" عَ، قَ، دَ: العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شد وشدة وثوق وإليه ترجع فروع الباب كلها." ج4،ص84
ومنه اليقين والجزم. والعقد نقيض الحل، ويقال: عقده يعقده عقداً، ومنه عقدة اليمين والنكاح، قال الله تبارك وتعالى: ((لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ )) المائدة: 89.
وفي المعجم الوسيط: "واعتقد فلان الأمر صدقه وعقد عليه قلبه وضميره والعقيدة والمعتقد الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقد به." ج2 ،ص614
النتيجة :ويفهم من هذا أن العقيدة في اللغة تأتي بمعنيين الأول: العقيدة بمعنى الاعتقاد، فهي التصديق والجزم دون شك، أي الإيمان. الثاني: العقيدة بمعنى ما يجب الاعتقاد به. ومن هنا يقولون الإيمان بالملائكة من العقيدة، أي مما يجب الاعتقاد به.
2-العقيدة اصطلاحاً: لها تعريفان:
- التعريف الاصطلاحي العام:
لفظة العقيدة تستعمل عند الإطلاق : لتدل على ما يعقد عليه الإنسان قلبه من حق وباطل ويمكن أن نعرفها كما يلي: " هي تلك المجموعة من الأحكام التي يصدق بها الإنسان تصديقا جازما حتى تتوثق منه في الأعماق و تحملها قناعات توجه مفاهيمه وتحدد تصوره للأمور لدرجة تتحكم معها في سلوكه وتكرر نسق حياته، بل تسري في مشاعره و تتجلى في ذوقه ومزاجه" . ( عثمان عبد القادر الصافي كتابه الإيمان تعريف و متفرقات ص 15 .)
وهذا التعريف يصدق على كل العقائد بغض النظر عن صحتها أو بطلانها فيحصل ذلك مع العقيدة الإسلامية الصحيحة و يحصل مع غيرها مثل العقيدة اليهودية والنصرانية والمادية والإلحادية ( الشيوعية ) والبوذية ...إلخ.
أما عند التقييد :فالمقصود بها العقيدة الإسلامية .
-تعريف العقيدة الإسلامية: "الإيمان الجازم بالله وما يجب له في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة من أصول الدين وأمورالغيب وأخباره."..(ناصربن عبد الكريم العقل ،مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة ،ص09).
تعريف الإيمان:لما كانت العقيدة هي الإيمان الجازم فإننا نعرف الإيمان.
الإيمان لغة: قال ابن فارس ( أَمَنَ)، الهمزة و الميم و النون أصلان متقاربان أحدهما: الأمانة التي هي ضد الخيانة و معناها سكون القلب والآخر التصديق . ( معجم مقياس اللغة ،ج1 ،ص133)
قال ابن تيمية: "أما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب فإن الإيمان مشتق من الأمن فإنما يستعمل فيما يؤتمن عليه المخبر كالأمر الغائب ولهذا لم يوجد قط في القرآن الكريم وغيره لفظ آمن له إلا في هذا النوع .وقال أيضا إن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر يقال هو مؤمن أو كافر والكفر لا يختص بالتكذيب ".( مجموع الفتاوى ،ج7 ص126، كتاب الإيمان لابن تيمية، ص 177).
و هذا يعني : أن ما يميز المسلم الذي يؤمن بما جاءت به العقيدة الإسلامية عن الكافر، أنه آمن بالغيب لقوله تعالى: (( هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ))البقرة: 2- 3.
الإيمان اصطلاحا:قال الإمام عبد البر في كتابه التمهيد ( الجزء 09 ،ص 238) :"أجمع أهل الفقه و الحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية".قال الإمام إسماعيل بن محمد التيمي:" الإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان ". (شرح مسلم :ج1 ،ص146).
النتيجة : إذن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان بدليل قوله تعالى:(( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا )) الأنفال 2-3.
ومن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في دخول الأعمال في مسمى الإيمان (الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان). (البخاري في كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان ج1 ص5رقم9، مسلم في كتاب الإيمان باب عدد شعب الإيمان ج1 ص 63 رقم35).
والإيمان كما يرى أهل السنة والجماعة يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي كما ورد في الآية. و يستفاد من ذلك الحث على تعاهد الإيمان وعدم الغفلة عنه وذلك بالحرص على فعل الطاعات وترك المعاصي ومداومة ذكرالله لأن الإيمان يبلي كالثوب فإن لم يجدد مايزال في نقصان.
و الإيمان المطلق :يراد به الإيمان الكامل فلا يوصف به العصاة والمقصرون في الطاعات. قال ابن أبي العز في شرح الطحاوية:الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله. اهـ
وأما مطلق الإيمان :فيعنى به من كان عنده أصل الإيمان، ولكن عنده تقصير في الطاعات فيدخل فيه العصاة من المؤمنين والمقصرون في بعض الطاعات.
وأصل الإيمان: هو الحد الأدنى من الإيمان ولا يوجد الإيمان بدونه وبه ينجو صاحبه من الكفران، ويدخل في زمرة الإيمان، وبه خلاصه من الخلود في النار إن مات عليه. ويطلق عليه أيضا الإيمان المجمل ومطلق الإيمان.
الفرق بين مطلق الإيمان و الإيمان المطلق
الإيمان المطلق يراد به الإيمان الكامل أو كمال الإيمان وهذا لا يتصف به العصاة والمقصرون في الطاعات. أما مطلق الإيمان فيعني به أهل العلم أصل الإيمان .يعني المؤمن إذا كان عاصيا و مقصرا لا ينتفي أصل إيمانه و لا يخرج من دائرة الإسلام. إنما الذي ينتفي منه هو الإيمان المطلق أي كمال الإيمان .
فنقول :السارق مؤمن بأصل إيمانه و ينتقص إيمانه قدر معصيته ،والمعصية لا تذهب أصل الإيمان إنما تذهب كمال الإيمان. و النبي صلى الله عليه و سلم لما قال : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) فتح الباري شرح صحيح البخاري ، كتاب الحدود باب ما يحذر من الحدود باب لا يشرب الخمر وقال ابن عباس ينزع منه نور الإيمان في الزنا، ج12ص 58الحديث رواه أبوهريرة رضي الله عنه . لم ينف أصل الإيمان عن هؤلاء العصاة ، إنما الذي نفاه عنهم هو كمال الإيمان و كذلك قوله في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس:(( ليس المؤمن الذي يبيت وجاره إلى جنبه جائع.)) المستدرك على الصحيحين كتاب البر والصلة وأما حديث عبد الله بن عمرو حديث رقم 7415 (نفي كمال الإيمان ) وغيرها من أشباه هذه النصوص .
تعريف الإسلام:
الإسلام لغة: قال الراغب الأصفهاني: والإسلام الدخول في السلم وإذا راجعت معاجم اللغة العربية ألفيت أن كلمة الإسلام تعني الانقياد و الامتثال لأمر الآمر بلا اعتراض.
الإسلام اصطلاحا: جاء تعريف الإسلام في حديث جبريل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( فأخبرني عن الإسلام ) بما يجب الانقياد له وطاعة لله تعالى فيه .قوله صلى الله عليه و سلم: (قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ونقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ). رواه مسلم
النتيجة : إذن المسلم هو من أخلص دينه لله انقيادا وطاعة وتسليما بلا اعتراض على جميع أحكام الدين الاعتقادية والتعبدية والسلوكية.
تعريف الدين:
الدين لغة: قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: "الدال والياء والنون أصل واحد إليه يرجع فروعه كلها و هو جنس واحد: الانقياد والذل." (ج2،ص319).ويكون لازما ومتعديا باللام والياء، وتعود معاني كلمة دين إلى ثلاثة أفعال:
أ-الدين بمعنى الملك و التصرف: دانه دينا( لازم ) أي ملكه و حكمه و قهره و حاسبه و جازاه و كافاه و من ذلك : ( ملك يوم الدين ) أي يوم المحاسبة و الجزاء .
ب-الدين بمعنى الخضوع والطاعة: دان له( متعدي ) أي أطاع وخضع له فالدين هو الخضوع والطاعة والعبادة والورع.
ج-الدين بمعنى المذهب والطريقة والمنهج : دان بالشيء( متعدي ) أي اتخذه دينا ومذهبا أي اعتقده و تخلق به سواء كان هذا الدين صحيحا أوغير صحيح.قوله تعالى:((لكم دينكم ولي دين))الكافرون: 6.فسمى الله ما عليه مشركو العرب من الوثنية دينا.
الدين اصطلاحا: الدين وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات وإلى الخير في السلوك و المعاملات.(محمد عبد الله دراز في كتابه الدين، ص29).
الاستنتاج: - يجيء لفظ الإسلام في لسان الشرع مرادا به الدين كله لقوله تعالى: (( إن الدين عند الله الإسلام))آل عمران19. وقوله تعالى: (( ورضيت لكم الإسلام دينا)) المائدة 03.
-الدين كله انقياد لله و إخلاص له ولذلك سمي إسلاما لقوله تعالى: (( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة.)) البينة 05.
-[الدين كله عقد بالقلب ونطق باللسان ويتصل بالجوارح الظاهرة والباطنة وكل واحد من الثلاثة يسمى إيماناً باعتبار ويسمى إسلاماً باعتبار آخر:
-فعقد القلب يسمى إيماناً لأنه تصديق ويسمى إسلاماً لأن عقد القلب على الشيء إذعان وخضوع له . ونطق اللسان بالشهادتين يسمى إيماناً له لأنه دليل على التصديق ويسمى إسلاما لأنه دليل على الخضوع والانقياد. والزكاة تسمى إيماناً لأنها مبنية على التصديق وثمرة من ثمراته وتسمى إسلاماً لأنها انقياد وإذعان].( عبد الحميد ابن باديس ، العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ص 35، 36 ثم 42)
الدرس رقم 02:
أهمية العقيدة الإسلامية:
العقيدة الإسلامية ضرورية للإنسان ضرورة الماء و الهواء لأنه بدون هذه العقيدة هو ضائع تائه لا يعي ذاته وحقيقة وجوده. فهذه العقيدة وحدها هي التي تجيب على التساؤلات التي شغلت الفكر الإنساني وحيرته ولا تزال وهي : من أين جئت ؟ ومن أين جاء هذا الكون ؟ ومن الموجد، وما صفاته وما علاقة الإنسان بالخالق ؟ ولماذا أوجدنا و أوجد الكون وما دورنا في هذا الكون؟ وهل بعد هذه الحياة حياة أخرى نصير إليها وكيف تكون ؟ فالمسلم يعرف يقينا كل هذه الحقائق فهو في راحة بال لأنه في طريق مستقيم و إلى غاية مرسومة يعرف معالمها ويدري غايتها. وهذه العقيدة الصحيحة – عقيدة التوحيد- هي التي تعصم المسلم من التأثر بما يحيط به من عقائد وأفكار فاسدة.
مصدر العقيدة الإسلامية
مصدر العقيدة الإسلامية هو الوحي المنزل من عند الله تعالى وهو محل اتفاق بين جميع المسلمين وهو:
1-القرآن الكريم : لقوله تعالى:((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ))النحل :89. ولقوله تعالى: (( إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)).الإسراء :9
2-السنة الصحيحة : لقوله تعالى: (( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى )) النجم: 3، 4.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمَثْلَهُ مَعَهُ). أخرجه البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود رقم (2550)، ومسلم كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة وردّ محدثات الأمور رقم (1718).والسنة يحتج بها مطلقًا بشرط الصحة، لا فرق بين العقائد والأحكام ولا بين المتواتر والآحاد من حيث ثبوتها.
الأصول والفروع في العقيدة :
العقيدة لها أصول و فروع :
الأصل : هو كل ما يبنى عليه غيره ويندرج تحته سواء أكان حسيا أو معنويا .
الفرع : ضده أي كل ما بني على غيره. فالأب أصل والابن فرع، وجذع الشجرة أصل وأغصانها فروع. فهذا المصطلح في كل شيء بحسبه .
أصول العقيدة :هي أركان الإيمان الستة و أصول الدين القطعية المعلومة بالضرورة.
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى:"إن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة هو من أعظم أصول الإيمان وقواعد الدين ."ج 12/496 . قال ابن تيمية:(... و لهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر.) مجموع الفتاوى ،ج 6 ،ص 56/57
النتيجة : المسائل العملية التي هي من المعلوم من الدين بالضرورة مثل الصلاة والزكاة والحج وتحريم الخمر والسرقة وغيرها هي من أصول العقيدة.
حكمها: الإيمان المجمل بالأصول يتوقف عليه إيمان المسلم.
فروع العقيدة :هي ما يتفرع عن هذه الأصول من المباحث العقدية التي فيها من التفاصيل والدقائق ما يحتاج إلى بحث ونظر.
حكمها : يعذر فيها المخالف. ويصح إيمان من خفي عليه أمر بعض الفروع، إلا أنه لا يسوغ له إنكاره بعد أن يثبت له ما وردت به النصوص الشرعية، بل يجب عليه الإيمان بما علمه.
مثال :الأصول : الإيمان بما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج بأدلة القرآن والسنة.الفروع : الإيمان بالمسائل الفرعية التي اختلف حولها الصحابة رضي الله عنهم مثل :هل كان الإسراء بروحه أم بجسده ؟وهل رأى ربه بعينيه أم بقلبه ؟
أسباب الاختلاف في مسائل العقيدة:
لم يختلف المسلمون في أصول الدين والعقائد كما كان الشأن مع الصحابة رضي الله عنهم، وإنما اختلفوا في بعض دقائق المسائل العلمية التي لها تعلق بالأصول.
فمثلا اختلف العلماء في عذاب القبر؛ هل هو واقع على البدن أو على الروح؟واختلفوا في الذي يوزن؛ هل هي الأعمال أو صحائف الأعمال أو صاحب العمل؟ واختلفوا في الجنة التي أُسكنها آدم؛ هل هي جنة الخلد أم جنة في الدنيا .و اختلفوا في مسألة سماع الأموات لدعاء الأحياء. قال ابن تيمية: "فإن مسائل الدق في الأصول لا يكاد يتفق عليها طائفة، إذ لو كان كذلك لما تنازع في بعضها السلف من الصحابة والتابعين." مجموع الفتاوى (6/56).
أسباب الاختلاف المذموم:
1-الجهل: ويأتي من عدم تأهل الفرد اغتراراً بنفسه وهو ليس عالماً ، فيبدي رأيه في مسألة، قال مالك: "من فقه العالم أن يقول لا أعلم"، وقال الشعبي: "لا أدري نصف العلم". أعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم الجوزية (2/182). والجهل هو أحد شقي ضلال الناس وأحد شقيه الآخر هو الظلم، قال ابن تيمية: "والجهل والظلم هما أصل كل شر لقوله تعالى:(( وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ))الأحزاب: 72 ( اقتضاء الصراط المستقيم،ابن تيمية).أتتمةاو ى نننتنتتت
2-الهوى: شرعًا هو ميل النفس إلى نيل شهوة تلائم طبعها أو اتباع شبهة توافق عقلها. يقول الشاطبي: "ولذلك سمي أهل البدع وأهل الأهواء لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار عليها والتعويل عليها." وقد ذم الله تعالى اتباع الهوى ذما شديدا فقال:((أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً)) الفرقان :43.وقوله تعالى:(( وَلَإِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ.( البقرة:145
3- التعصب: هو ادعاء العصمة وهو خطل في الرأي ومجانبة للحق. وهو من خصال أهل الكتاب، قال الله تعالى: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ )).البقرة : 91. "وهكذا يبتلى كثير من المنتسبين إلى طائفة في العلم أو الدين أو إلى رئيس معظمٍ عندهم فلا يقبلون دينًا أو فقهًا أو روايةً أو علمًا إلا بما جاءت به طائفتهم". اقتضاء الصراط المستقيم،ابن تيمية ،ص8.
وهناك أسباب أخرى للاختلاف في مسائل الاعتقاد وغيرها والتي تؤدي إلى التفرق ومنها: الغلو والانتماء السياسي، وأثر اليهود والنصارى في بث الشبهات لإفساد العقيدة الإسلامية، ومنها أيضًا أثر الفلسفة اليونانية الذي ظهر في ترجمة كتب اليونان إلى العربية في عهد المأمون العباسي.
الدرس رقم 03:
علم العقيدة
تمهيد: علم العقيدة نشأ متعلقا بالعقيدة يشرحها ويستدل عليها لإثباتها ويدافع عنها.
تعريف علم العقيدة اصطلاحا: "هو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه."(الايجي في كتابه المواقف ،ج 1 ،ص 14).
التفرقة بين العقيدة وعلم العقيدة:
العقيدة :هي أحكام إلهية جاء بها الوحي، تتصف بأنها تعاليم محدودة لا تزيد ولا تنقص، وليس لأحد أن يتصرف فيها بإضافة أو حذف. فهي إذن ثابتة تتمثل في أركان الإيمان وأصول الدين كما وردت في القرآن والسنة.
علم العقيدة: هو بحث إنساني في أحكام العقيدة فهما وشرحاً واستدلالاً وردا للشبه. يتصف بأنه غير محدود في مسائله وقضاياه، تتزايد فيه الشروح والأدلة عبر الزمن حسب ما تقتضيه أحوال الناس وأوضاعهم في الفهم والاقتناع .فيكون علم العقيدة متوسعا ومتطوراً عبر الزمن.نجده في كتب العلماء المسلمين الذين كتبوا في العقيدة الإسلامية في جميع العصور. فهو فهوم العلماء المسلمين في العقيدة تختلف باختلاف اجتهاد العلماء ومذاهبهم وعصورهم وبيئاتهم : في البيان والتقرير والشرح والاستدلال والرد على الشبهات ، فهي جهد بشري تصيب وتخطئ.
و يمكن أن نذكر بعض الكتب المصادر في علم العقيدة :
1- الفقه الأكبر لأبي حنيفة (150ه).
2- الصفات لحماد بن سلمة (167ه).
3- رسالة في السنة لعبد الرحمن بن القاسم (191ه).
4- الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري (330ه).
5- كتاب التوحيد لأبي منصور محمد الماتريدي (333ه).
6-شرح أصول اعتقاد أهل السنة لأبي القاسم هبة الله اللالكائي (418ه).
7- التبصير في الدين لأبي المظفر الإسفراييني (471ه).
8- الشامل في أصول الدين لعبد الملك الجويني (478ه).
9- الاقتصاد في الاعتقاد لأبي حامد محمد الغزالي (555ه).
10- العقائد النسفية لأبي حفص عمر بن محمد النسفي (537ه).
أسماء علم العقيدة: أطلقت على علم العقيدة أسماء أخرى ظل كل اسم منها مشتهراً في عصر معين أو عند طائفة معينة ومنها:
1-علم الكلام: هو أكثرها شهرة. ولعل من أسباب تسميته بذلك ما اشتهر فيه من مبحث يتعلق (بكلام الله تعالى) هل هو مخلوق أم لا ؟ كما قالت المعتزلة. وما نشأ عن ذلك من محنة لأهل السنة في عهد عبد الله المأمون العباسي وخاصة محنة الإمام أحمد بن حنبل.
2-علم أصول الدين :سمي بذلك لأنه يبحث في أسس الدين وأصوله وهي العقائد: مثال: كتاب أصول الدين للبغدادي (ت 419ه). كتابه الإبانة عن أصول الديانة للاشعري (ت 324ه).
3-علم التوحيد: سمي بذلك لأنه يعبر عن أهم عقيدة جاء بها الإسلام ويتميز بها وهي عقيدة توحيد الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
4-الفقه الأكبر : هو مصطلح عرف في القرن الثاني الهجري حيث سمى الإمام أبو حنيفة النعمان كتابه الذي جمع فيه جملة اعتقادات السلف (الفقه الأكبر ). هو فقه كبرى قضايا الدين وهي حقائق العقيدة .ويقابله الفقه الأصغر هو فقه الفروع.
فائدة علم العقيدة:
1-ترقية الإيمان بالعقيدة الإسلامية من درجة الوراثة والتقليد إلى درجة الاقتناع والإيمان بها ذاتيا.
2-تصحيح ما قد يحصل من انحرافات في بعض المعتقدات (مثل مظاهر الشرك) كالاعتقاد في الأولياء الصالحين.
3-اكتساب القدرة على إقناع الآخرين بالعقيدة الإسلامية والتصدي لمن يعترض عليها أو يلقي الشبهات.
4-التصدي لما قد يطرأ على النفس من وساوس الشيطان أو شبهات المشككين وذلك بالوقوف على الأدلة النقلية والعقلية وغيرها.
صلة علم العقيدة بسائر العلوم:
بما أن العقيدة الإسلامية هي أصل الدين فإن علم العقيدة يعتبر مرجعاً لسائر العلوم الشرعية التي تلتزم بتحديداته وضوابطه .ومن جهة أخرى نجد علم العقيدة يستثمر حقائق هذه العلوم في الاستدلال ونصرة هذا الدين.
حكم تعلم علم العقيدة:
في حكم تعلم علم التوحيد :ذكر شارح العقيدة الطحاوية ابن أبي العز:"اعلم أن التوحيد هو أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله عز وجل ولهذا كان الصحيح أن أول واجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظرو لا القصد إلى النظر ولا الشك ،فالتوحيد أول ما يدخل فيه في الإسلام و آخر ما يخرج به من الدنيا فهو أول واجب و آخر واجب ."
ملاحظة:القائل بـ :(النظر :الباقلاني، الإنصاف ص23)، و( القصد إلى النظر :الجويني كتاب الإرشاد ص03)، و( الشك :القاضي عبد الجبار كتابه الأصول الخمسة).
و فرض العين منه :هو ما تصح به عقيدة المسلم في ربه من حيث ما يجوز وما يجب وما يمتنع في حق الله تعالى ذاتا و أسماء و أفعالا وصفات على وجه الإجمال.
ويسميه بعض العلماء ( الإيمان المجمل أو الإجمالي) و هو الذي لا يصح الإسلام إلا به ، وهو ما يسأل عنه جميع الخلق. و يسمى أيضا: مطلق الإيمان. قال ابن تيمية: "فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون ومعهم إيمان مجمل."مجموع الفتاوى، 7/271.
النتيجة: تعلم فرض العين من علم التوحيد هو أول الواجبات .
و أما فرض الكفاية :فما زاد على ذلك من التفصيل و التدليل و التعليل و تحصيل القدرة على رد الشبهات وإلزام المعاندين و إفحام المخالفين. وهذا ما يسمى بالإيمان التفصيلي وهو من أجل فروض الكفايات في علوم الإسلام فلا يجوز أن يخلو الزمان ممن يقوم بهذا الفرض الكفائي لأن حفظ العقائد أهم من حفظ الأبدان والأموال.
النتيجة : إذن حكمه أنه فرض عين على كل مكلف في الأدلة الإجمالية و فرض كفاية في الأدلة التفصيلية.
الدرس رقم 04
تقسيمات علم العقيدة :
تتناول كتب علم العقيدة ثلاثة مباحث : الإلاهيات والنبوات والسمعيات ( المعاد أوالبعث أو اليوم الآخر) .
عوامل ظهور علم العقيدة و مراحله
تمهيد:الدراسات الحديثة قررت أصالة علم العقيدة وانبثاقه من مصادر إسلامية أول الأمر وشاركتها عوامل أخرى خارجية أثرت في نمو هذا العلم واتجاهه في مراحل متأخرة .و يمكن تقسيم هذه العوامل إلى اثنين:عوامل داخلية وعوامل خارجية .
1-العوامل الداخلية :وهي ناشئة في المجتمع الإسلامي .تعود إلى المباحث العقدية التي تولدت من اتجاهات الخوارج والمرجئة والمعتزلة حيث البحث في القضاء والقدر والإيمان وأركانه وفي الكفر وأنواعه. و تولد هذا عن أحداث الفتنة الكبرى وعلى رأسها مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه .وأيضا أحداث من الظلم صدرت عن بعض حكام بني أمية وولاتهم .
2-العوامل الخارجية :بسبب الفتوحات الإسلامية ،احتك المسلمون بثقافات وأديان مخالفة وانتشرت شبهات ممن أسلموا إما مخلصين ، وإما منافقين أرادوا التشويش على العقيدة الإسلامية مثل اليهود والنصارى. فمنهم من طعن في التوحيد والنبوة المحمدية .ومنهم من طرح معاني الاتحاد والحلول التي كانت في أديان فارس والهند .ومنهم من طرح معاني التشبيه والتجسيم كما فعل اليهود وبسبب هذه التحديات نشأ بحث العلماء في مسائل العقيدة.
يمكن تلخيص مراحل تطورعلم العقيدة إلى خمسة مراحل :
1- طور النشأة :استغرق هذا الطور كامل القرن الثاني الهجري تقريبا فالنشئة الحقيقية لعلم العقيدة كانت في أوائل القرن الثاني على يد واصل بن عطاء (ت131ه) و عمرو بن عبيد (ت 144) وهما من المعتزلة .وفي هذا الطور وضعت الملامح الأساسية لعلم العقيدة في قضاياه وفي منهجه وألفت فيه بعض الرسائل والكتب التي تتصف بالبساطة شأن سائر العلوم في أطوار نشأتها الأولى .
2-طور الاكتمال و النضج :استغرق هذا الطور القرون : الثالث والرابع والخامس على وجه التقريب وفيه توسعت موضوعات العقيدة فاستغرقت الإلهيات والنبوات والسمعيات .وتوسع منهج الاستدلال فشمل المنهج العقلي والنقلي .ووقع فيه الاقتباس من مسائل العلوم الطبيعية والمنطقية لتستخدم مقدمات في الاستدلال . وقام هذا العلم بدور الدفاع عن العقيدة الإسلامية توضيحا وإثباتا وردا عن الشبهات خير دفاع .وكان له فضل عظيم في حفظ العقيدة الإسلامية وخاصة من قبل المذاهب والأديان التي هاجمتها. ومن أشهر علماء هؤلاء الطور من المعتزلة (أبو هذيل العلاف ت 235ه) و(إبراهيم النظام ت 231ه) و(أبو عثمان الجاحظ ت 255ه) و(أبو علي الجبائي ت 303ه) و(أبو هشام ت 321ه ) و(أبوحسين الخياط ت 390ه) و(القاضي عبد الجبار ت 417ه) في كتابة المغني في أبواب التوحيد والعدل .
ومن الفقهاء والمحدثين:( أبو سعيد عثمان الدرامي ت 260ه )في كتابه الرد على الجهمية. و(محمد ابن إسماعيل البخاري ت 256ه )في كتابه خلق أفعال العباد .
ومن الأشاعرة :(أبو حسن الأشعري ت 324ه) في كتبه :الإبانة عن أصول الديانة.ومقالات الإسلاميين . و(أبو بكر البقلاني ت 403 ه) في كتابه التمهيد و( إمام الحرمين أبو المعالي الجويني ت 478ه ) ومن أهم كتبه الشامل و الإرشاد و (أبو حامد الغزالي ت 505ه) و أهم كتبه الاقتصاد في الاعتقاد. ومن الماتريدية (أبو منصور الماتريدي ت 333ه) وأهم كتبه التوحيد .
3-طور التنظيم و الترتيب :استغرق على وجه التقريب القرون : السادس والسابع والثامن وفيه لم يشهد علم العقيدة نموا ذا شأن لا من حيث الموضوع ولا من حيث المنهج. ولكن علماء الكلام عكفوا على البحوث العقائدية التي أنجزت في الطور السابق وعالجوها بالتنظيم والترتيب والتبويب مع إضافات محدودة في الاستدلال ورد الشبه .
من أشهر علماء هذا الطور من الأشاعرة (فخر الدين الرازي ت606 ه) أهم كتبه معالم أصول الدين و(علي ابن أبي علي الآمدي ت 631ه) أهم كتبه غاية المرام في علم الكلام . و(عضد الدين الإيجي ت 756ه) أهم كتبه المواقف للإيجي و( الشريف الجرجاني ت 816ه) أهم كتبه شرح المواقف و(محمد بن يوسف السنوسي ت 895ه) كتابه أم البراهين.ومن الماتريدية (سعد الدين التفتزاني ت 793ه) كتابه شرح العقائد النفسية .وشيخ الإسلام(ابن تيمية 728ه) في العقيدة الواسطية وفي كتاب درء تعارض العقل والنقل . كما للشيعة والإباضية مساهمات في التأليف في هذا العلم .
4-مرحلة الجمود والتقليد :استغرق ما يقارب الخمسة قرون من القرن التاسع إلى القرن الثالث عشر. وفيه اقتصر العلماء على ما ألفه أسلافهم فعكفوا عليه بالدرس شرحا واختصارا وكتابة للحواشي دون إضافة تذكر لا في الموضوع ولا في المنهج. فأصبح هذا العلم في الغالب ألفاظا ومصطلحات تردد وتكرر دون أن تكون لها صلة بواقع العقيدة الإسلامية من حيث الدفاع عنها .
5-طور البعث والتجديد : منذ أكثر من قرن من الزمن، بدأت تدب في علم العقيدة حركة بعث وتجديد كان الدافع إليها التحدي الغربي الذي ظهر في موجة الاستعمار والغزو الثقافي المسلح بالعلم والفلسفة وتبين للعلماء والمصلحين أن الدفاع عن العقيدة الإسلامية يستلزم التجديد في منهج هذا العلم بحيث تستعمل الأساليب العلمية المناسبة لعقلية المسلمين المعاصرين .لأن الاستدلالات القديمة لم يعد لها تأثير. فكانت أول مبادرة في رسالة التوحيد (محمد عبده ت 1905) والثاني ( مصطفى صبري ت 1954) كتابه : موقف العقل والعلم والدين من رب العالمين ، و(محمد إقبال ت 1938) كتابه تجديد التفكير الديني في الإسلام ،( مالك بن نبي ت 1972) في الظاهرة القرآنية ، محمد باقر الصدرت في (فلسفتنا) ، وحيد الدين خان ت (الإسلام يتحدى) نديم الجسرت(قصة الإيمان بين العلم و الفلسفة و القرآن) محمد سعيد البوطي ت(كبرى اليقينيات الكونية) ، محمد الغزالي (عقيدة المسلم ت1996) ، حسن الترابي ت( الإيمان وأثره في الحياة ) وهؤلاء جميعا نهجوا نهجا جديدا يقوم على التبسيط في العرض والميل في الاستدلال إلى ما يلائم عقلية المخاطبين المتأثرين بالمنهج العلمي ونتائج العلوم سواء كانوا من المؤمنين أو الباحثين عن الحقيقة أومن الملحدين.
أنواع الأدلة في علم العقيدة :
إن كمال الدين وتبليغَ الرسالة مُستلزِمان بيان دلائل الاعتقاد كاستلزامهما بيان مسائله.
والأدلة في علم العقيدة ثلاثة: أدلة نقلية ، وأدلة عقلية نقلية، وأدلة عقلية.
1-الدليل النقلي : لا يعلم إلا من الوحي بالخبر الصادق من نصوص القرآن و السنة الصحيحة التي تدل على مسائل العقيدة و أحكامها .
2-الدليل العقلي النقلي : القرآن الكريم لم يكن مقصوراً على مجرد الخبر عن وجود الله تعالى ووحدانيته وسائر أركان العقيدة، وإنما أقام البراهين العقلية ؛ فكان منهجه ومنهج جميع الأنبياء عليهم السلام الجمع بين الأدلة العقلية والسمعية .( مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: (ج9 /ص226، 227.) خلافًا لِمَن زعَم أنها مجرَّد أدلَّة سمعيَّة تحتاج إلى براهين خارجيَّة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحُسْن والاستقامة، وهي طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية، دلَّ عليها القرآن وهدى الناس إليها؛ فإن نفس كون الإنسان حادثاً بعد أن لم يكن، ومخلوقاً من نطفة ثم من علقة... فإن هذا يعلمه الناس كلُّهم بعقولهم، فهو إذنْ عقليٌّ؛ لأنه بالعقل تُعلَم صحته، وهو شرعيٌّ أيضاً." النبوات، لابن تيمية: ص48.
و النظر العقلي على الوجه الشرعي مع الإيمان لا قبله، وهو شرطٌ في كمال الإيمان، وقد يكون واجبًا عند فَساد الفطرة بشُبهةٍ لا تزولُ إلا به.( الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد:سعود بن عبدالعزيز بن محمد العريفي.)
3-الدليل العقلي:
هو:"ما يتوقف على النظر والاستدلال" شرح المرتقى، ص 23.وأكثر من يستخدمه علماء الكلام .
يوصل إلى معرفة الأصول الكبرى للاعتقاد على وجه الإجمال كالإقرار بالخالق، ووجوب إفراده بالعبادة، والتأليه، وإثبات الكمال كما قد يدرك وجوب الجزاء الأخروي، والبعث بعد الموت إلا أن ذلك لا يدركه على سبيل التفصيل، إذ التفصيل وظيفة السمع وهي مما لا طاقة للعقل به .درء التعارض بين العقل والنقل 1/31-32.
وجوب تقديم الشرع على العقل عند توهُّم التعارض، وإلا ففي الحقيقة والواقع لا يمكن أن يتعارض النقلُ الصحيح مع العقل الصريح. يقول ابن تيمية: "إن الأدلة العقلية الصريحة تُوافِق ما جاءتْ به الرسلُ، وإن صريح المعقول لا يناقض صحيحَ المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه" "درء تعارض العقل والنقل" (1/ 231 - 232).
النتيجة : يوجد نوعان من الاستدلال في علم العقيدة الاستدلال النقلي والاستدلال العقلي .
الدرس رقم 05
أركان الإيمان
أركان الإيمان ستة . جمَعَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في إجابته على سُؤال جبريل عليه السلام عندما قال له: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: (( أنْ تُؤمِن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخِر، وتؤمنَ بالقدَر خيره وشرِّه.)) البخاري رقم (50)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم برقم (8)، عن عمر رضي الله عنه.و قوله تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ البقرة: 285.
الركن الأول: الإيمان بالله تعالى: هو الاعتقاد الجازم بوجود الله تعالى وألوهيّته وربوبيّته وأسمائه وصفاته.
الإيمان بالله بين الفطرة و الاكتساب
السؤال : هل الإيمان بالله تعالى و وحدانيته فطرة في الإنسان مغروسة في أصل خلقته ؟
تعريف الفطرة لغة و اصطلاحا :
الفِطرة لغةً: الخِلْقةُ . لسان العرب (5/ 56)
الفِطرةُ اصطلاحًا: هي الطَّبع السَّويُّ، والجِبلَّة المُستقيمةُ التي خُلِقَ النَّاسُ عليها .وهي مجموع الاستعدادات والميول والغرائز التي تولد مع الإنسان دون أن يكون لأحد دخل في إيجادها. ولا تتشكّل عن طريق الاكتساب والتّلقين والتأثّر بالمحيط.ومن هذه الغرائر على سبيل المثال غريزة التملّك، وغريزة حب البقاء، وغريزة التزاوج،وغريزة التدين .
الإيمان بالله فطرة خلق عليها الإنسان :
حقيقة وجود الله الخالق هي من أظهر وأوضح الحقائق على الإطلاق، "فخلق الإنسان آية دالة على وجوده، وآيات الكون شاهدة على وجوده، وكل شيء في الوجود ينطق بأنّ له خالقا وصانعا حكيما." أفنان بنت حمد بن محمد الغماس – منهج القرآن الكريم في دحض شبهات الملحدين – ص، 29.
وكذلك الفطرة السوية تهدي العبد إلى الإيمان بالله و توحيده ، والقلوب مفطورة على الإقرار به سبحانه أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل: ﴿أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ إبراهيم: 10.و عليه فإن الإيمان بالله الخالق فطرة خلق عليها الإنسان ، فهي طبيعة فيه و إن انحرفت طريقة تعبيره عنها بالقول والفعل .
الأدلة النقلية على أن الإيمان بالله و توحيده فطرة في الإنسان :
في القرآن الكريم و الحديث الصحيح أدلة تؤكد أن الإيمان بالله و توحيده فطرة في الإنسان، و قدر مشترك بين الناس جميعا. و من الأدلة على ذلك مايلي :
1-آية العهد و الميثاق : قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ الأعراف : 172.
ما رواه أحمد(448-12) ، قال: ثنا حسين بن محمد، ثنا جرير - يعنى: ابن حازم - عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني: عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ﴾الأعراف: 172- 173.)) فمعنى خلق المولود على الفطرة هو: أن الطفل خلق سليماً من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه .
قال ابن كثيرفي تفسير الآية : وذهب طائفة من السلف والخلف أن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد.قال نظام الدين النيسابوري في تفسيره : "وفطرة االله هي التوحيد الذي تشهد به العقول السليمة والنظر الصحيح". النيسابوري، غرائب القرآن ورغائب الفرقان ، ج5 ،ص411 ،ج 4 ،ص 175.
2- آية سورة الروم : قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ الروم: 30.قال ابن كثير: فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره.قال ابن عبدالبر: قد أجمعوا في قول الله - عزَّ وجلَّ: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ الروم: 30، على أن قالوا: فطرة الله دين الله الإسلام.ثم قال: وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ الروم: 30قالوا: دين الله الإسلام، ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ الروم: 30 قالوا: لدين الله.
و من السنة :
1- ما ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء)). ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ الروم: 30 . البخاري (1359)، مسلم بنحوه (2658).
"إن الله - تعالى - خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية، أدركت الحق ودين الإسلام، وهو الدين الحق، وقد دل على صحة هذا المعنى قوله: ((كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟)) يعني: أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة، سليمًا من الآفات، فلو ترك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملاً بريئًا من العيوب، لكن يتصرف فيه فيجدع أذنه، ويوسم وجهه، فتطرأ عليه الآفات والنقائض، فيخرج عن الأصل، وكذلك الإنسان، وهو تشبيه واقع، ووجهه واضح. تفسير القرطبي (14/ 29). فيما يغرسه الآباء في نفوس الأبناء ، وما يلقيه الكتّاب والمعلمون والباحثون في أفكار الناشئة ،يلقي على الفطرة غشاوة، فلا تتجه إلى الحقيقة .
و الفطرة هنا هي الإسلام، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة، وليس المراد أن الإنسان حين يخرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ،فإن الله تعالى يقول: ﴿ وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ النحل: 78وإنما المراد أن فطرته مقتضية وموجبة لدين الإسلام ولمعرفة الخالق والإقرار به ومحبته. ومقتضيات هذه الفطرة وموجباتها تحصل شيئاً بعد شيء وذلك بحسب كمال الفطرة وسلامتها من الموانع.(ابن تيمية ، درء تعارض العقل والنقل) (8/383).
2-عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم)) رواه مسلم (2865). فأخبر أن تغيير الحنيفية التي خلقوا عليها بأمر طارئ من جهة الشيطان. ابن عبد البر،أحكام أهل الذمة (2/ 1069). لقد ولدوا حنفاء على فطرة الإسلام، لكن الشيطان يصرفهم عن التوحيد.
النتيجة : 1- الدين الحنيف و هو القائم على توحيد الله تعالى هو ما أودعه الله تعالى في فطرة الإنسان .
2-النصوص الشرعية التي جاءت على ذكر (الفطرة)، اختلف العلماء فيها، على أقوال أبرزها ثلاثة: الأول: التوحيد والإسلام.والثاني: معرفة الله تعالى والإقرار بربوبيته. والثالث: الاستعداد والتهيؤ لمعرفة الخالق وقبول الإسلام.
3-و الحديثان يفيدان أن الإنسان يخلق على التوحيد و هو المعبر عنه في الحديث الأول بالفطرة و في الحديث الثاني بالحنيفية.كما يفيدان أن الانحرافات تعود إلى البيئة الاجتماعية و إلى وسوسة الشيطان .
بعض الشواهد على فطرية الإيمان و غريزة التدين :
1-الشاهد النفسي : هو من نتائج التجربة النفسية ، و يعني أن كل إنسان يجد في نفسه في لحظات الصفاء شوقا إلى قوة عليا تتصف بالكمال ، يطلب عندها الحماية و الأمن و يشعر نحوها بالمحبة و هي الله تعالى.
و إذا عاند معاند في هذا الشعور و أنكر وجود الله ، فإن وقوعه في حال الشدة و الضرورة يجعله يفزع إلى الله تعالى يطلب عنده النجاة و الفرج .و عندئذ تتجلى فطرة الإيمان واضحة أمام هزة الخوف.
فالفطرة المُودَعَة في الإنسان تظهر آثارها حين تكون لها دواعٍ، ومن هذه الآثار الافتقار والحاجة واللجوء إلى قوة أعظم وأقوى ومتعالية هي الله في المحن والشدائد والآفات.وذلك ما وصفه الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ يونس : 12. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا ﴾ الإسراء: 67.وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ الزمر: 8.
فإن بني آدم جميعاً يشعرون بحاجتهم وفقرهم، وهذا الشعور أمر ضروري فطري، إذ الفقر وصف ذاتي لهم، فإذا ألمت بالإنسان – حتى المشرك – مصيبة قد تؤدي به إلى الهلاك فزع إلى خالقه سبحانه والتجأ إليه وحده واستغنى به ولم يستغن عنه، وشعور هذا الإنسان بحاجته وفقره إلى ربه تابع لشعوره بوجوده وإقراره. (درء تعارض العقل والنقل) (8/532-533).
فرجوع الإنسان وإنابته إلى ربه عند الشدائد دليل على أنه يقر بفطرته بخالقه وربه سبحانه، وهكذا كل إنسان إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع عرف افتقاره إلى الباري سبحانه في تكوينه في رحم أمه وحفظه له، وعرف كذلك افتقاره إليه في بقائه وتقلبه في أحواله كلها، وتبقى هذه المعرفة في نفسه قوية لأن الحاجة استلزمتها، فتكون أوضح من الأدلة الكلية مثل افتقار كل حادث إلى محدث.(مجموع الفتاوى) (1/48-49).
2- الشاهد الاجتماعي التاريخي : والذي يدل على فطرية الإيمان تاريخيا، ملازمة التدين لكل العصور سواء عند الشعوب البدائية أو المتحضرة، حتى قال بعضهم: "حيثما يوجد الناس يسكن الدين. "كما أن الديانات لم تندثر مع مرور الأزمان، وتغير الظروف والأحوال، وتطور الإنسان في جميع مناحي الحياة، بل على العكس زاد مع مرور الأزمان ونمو المجتمعات ارتباط الناس بالأديان، وخاصة دين الإسلام.
إن الشعور الديني لم ولن يفارق أمة من الأمم أو جماعة من الجماعات؛ والحقيقة الثابتة أن الإنسان دوماً في حيرة من أمره، وهو يجتهد لمعرفة مبتدأه ومصيره، كما يبحث عن تفسير لكل الظواهر الكونية، مما يحثه على الإيمان بوجود قوة يخضع لها هذا الوجود بكامله. وفكرة التدين، في جوهرها، ليست هناك دليل واحد يدل على أنها قد تأخرت عن نشأة الإنسان، فهي غريزة وسمة مشتركة بين كل الأجناس البشرية حتى تلك التي أشدها همجية وأقربها إلى الحيوانية. وأن الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة، هو أحد النزعات العالمية الخالدة، وهي لا تختفي ولا تضعف ولا تذبل ،"لقد وُجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، ولكنه لم توجد قط جماعة بلا ديانة ".(هنري برغسون).
هذه الفطرة هي التي تفسر الظاهرة التي لاحظها الباحثون في تاريخ الأديان ، وهي أنّ الأمم جميعاً – التي درسوا تاريخها – اتخذت معبودات تتجه إليها وتقدَّسها . وقد يقال هنا : لو كان التوجه إلى الله أمراً فطرياً لما عبد النّاس في مختلف العصور آلهة شتى ؟والجواب : أنّ الفطرة تدعو المرء إلى الاتجاه إلى الخالق ، لكنّ الإنسان تحيط به مؤثرات كثيرة تجعله ينحرف حينما يتجه إلى المعبود الحق .
يرى الفيلسوف الألماني فريديرك شلنغ في كتابه (فلسفة الميتولوجيا) أن فكرة التوحيد هي التي كانت تسود الإنسانية الأولى، ثم انتقلت الإنسانية إلى التعدد والشرك، وهامت في بحار من الأساطير عن تعدد الآلهة وتكثرهم. الأمر الذي يتفق فيه معه عالم الآشوريات البريطاني ستيفن لانغدون قائلًا: "إن تاريخ الحضارة الإنسانية القديمة تزامن مع تدهور التوحيد إلى الوثنية والاعتقاد بالأرواح والأشباح، إن هذا يشكل انحطاطًا للإنسان بمعنى الكلمة".
تفسير ظاهرة الإلحاد :
السؤال : إذا كان الإيمان بالله فطرة في الإنسان فكيف نفسر ظاهرة الإلحاد و هي ظاهرة قديمة وحديثة ؟
والجواب: إن الإقرار بالخالق يكون فطرياً في حق من سلمت فطرته، أما الإلحاد فهو إنكار الخالق : ظاهراً فقط و الملحد هو في الحقيقة معترف في قرارة نفسه بوجود مدبر وصانع، ويحيل ذلك إلى الطبيعة أو غيرها. وبناء عليه، فالفطرة من سنن الله التي لا تقبل الإلغاء والتبديل، لكنها تقبل التغيير وتخضع للتأثير.
فبعد الولادة والاندماج في الحياة الاجتماعية، تصبح جميع الصفات الفطرية عرضة للتأثيرات السلبية، وقد تحجب نداء الفطرة وتلوّث صفاءها، وقد تؤدي إلى التمرد على فطرة الإيمان بالله ومحاولة جحوده وإنكار وجوده.
واللجوء إلى الإلحاد واللادينية والحياة المادية الخالصة مثل الشيوعية (لا إله والحياة مادة ) و الوجودية الملحدة ،يفهم منه ابتعاد النفس عن الفطرة السليمة بالتوغل في الماديات والانشغال بالحياة الدنيا، ونسيان الغرض الأساسي من الوجود الإنساني، والمتمثل في عبادة الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
أسباب ظهور الإلحاد: هناك أسباب كثيرة نذكر بعضا منها :
الكبر: هو الإعراض عن الحق.فقد يصاب الإنسان بالكبر والعجب فيرى نفسه أعلى من كل شيء ، فيستكبر على الله وعلى الرسل وعلى العباد و يمنعه ذلك من قبول العلم والحق.كما فعل فرعون الذي ادعى الألوهية و الربوبية .
اتباع الشهوات : و هي الرغبة الجامحة عند البعض في الانفلات التام من الدين وعدم التقيد بأوامره ونواهيه لتحقيق رغباته الشهوانية المختلفة ، فيدعي إنكار الخالق.
اتباع الشبهات :و سببها الجهل و الشك و التقليد الأعمى للضالين . فينشأ الشاب أو الفتاة وهو لا يعرف دينه حق المعرفة ولا يحبه كما يجب، فتنطلي عليه الشبهات ويسهل عليه ترك دينه لأي سبب. خاصة في ظل الانفتاح الثقافي ووسائل العولمة والاتصالات السريعة، التي أدت إلى سرعة انتشار المعلومات .وكما أن الإلحاد قد يصادف قلبًا خاويًا فيتمكن منه فقد يصادف أيضا عقلًا خاويًا فيفتك به .و يقع الشاب بسبب ضعف المناعة العلمية ضحية لأفكار تمهد للإلحاد أو تقود إليه أو توقع فيه.
الإيمان بالله و مسلك النظر :
الإيمان الفطري المغروس في غرائز البشر يخبر صاحبه أن تدبير الكون كله صادر عن قوة غيبية ، والمؤمنون بالله الموحدون له إنما يهتدون إلى ذلك بالآيات الكونية التي تدل على اتصاف الخالق بالصفات العلى والكمال المطلق، قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾النحل: 17.و الأدلة على وجوده تبارك وتعالى إنما جاءت معززة لدلالة الفطرة ومحققة لليقين كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ولكن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ البقرة: 260، فمع أنه لم يكن عنده شك في أن الله هو الواحد الأحد وهو رب كل شيء، أراد أن يرى أمراً ملموسا ليقوى به ما في قلبه من يقين.
والتأمل في نظام الكون وأجزائه والتفكر في المخلوقات بدءاً من الإنسان وتكوينه وأعضائه وأجهزته وانتهاء بالنجوم والمجرات وطبقات الأرض، يزيد الناس إيماناً ويقيم الحجة على من عاند. وكلما تقدم العلم وقف العقلاء مبهورين من عظمة هذا الكون ونظامه الدقيق ليقفوا بكل خشوع وإجلال أمام القدرة الخالقة. وهذا انتقال من المخلوق إلى الخالق، ومن الطبيعة إلى مكونها وبارئها ،ومن المسبب إلى السبب ، مما يقتضيه العقل ويسوق إليه الفكر في أدق الأمور وأجلها وأحقر الأشياء وأعظمها ،وهو ما نطق به ذلك الأعرابي فقال: البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام يدل على المسير.فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا تدل على العليم الخبير؟
والقرآن الكريم يحث العقل على التأمل في الكون والتدبر في المخلوقات . قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾. الزمر: 5-6. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ الروم:22.
الخلاصة :يحصل الإيمان بالله تعالى عن طريق الفطرة السليمة و ذلك من فضل الله تعالى بعباده .و يقوى هذا الإيمان بالتفكر والتدبر في آيات الأنفس والآفاق المبثوثة في الكون.و على الإنسان أن يجتهد في أن يكون مؤمنا عابدا لله ثابتا على الاستقامة ، و ذلك بالتمسك بالشرع ، و تقوية الإيمان بالنظر و العلم .إذن لكي يكون الإنسان مؤمنا لا يكفي الاستعداد النفسي الفطري ، بل لا بد من بذل جهد في إخراج هذا الإيمان من القوة إلى الفعل وفي تقويته و الثبات عليه . خاصة مع تأثير التربية والبيئة الاجتماعية وغواية شياطين الإنس و الجن .
الدرس رقم 06
التوحيد و أنواعه
التوحيد هو لب عقيدة الإيمان بالله تعالى وهو أساس الدين كله.
التوحيد لغة: مصدر وحد يوحد توحيدًا، أي جعل الشيء واحدًا. الواحد في اللغة كما قال ابن الأثير؛ هو الفرد الذي كان، وما زال، وسيبقى وحده، ليس معه آخر. والواحد يدلّ على الانفراد كما قال ابن فارس.
والتوحيد في الاصطلاح الشرعي: إفراد الله تعالى بالعبادة، مع اعتقاد وحدته في ذاته وصفاته وأفعاله.
أنواع التوحيد:قسم العلماء التوحيد إلى ثلاثة أقسام هي:1- توحيد الربوبية.2- توحيد الأسماء والصفات.و يسميان : توحيد علمي خبري.3 -توحيد الألوهية و يسمى: توحيد عملي طلبي.
توحيد الربوبية: هو إفراد الله سبحانه وتعالى بالخلق، والملك، والتدبير و الرزق و الإحياء و الاماتة و النفع و الضر... فلا يتصف بهذه الأفعال إلا الله تعالى وحده .قال تعالى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ الزمر: 62، ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ الملك: 1 ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ السجدة: 5، ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ هود: 6، ﴿ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ يونس: 56.ويسمى توحيد الربوبية توحيد المعرفة والإثبات.
توحيد الألوهية:هو إفراد العبد الله تعالى بجميع أنواع العبادات وإخلاصها له وحده لا شريك له ظاهرًا و باطنًا ، مثل الدعاء والخوف والتوكل والاستعانة والاستعاذة وغير ذلك.ويسمى توحيد العبادة لأن الألوهية و العبودية بمعنى واحد إذ معنى الإله:المعبود. وهذا هو التوحيد الذي أُنزلت به الكتب وأُرسلت به الرسل ، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ الأنبياء: 25. قال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ غافر: 60،﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ الفاتحة: 5.
توحيد الأسماء والصفات: "معناه الإيمان بما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته من الأسماء الحسنى والصفات العلى من غير تحريف ألفاظها أو معانيها ولا تعطيلها بنفيها أو نفي بعضها عن الله عز وجل، ولا تكييفها بتحديد كنهها وإثبات كيفية معينة لها ولا تشبيهها بصفات المخلوقين". محمد نعيم ياسين،الإيمان أركانه حقيقته ،نواقضه،ص27. قال تعالى: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ طه: 8. وقال سبحانه: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ الحشر:22-23-24
إن توحيد الله في أسمائه وصفاته يتطلب التقيد بالكتاب والسنة على النحو الآتي:
1-أسمائه وصفاته توقيفية لا اجتهاد فيها، فلا نثبت لله و لا ننفي عنه إلا بدليل من الكتاب والسنة.
2-الإيمان بأن الله تعالى لا يشبه أحدًا من خلقه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ الشورى: 11
3-الإيمان بأن صفاته كلها صفات كمال فله سبحانه الكمال المطلق وهو المنزه عن كل نقص. ومن السور التي تشمل بعض صفاته :سورة الإخلاص، وأواخر سورة الحشر، والإسراء...الخ.
4- أمر الله بدعائه بأسمائه الحسنى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الأعراف:180.
التفرقة بين توحيد الربوبية و توحيد الألوهية :
توحيد الربوبية : أقر به الكفار على زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يدخلهم في الإسلام، قال الله تعالى فيهم: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ لقمان: 25. و حكى الله عنهم: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾. يوسف:106. ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ الزخرف :87
توحيد الألوهية : هو الذي أنكره الكفار قديماً وحديثاً، قال تعالى: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ ص: 5. وهذا التوحيد هو معنى لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله. وهذا التوحيد هو أعظم أنواع التوحيد وأهمها والمتضمن لها جميعًا ولا يصير العبد مؤمنًا إلا بتحقيقه .
النتيجة : توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية و توحيد الأسماء و الصفات . وإن كان توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية عند العقلاء لأنه يدل على أن الخالق المالك المدبر هو المستحق وحده للعبادة ، إلا أن الإقرار بتوحيد الربوبية لا يعني الإقرار بتوحيد الألوهية كما علمنا.
الدرس رقم 07
الإيمان باليوم الآخر
اليوم الآخر: هو يوم القيامة، الّذي ورد ذِكره في القرآن في سبعين موضعاً، ومن تلك المواضع قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ النّساء: 87
وقد سمّي هذا اليوم باليوم الآخر: لأنّه لا يوم بعده، ووقته من يوم الحشر وإلى ما لا نهاية. فالمراد باليوم الآخر أمران:الأول: فناء هذه العوالم كلها وانتهاء هذه الحياة بكاملها.الثاني: إقبال الحياة الآخرة وابتداؤها.
وسمّاه الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة لها معانٍ عظيمة، ولعلّ من أهمّها:
القارعة: يدلّ هذا الاسم على الهلع الّذي يدخل في قلوب العباد، نتيجة لشدّة أهوال ذلك اليوم، قال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾القارعة:1-3.وقد سمّيت القارعة بهذا الاسم: لأنّها تقرع القلوب من شدّة أهوالها وأحداثها العظيمة.
يوم الفصل: سمّي بذلك لأنّه اليوم الّذي يفصل الله فيه بين العباد جميعاً، فقد قال عزّ من قائل: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾الدّخان:40.
يوم الدّين: إنّه يوم الحساب والجزاء لجميع العباد، والّذي سيقام من قبل الله سبحانه فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ* يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾الانفطار: 17-19.
الإيمان باليوم الآخر: هو أن يُصدّق المسلم تصديقًا جازمًا بأنّ الله تعالى سينهي الحياة الدنيا في وقت ما أعدّه لذلك، و هو أن يُؤمن العبد بما جاء في القرآن من إخبار الله تعالى، وما جاء في سنة رسول الله -عليه السلام- بالذي يكون بعد موت الإنسان من حياة القبر بنعيمه وعذابه، والإيمان بالبعث والحشر والحساب والصحف والميزان، والإيمان بالصراط والحوض والجنة والنار، وكلّ ذلك هو في عالم الغيب؛ فهو غير مشهود من أحد، وقد أخبر الله تعالى عباده به عن طريق الرسل الكرام، والإيمان بكل ما أخبر الله به عن اليوم الآخر هو واجب على كل مسلم.حيث لا يُقبل الإيمان من المؤمن حتّى يأتي به، فقد قرنه الله سبحانه في كتابه مع الإيمان به فقال:﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ِالبقرة: 77.
يتضمّن الإيمان باليوم الآخر عدّة أمورٍ لا يتمّ إلّا بها :
أوّلها :أن يؤمن العبْد بمقدّمات اليوم الآخر؛ كالموت، وعذاب القبر، وعلامات الساعة.
وثانيها :أن يؤمن ببعث الله للناس من القبور.
وثالثها: الإيمان بأحداث اليوم الآخر نفسه؛ كالحشر، والحساب، والجزاء، والشفاعة، والحوض، والصراط، ونحوه. وأخيراً :الإيمان بوجود الجنّة ونعيمها والنار وعذابه، وأن الناس مصيرهم إمّا إلى الجنّة أو إلى النار.
أهمية الإيمان باليوم الآخر :
عني القرآن الكريم عناية بالغة، واهتم اهتماماً خاصاً، بالحديث عن اليوم الآخر من خلال عرض أحداثه، وتقريره في كل موقع، وإثبات وقوعه بمختلف الأدلة والآيات، والرد على منكريه، ودحض شبهاتهم بمختلف الحجج والبراهين.و من ذلك :
1-الإتيان به عقب الإيمان بالله مباشرة:
الإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان الستة، كما ورد في حديث جبريل المشهور: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر...» إلا أننا نلاحظ أن القرآن الكريم يضع الإيمان باليوم الآخر عقب الإيمان بالله عز وجل مباشرة في كثير من الآيات، يقول تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ البقرة: 177. وكذلك جعله بين الإيمان بالله وبين العمل الصالح حيث يقول سبحانه: ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ البقرة: 62.
وقال صلى الله عليه وسلم: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) البخاري (6018)، ومسلم (47).
2-الإكثار من التذكير به، وعرض مشاهده، وتفصيل أحداثه
فالذي يقرأ القرآن يلاحظ أنه لا تكاد تخلو سورة من سوره من التذكير باليوم الآخر، وتدبر ما سيقع فيه من أحداث ومشاهد وأهوال، قام القرآن الكريم بعرضها عرضاً مفصلاً وفي صور عديد ومتنوعة، حتى تتم العبرة والاتعاظ به على أكمل حال.بالإضافة إلى تعددأسمائه و كثرتها .
وقد قسّم العلماء علامات اليوم الآخر إلى علاماتٍ صغرى وأخرى كبرى.
العلامات الصغرى :هي ما دلّت على اقتراب يوم القيامة، ووقع أغلبها؛ كبِعثة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكثرة القتل، وضياع الأمانة، وغيرها من العلامات الواردة في النّصوص الشّرعية الصحيحة.
العلامات الكبرى : هي أقرب للساعة من الصغرى، وتُنذر ببدء الساعة؛ ومنها خروج المهدي، وظهور الدجّال، ونزول نبي الله عيسى -عليه السلام-، وخروج يأجوج ومأجوج، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وغيرها من العلامات الواردة في النصوص الشّرعية الصحيحة، وهذه الأمارات تأتي مُتتابعةً وراء بعضها.
بداية اليوم الآخر :
وقد زخرت نصوص القرآن الكريم والسنّة النبوية بالحديث عن اليوم الآخر وأحداثه ومقدّماته؛ حيث يبدأ هذا اليوم بحدوث تغيّراتٍ كبيرةٍ في الكوْن، فتنشقّ السماء، وتتصادم الكواكب ببعضها، وتتناثر النجوم، وتذوب الجبال، ويتدمّر كلّ ما اعتاد الناس على شَكله، وكلّ ذلك يكون بعد أن يأمر الله -سبحانه وتعالى- الملَك إسرافيل -عليه السلام- بالنّفخ في الصور، فيموت ويُصعق جميع من في السماوات والأرض، قال الله -تعالى-: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ*وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾، الحاقة،: 13-14. وقال -سبحانه-: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّـهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾. الزمر: 68. محمد نعيم ياسين، الإيمان أركانه وحقيقته ونواقضه، الاسكندرية: دار عمر بن الخطاب، صفحة 62.
يبدأ اليوم الآخر بالنسبة للإنسان بالموت، أما الكون بما فيه ومن فيه فبقيام الساعة، ثم تستمر الأحداث متتالية حتى الخلود الأبدي في نعيم الجنة أو في عذاب النار.
1- الموت و الحياة البرزخية: الموت هو قانون عام شامل لجميع الموجودات، قال الله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ العنكبوت: 57.
والموت هو مفارقة الروح للجسد، كما أن الحياة تعني إتصال الروح بالجسد، ومتى فارقت الروح جسد صاحبها فقد مات وانتهى أجله، يقول تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، الأعراف: 34.
والموت حقيقة مشاهدة محسوسة، وكل إنسان يوقن أنه سيموت. يقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ الجمعة: 8. ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ ،الفجر: 27. ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ .يونس: 62 – 64.
فبالموت ينتقل الإنسان من عالم الدّنيا إلى عالم البرزخ، وفي عالم البرزخ تنكشف للإنسان حقائق لم يكن قد شاهدها أو علم بها قبل الموت.فالإنسان لا يفنى ولا ينعدم بالموت، وإنّما الذي يفنى هو جسده فقط.
تعريف البرزخ لغةً : الحاجز بين الشيئين، المانع من اختلاطهما وامتزاجهما، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ* بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾، الرحمن: 19-20.
تعريف البرزخ شرعاً: مرحلةٌ ما بعد الموت، وهو ما بين الدنيا والآخرة، ويستمر من وقت الموت إلى البعث عندما يُنفَخ في الصور. قال تعالى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾المؤمنون : 99-100
وجاءت الإشارة إلى الحياة البرزخية في قوله تعالى عن آل فرعون:﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾غافر: 46. و عن قوم نوح : ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا ﴾ نوح :25.
بالإضافة إلى قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: ((إنَّ القبرَ أوَّلُ منازِلِ الآخرَةِ فإن نجا منهُ فما بعدَه أيسَرُ منهُ وإِن لَم يَنجُ مِنهُ فما بعدَه أشدُّ منهُ))رواه السيوطي، في الجامع الصغير، عن عثمان بن عفان، الرقم: 2079 .
والقبر من أعظم الفتن، وأصعب الأمور التي قد يتخيلها الإنسان، ولذلك كان النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- يستعيذ بالله منه، حيث كان يقول:( (اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِن عذابِ جَهَنَّمَ ومِن عذابِ القبرِ))، رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن عبد الله بن عباس، الرقم: 3494 .
روى هانئ مولى عثمان بن عفان، قال: كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى، حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(( إنَّ القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيت منظراً قط إلا القبر أفظع منه)) . رواه الترمذي (2308)، وابن ماجه (3461)، وأحمد (1/63) (454)، والحاكم (4/366).
وعندما يوضع الميت في القبر فإنه يضمه ضمة لا ينجو منها أحد كبيراً كان أو صغيراً، صالحاً أو طالحاً، فقد جاء في الأحاديث أن القبر ضم سعد بن معاذ، وهو الذي تحرك لموته العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضم ضمة، ثم فرج عنه)). رواه النسائي (4/100)، والطبراني (6/10) (5340).
وجاء في الحديث الذي يرويه البراء بن عازب عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (( فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه، ويجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله عز وجل: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾إبراهيم: 27، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، وقال في العبد الكافر أو الفاجر: ويأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه، ويجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه، هاه لا أدري، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد، فيقول: هاه، هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون ذاك، قال: فيقولان: لا دريت ولا تلوت فينادي منادي أن كذب عبدي)) . رواه أبو داود (4753)، وأحمد (4/287) (18557).
ولما كان ما بعد القبر أيسر منه لمن نجا، فإن العبد المؤمن إذا رأى في قبره ما أعد الله له من نعيم يقول:(رب عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي). جزء من حديث رواه أبو داود (4753)، وأحمد (4/295) (18637). والعبد الكافر الفاجر إذا رأى ما أعد الله له من العذاب الشديد فإنه يقول على الرغم مما هو فيه من عذاب: (رب لا تقم الساعة.) جزء من حديث رواه أبو داود (4753)، وأحمد (4/295) (18637).
و لما كان إنكار البعث هو أهم قضية ذكرت في القرآن الكريم فإننا نتناولها هنا لأهميتها .
الدرس رقم 08
2- البعث :
بعد حدوث جميع أشراط الساعة يحدث الحدث الأعظم، ألا وهو الانقلاب الكوني حيث تبدل الأرض والسماوات، وتنتهي الحياة الدنيا تماما، وقد ورد ذكر هذا الانقلاب الكوني العظيم في كثير من آي و سور القرآن الكريم :[ التكوير، الانفطار، الانشقاق، الزلزلة، القارعة...]
قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُعُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾التكوير:1-13.
البعث في اللغة: يطلق على معان عدة:
ا-الإرسال: يقال بعثت فلاناً أو ابتعثته أي أرسلته. ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ الأعراف: 103، معناه أرسلنا.
ب-الإيقاظ من النوم: يقال بعثته من نومه إذا أيقظته.
ج-الإثارة: وهو أصل البعث، ومنه قيل للناقة: بعثتها إذا أثرتها وكانت قبل باركة.
د-النشور: بمعنى البسط والانتشار والتقلب، لهذا يسمى يوم البعث يوم النشور، قال تعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾فاطر:9.
البعث اصطلاحا:إحياء الله للموتى وإخراجهم من قبورهم للحساب والجزاء. و يكون بإحياء الأجساد وعودة الأرواح إليها بعد النفخ في الصور النفخة الثانية كما قال الله تعالى :﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِی الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فیهِ أُخْری فَإِذا هُمْ قِیامٌ ینْظُرُون﴾ الزمر: 68. قال ابن كثير : البعث وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة. ابن كثير ج4 ص 614. قال الله تعالى:﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾الحج: 6-7. ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ القمر:7.
أدلة القرآن في إثبات البعث:
نهج القرآن الكريم في الاستدلال على البعث، وتحقُّقِ وقوعه منهجاً قوياً، يجمعُ بين ما فُطِرَتْ عليه النفوس من الإيمان،و بين ما تشاهد وتحس ، وبين ما تقرره العقول السليمة، وتلك الطريقةُ التي تميّزَ بها القرآن الكريم .
1-الاستدلال على البعث بالنشأة الأولى: ومعناه أن الإعادة أسهل من البدء : إن الله الذي خلق شيئاً أول مرة يقدر على إعادته. بل هو على إعادته أقدر. وكلٌ عليه هين سبحانه. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ الروم:27. ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾ مريم: 66-67. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ ﴾ الواقعة: 62. ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾الأنبياء: 104.فكما خلق الله الإنسان أول مرة : قادر على أن يخلقه مرة أخرى .
2-الاستدلال على البعث بخلق السماوات والأرض: فإن خلقها أعظم من خلق الإنسان، قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا َعْلَمُونَ﴾غافر:57. قال تعالى:﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ الأحقاف: 33. ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا﴾ الإسراء: 99. أخبرنا الله تعالى أن خلق السموات والأرض أكبر من خلقنا، فلا عجب أن يقدر على أن يعيد خلقنا.
3- الاستدلال على البعث بإحياء الأرض بعد موتها وخلق النباتات المختلفة:
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾فصلت:39. ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ق: 9 - 11. ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ الروم: 19. ووجه الدلالة واضح و هو من الأمور المشاهدة: أرض أصابها الجدب فإذا بأشجارها تيبس بعد نضارتها، وإذا بتلك الأرض هامدة خاشعة مستكينة قد مات منها كل شيء ، فيريد الله إحياءها، فتنزل عليها الأمطار، فإذا بها قد اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وكأنها لم تكن هي التي كانت ميتة بالأمس قبل أن تمطر، فإذا بثمراتها تؤتي أكلها من كل نوع، وإذا بها تكسى حلة خضراء. فلو كان مستحيلا إعادة الحياة إلى الإنسان مرة أخرى ،لما عادت الحياة إلى النباتات المختلفة بعد موتها لأن المشابهة واضحة في القدرة الإلهية في إعادة الحياتين سيرتهما الأولى.
4-الاستدلال على البعث بإخراج النار من الشجر الأخضر: قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ يس: 80 .﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ ﴾ الواقعة: 71 ـ 72. وفي الآيتين استدلال بتوليد النار مع حرها ويبسها من الشجر الأخضر مع برده ورطوبته.و الشجر إنما يكون أخضر إذا كان مليئاً بالماء، فمن قدر على إخراج النار من هذا الشجر المليء بالماء قادر على إحياء الأموات من قبورهم. ووجه دلالة النار على البعث أن النار تكمن في الشجر والحجر ثم تظهر بالقدح وتشب بالنفخ، فالحجر، والشجر كالقبر والقدح والنفخ كالنفخة في الصور.( محمَّد محمَّد الصَّلابي، المعجزة الخالدة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، ص (149 – 150).
4- الاستدلال على البعث بما وقع من البعث الحسي المشاهد في الحياة الدنيا: وذلك بإحياء الله لبعض الموتى في الحياة الدنيا ليكون ذلك دليلاً على البعث في يوم القيامة كما في الآيات الآتية:
1- قصة العزير – أو غيره ممن ذكرهم علماء التفسير من الخلاف في تعيين المار على تلك القرية :
قال تعالى: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ البقرة: 259.
2- طلب إبراهيم من ربه مشاهدة كيفية إحياء الموتى.قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ البقرة: 260.
3- موت بني إسرائيل الذين تنطعوا في إيمانهم واشترطوا لذلك أن يروا ربهم، فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثهم الله ليريهم قدرته.قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ البقرة: 55.
4- إخبار الله عن قتيل بني إسرائيل الذي أعاد الله إليه الحياة بعد ما قتل وأخبر عن قاتله معجزة لنبي الله موسى عليه الصلاة والسلام.فقال تعالى: ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ البقرة: 73.
5- إخبار الله تعالى عن إماتة آلاف الناس خرجوا من ديارهم حذر الموت، فأماتهم الله ثم أحياهم. قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ البقرة: 24.
6-ما أخبر الله به عن عيسى عليه السلام من أنه كان يحيي الموتى بإذن الله . قال تعالى:﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾.آل عمران :49 وهذه الأدلة المتقدمة أدلة مادية حسية، وقعت كلها لتدل على إحياء الموتى بعد مماتهم وهذا برهان قطعي على القدرة الإلهية.
5- الاستدلال على البعث بحصول اليقظة بعد النوم: فإن النوم أخو الموت واليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت فنحن كل يوم نموت ونبعث.قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾الأنعام : 60. قال تعالى : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.الزمر :42و.المراد منه الاستدلال بحصول هذه الأحوال على صحة البعث والحشر والنشر كما ذكره الرازي وغيره.ومن شواهد ذلك في القرآن الكريم قصة أصحاب الكهف .
6- الاستدلال على البعث بعدم عبثية الخلق: قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾المؤمنون : 115. و﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ﴾القيامة : 36. و﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ غافر : 58.وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ السجدة : 18. فعدل الله وحكمته وإحقاقه الحق وإبطاله الباطل وإعطاؤه كل ذي حق حقه وتميزه بين الخبيث والطيب والمحسن والمسيء كل ذلك يأبى إلا أن يكون هناك يوم آخر ينال فيه كل إنسان جزاؤه وما يستحقه من الثواب والعقاب على ما قدم من خير أو شر.
القرآن الكريم في تقرير عقيدة البعث ركز على ثلاث أصول :
أحدها: تقرير كمال علم الرب سبحانه :﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾ يس: 78 ـــ 80.
ثانيها: تقرير كمال قدرته : ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾يس:81 ــ 82.
ثالثها: تقرير كمال حكمته : ﴿ أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا وأنّكم إلينا لا ترجعون﴾ المؤمنون:115.
الدرس رقم 09
3- الحشر و الحوض و الشفاعة:
الحشر : إطلاق لفظة الحشر على الكثرة والجماعة، مراداً بها جمع الناس في مكان. قال تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴾الشعراء: 36 .
الحشر اصطلاحا : قال الأزهري نقلاً عن الليث: الحشر: حشر يوم القيامة.تهذيب اللغة. (4 / 177).
قال ابن حجر في بيان معنى الحشر:حشر الأموات من قبورهم وغيرها بعد البعث جميعاً إلى الموقف. قال الله عز وجل:﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴾ الكهف:47 .(فتح الباري. 4/379 ) .وقال البيجوري: (الحشر عبارة عن سوقهم – أي الناس – جميعاً إلى الموقف وهو الموضع الذي يقفون فيه) .(شرح جوهرة التوحيد. ص 170.)
ومن الأدلة على حشر الناس يوم القيامة:
قول الله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ إبراهيم: 48.قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ الواقعة: 49- 50. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾يونس :45
وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ». متفق عليه: رواه البخاري (6527)، ومسلم (2859)، واللفظ له.
صفة الحشر: عن حديث المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى يكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه.)) رواه مسلم (2864).
وعن سهلِ بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (( يحشرُ النَّاسُ يومَ القيامة على أرضٍ بيضاء عفراء كقرصةِ النَّقى ليس فيها معلم لأحد)). رواه البخاري (6521)، ومسلم (2790).
شفاعة الرسول يوم القيامة:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا فَيُسْتَجَابُ لَهُ، فَيُؤْتَاهَا، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» رواه البخاري (6304)، ومسلم (199)، واللفظ له.
يشفع الرسول -عليه الصلاة والسلام- في الخلائق كلّها يوم القيامة عند الله تعالى؛ وذلك حينما يقف الناس يوم القيامة مَوقفاً عصيباً؛ مُنتظِرين الحساب، فيتوسّلون بالأنبياء -عليهم السلام-؛ كي يُعجّل الله الحساب والقضاء بينهم؛ فيتوسّلون بآدم، ثمّ بنوح، ثمّ بإبراهيم، ثمّ بموسى، ثمّ بعيسى، حتى إذا أتوا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم فيقول: "أنا لها، أنا لها". فيشفع لهم في فصل القضاء ، فهذه الشفاعة العظمى، وهي من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. وهي من المقام المحمود الذي وعده الله إياه ، فيشفع حينها لأهل الموقف جميعاً؛ وذلك المقصود بقَوْله تعالى:﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحمودًا﴾. الإسراء: 79. عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- من أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- يُقال له يوم القيامة: (سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ). مسلم ، الرقم: 193.
الحوض:
أما الحوض فهو تكرمة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم: روى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه و سلم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما، قلنا: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «لقد أنزلت علي آنفا سورة»، فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ثم قال: «أتدرون ما الكوثر؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم في السماء، فيختلج العبد منهم فأقول: ربي إنه من أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدث بعدك» . فيتبين لنا أن ماء الكوثر والحوض شيء واحد، كما جاء في حديث مسلم، وأن أصله في الجنة، فما كان جاريا منه في داخلها فهو ماء الكوثر، وأما ما انصب في خارجها فهو ماء الحوض، و يكون في عرصات يوم القيامة.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال :((إِنَّ قدر حوضي كما بين أَيْلَه وصنعاء من اليمن، وإِنَّ فيه مِنَ الأباريقِ بعدد نجوم السماءِ)). رواه البخاري (6585)، ومسلم (2303) .
عن أبي عبيدة عَنْ عائشة رضي الله عنها قال: سألتُها عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾الكوثر:1 قالت: نهْرٌ أعطيهِ نبيّكُم صلى الله عليه وسلم شاطئاهُ عليه دُرٌّ مجوَّفٌ آنيته كعدد النجوم.رواه البخاري (4965)
قال النبي صلى الله عليه وسلم :((إنِّي فرطُكُم على الحوض، من مَرَّ عليَّ شرب، ومَنْ شربَ لم يظمأ أبداً. لَيَرِدَنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفونني ثمَّ يحالُ بيني وبينهم.)) رواه البخاري (6583). قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي عيَّاش فقال: هكذا سمعت مِنْ سهل؟ فقلت: نعم. فقال: أشهَدُ على أبي سعيد الخدري لسمعتُهُ هو يزيدُ فيها : ((فأقول إنَّهم مِنِّي، فيقالُ: إنَّك لا تدري ما أحْدَثُوا بعدك، فأقول سُحْقاً سُحقاُ لمن غير بعدي.)) رواه البخاري (6584).
عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة، ومنبري على حوضي.)) رواه البخاري (1196)..
السداسي الثاني
الدرس رقم :10
4-الحساب و الميزان و الصراط:
الحساب :يتقدم الناس للحساب، فمنهم من يحاسب حسابا يسيرا وهو العرض الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: «أما من حوسب يوم القيامة فقد عُذِّب، فقالت: أليس الله عز وجل يقول :﴿فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾؟ قال: إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة فقد عذب»- متفق عليه-
ومنهم من يستنطق ويحاسب على كل صغيرة وكبيرة وإن حاول الكذب أو الكتمان ختم على فمه واستنطقت جوارحه، قال تعالى:﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾يس:65.
و تتطاير الصحف التي كتبتها الملائكة تسجيلا لأعمال البشر في الدنيا، فيأخذ كل إنسان كتابه، فهناك من يأخذه باليمين أو من أمامه، ومنهم من يعطى كتابه بشماله أو من وراء ظهره، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾الانشقاق:7-12. ﴿ وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ الإسراء :13- 14﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ التكوير: 10.
الميزان : توزن فيه أعمال العباد، ومن معتقد أهل السنة ، أن الميزان له لسان وله كفتان، كما في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «المِيزَانُ لَهُ لِسَانٌ، وَكِفَّتَانِ يُوزَنُ فِيهِ الحَسَنَاتُ، وَالسَّيِّئَاتُ، فَيُؤْتَى بِالحَسَنَاتِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَتُوضَعُ فِي كِفَّةِ المِيزَانِ فَتَثْقُلُ عَلَى السَّيِّئَاتِ». رواه البيهقي في الشعب (1 /447.)
ومن الأدلة:قول الله تعالى: ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ الأعراف: 8- 9و ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ الأنبياء: 47.و ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾ المؤمنون: 102، 103.وقول الله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ﴾ القارعة: 6 - 10.
ومن الاختلافات الواردة في الميزان، كيفية وزنه للأعمال، فقيل: يخلق الله الأعمال على هيئة أجسام توزن، وهناك من يرى بأن الإنسان أيضا يوزن هو نفسه، وهناك من قال: توزن الصّحائف التي فيها الأعمال.
ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ. » رواه أبو داود (4749)، والترمذي (2003)، وأحمد (27496) .
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَالسَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ القَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ. » رواه أحمد (3991.)
الصراط: ويطلق على معنيين أحدهما في الدنيا :وهو المنهج الذي شرعه الله لعباده وأمرهم باتباعه والتزامه، وهو المعنى المقصود في قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾الفاتحة:5.
أما المعنى الثاني ففي الآخرة: وهو الجسر الذي يمر على جهنم يوم القيامة، فيُجتازه الناس على اختلاف أعمالهم وتفاوت درجاتهم.وهو طريقُ أهلِ المحشرِ لدخولِ الجنةِ.
ومن أدلته: قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ﴾ مريم: 71، 72..قال ابن أبي العز الحنفي: «الأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط». شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (2/ 634). وقوله تعالى :﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾يس:66.
وقول الله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ الحديد: 12 – 15.
وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنه، أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا يُبْكِيكِ؟» قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ المِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ، أَوْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الكِتَابِ حِينَ يُقَالُ:﴿ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴾ الحاقة: 19حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ أَفِي يَمِينِهِ، أَمْ فِي شِمَالِهِ، أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ». رواه أبو داود (4755)، والترمذي (2235).
ويَجُوزُ العبادُ الصراطَ بِقَدْرِ أعمالِهم، فمنهم من يجوزه كالطرف، ومنهم من يجوزه كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب.
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:.... ثُمَّ يُؤْتَى بِالجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الجَسْرُ؟ قَالَ: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ( أي تزلق فيه الأقدام )، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ (هي شوكة صلبة معروفة) مُفَلْطَحَةٌ( المفلطح: الذي فيه عرض واتساع) لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ(هي حديدة قد لوي طرفها، وفيها انحناء )، تَكُونُ بِنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ (أي كلمح البصر) ، وَكَالبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ (أي مدفوع) فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا» رواه البخاري في كتاب التوحيد (7439.)
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(( و يضرب الجسر بين ظهراني جهنم فأكون أنا و أمتي أول من يجيزه و لا يتكلم في ذلك اليوم إلا الرسل و دعوة الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم و في جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان ؟ قالوا : نعم يا رسول الله قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمتها إلا الله عز و جل تخطف الناس بأعمالهم فمنهم الموبق بعمله و منهم المجازى حتى ينجى.)) رواه البخاري.
إرسالُ الأمانةِ والرَّحِم: قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (وتُرْسَلُ الأمانةُ والرَّحِمُ، فتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّراطِ يَمِيناً وشِمَالاً) رواه مسلم، قال ابنُ حجر: (والْمَعْنَى: أنَّ الأمانةَ والرَّحِمَ لِعِظَمِ شَأْنِهِما وفَخَامَةِ ما يَلْزَمُ العبادُ مِنْ رِعايةِ حَقِّهِمَا يُوقَفَانِ هُناكَ للأمينِ والخائنِ والْمُوَاصِلِ والقاطِعِ، فيُحَاجَّانِ عن الْمُحِقِّ ويَشْهَدانِ على الْمُبْطِلِ(.
وإذا تَجاوَزَ المؤمنون الصِّراط: حُبسُوا بقنطرةٍ لِيَقْتَصَّ بعضُهُم من بعضٍ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (إذا خَلَصَ المؤمنُونَ مِنَ النَّارِ حُبسُوا بقَنْطَرَةٍ بينَ الجنَّةِ والنَّارِ، فيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كانتْ بينهُمْ في الدُّنيا، حتَّى إذا نُقُّوا وهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بدُخُولِ الجنَّةِ، فوالذي نَفْسُ محمَّدٍ بيَدِهِ، لأَحَدُهُمْ بمَسْكَنِهِ في الجنَّةِ أَدَلُّ بمَنْزِلِهِ كانَ في الدُّنيا) رواه البخاري.
الدرس رقم :11
5-الجنة و النار : قال ابن أبي العز الحنفي: «اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن». شرح العقيدة الطحاوية، (2/ 614).
الجنة: هي دار الثواب التي أعدها الله لأوليائه. وهي موجودة الآن. لقول الله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ آل عمران: 133. وقول الله تعالى: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ الحديد: 21.
وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «اطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ». رواه البخاري (3241)، ومسلم (2737.)
ولا يدخل الجنة إلا مؤمن.فعنْ عليٍّ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ». رواه الترمذي (3092)، والنسائي (2958)، وأحمد (594).
ومن دخل الجنة، فلا يخرج منها أبدا، ولا يموت فيها. لقول الله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ هود: 108.وقول الله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ آل عمران: 15.وقول الله تعالى:﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ النساء: 13.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يُقَالُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ، وَلِأَهْلِ النَّارِ: يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ». رواه البخاري (6545.)
والجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.قال الله تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾السجدة: 17.وقال الله تعالى: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ﴾ الرعد: 35.
بعض أوصاف الجنة:
سعتها وطيب ريحها: عرضها كعرض السماوات والأرض، وريحها الطيبة توجد على مسيرة مائة عام، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ آل عمران:133، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« وإن ريحها ليوجد من مسيرة مائة عام». رواه النسائي (8/25) بلفظ: ((أربعين عاما)) بدلاً من ((مائة عام))، والحاكم (2/137)، والبيهقي (8/133) (16260) بلفظ ((ليوجد من كذا و كذا)) بدلاً من ((ليوجد في مسيرة مائة عام)). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في (صحيح سنن النسائي.)
أبوابها: لها ثمانية أبواب، أحدها باب الريان، وهو خاص بالصائمين.
تفاوت درجات أهل الجنة: يتفاوت أهل الجنة بينهم بحسب إيمانهم، وصالح أعمالهم،قال صلى الله عليه وسلم :«إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهما، قالوا يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: بلى » البخاري: ج4/145، مسلم: ج8/145. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ النساء:69.
وذكرت الأحاديث أن أهل الجنة يدخلون الجنة على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا، قال صلى الله عليه وسلم: «أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء».البخاري:ج4/160، مسلم: ج8/146.
أعظم نعيم الجنة: هو رؤية الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: «بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ يسطع لهم نور من فوقهم، فرفعوا رؤوسهم فإذا هو الرب جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ماداموا ينظرون إليه تعالى، حتى يحتجب عنهم، وتبقى فيهم بركته ونوره» [رواه ابن ماجة وغيره، وسكت عنه المنذري: ج4/513].
النار :هي دار العقاب التي أعدها الله لأعدائه.وهي موجودة الآن. لقول الله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ آل عمران: 131.
والنار هي مأوى الكفاروالمنافقين، ومن شاء الله من عصاة المؤمنين. قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ النساء: 150، 151.وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾ النساء: 145.
ومن دخل النار من الكفار والمنافقين ، لا يخرج منها، ولا يموت فيها. لقول الله تعال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ البقرة: 161، 162. وقول الله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ هود: 106، 107. وقول الله تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ التوبة: 68. وقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ الأحزاب: 64، 65. وقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ التغابن: 10.
وعن عَبْدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ». رواه البخاري (6544)، ومسلم (2850)، واللفظ له.
ويشفع النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من أمته، فيخرجون من النار ،وهذه الشفاعة عامة للملائكة، والأنبياء، والمؤمنين.فعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، يُسَمَّوْنَ الجَهَنَّمِيِّينَ». رواه مسلم (6566).
بعض أوصاف النار:
جهنم عالم الشقاء الأخروي ذات دركات: أخفها عذابا أعلاها، وأشدها عذابا أسفلها، ولكل دركة إسمها وبابها الخاص بها، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾الحجر:43-44. وأسفل دركاتها للمنافقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾النساء:145، وقد وردت أسماء دركات النار في القرآن الكريم كما يلي: نار جهنم، لظى، الحطمة، السعير، سقر، الجحيم، الهاوية.
وهي جزاء عادل من الله لمن كفر وكذب بآياته تعالى ولم يصدق المرسلين، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾الطور :13-16.و صرحت الأحاديث الصحيحة بتفاوت عذاب أهل النار تبعا لتفاوت أعمالهم، وما كسبوا من خير وشر في الدنيا، وذلك مقتضى العدل الإلهي.
ومن أغرب ما يحدث لأهل النار خطبة إبليس فيهم، وذكر ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إبراهيم :22.
التنيجة :هذا الوصف التفصيلي للجنة و النار من مقاصده اليقين بعالم الغيب (الجنة والنار) لأن عالم الغيب محجوب يكشف الله عنه ما يشاء بالقرآن ، والحديث الصحيح. و الوصف الدقيق مما يقتضيه الترغيب والترهيب الذي يؤثر على العقل والوجدان،فيميل الناس إلى طلب الجنة بالعمل الصالح، والنفور من النار بالابتعاد عما يدخل إليها.
ثمار الإيمان باليوم الآخر:
1- الثواب الكبير والأجر العظيم، فالإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بالغيبيات الذي وعد الله من يؤمن بها بالفوز والفلاح في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾الأعلى: 16- 17.
2- العمل الصالح والاجتهاد في الطاعات وفق ما شرع الله تعالى، وذلك بغية تثقيل الميزان بالحسنات، وحطّ السيئات والخطايا.و الحذر من ارتكاب المعصية، واتباعها بالتوبة النصوح في حال ارتكابها، وذلك خوفًا من العقوبة في يوم الحساب.
3- التسلية عن قلب المؤمن في كلّ ما لا يستطيع الحصول عليه في هذه الدنيا لما يتمناه ويرجو الوصول إليه من العاقبة الحسنة في الآخرة.
4-الاهتمام بأحوال القبر والبرزخ، وذلك بأخذ أسباب الثبات عند فتنة القبر، وذلك بالإخلاص في توحيد الله، والعمل بما تأمر به الشريعة الإسلامية واتباع سنة رسول الله، والحذر الشديد من الضلال والعذاب المترتب عليه.
الدرس رقم 12
الإيمان بالملائكة
الإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور :
الأول : الإيمان بوجودهم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً. ﴾ النساء: 136. ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ البقرة :177
الثاني : الإيمان بمن عُلم اسمه منهم باسمه كجبريل و ميكائيل ... قال تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾البقرة: 98 .﴿وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ﴾ سورة الشعراء:192-193. ومن لم يُعلم أسماءهم يُؤمن بهم إجمالاً.
الثالث : الإيمان بما عُلم من صفاتهم. قال تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾فاطر :1﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴾.مريم :16- 17. ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾ الزخرف :19. ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ عبس: 16.و عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خلقت الملائكة من نور وخلق الجن من مارج من نار وخلق آدم مما وُصِفَ لكم.) رواه مسلم (2996).
الرابع : الإيمان بما عُلم من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى؛ كتسبيحه، والتعبد له ليلاً ونهارًا بدون ملل، ولا فُتُور. ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.النحل: 50. ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ الصافات 164 – 166. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ التحريم :6. ﴿ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ النازعات:5 قال علي ومجاهد: هي الملائكة تدبر الأمر من السماء إلى الأرض، يعني بأمر ربها عزَّ وجلَّ. ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ﴾ الرعد:11. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فصلت:31
ذكر البيهقي :أن الإيمان بالملائكة يتضمن التصديق بوجودهم، وإنزالهم منازلهم، وإثبات أنهم عباد الله وخلقه كالإنس والجن مأمورون مكلفون لا يقدرون إلا ما أقدرهم الله عليه، والموت عليهم جائز، ولكن الله جعل لهم أمداً بعيداً فلا يتوفاهم حتى يبلغوه، ولا يوصفون بشيء يؤدي وصفهم به إلى إشراكهم بالله. ولا يُدعون آلهة كما دعتهم الأوائل. والاعتراف بأن منهم رسلاً يرسلهم الله إلى من يشاء من البشر، وقد يجوز أن يرسل بعضهم إلى بعض، ويتبع ذلك الاعتراف بأن منهم حملة العرش، ومنهم الصافون، ومنهم خزنة الجنة ومنهم خزنة النار، ومنهم كتبة الأعمال ومنهم الذين يسوقون السحاب فقد ورد القرآن بذلك كله أو بأكثره. (شعب الإيمان،ج1\405-406.)
ثمرة الإيمان بالملائكة :الاستقامة على طاعة الله تعالى، فمن آمن بأن الملائكة تكتب أعماله كلها فإن هذا يوجب خوفه من الله تعالى، فلا يعصيه لا في العلانية ولا في السر.والاستئناس بالملائكة في الثبات على الحق وطاعة الله.
الدرس رقم13
الإيمان بالكتب
أمر الله المؤمنين بأن يؤمنوا بما أنزله كما في قوله تعالى:﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ البقرة: 136.قال ابن أبي العز رحمه الله: (وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين؛ فنؤمن بما سمى الله تعالى منها في كتابه، من التوراة والإنجيل والزبور، ونؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتباً أنزلها على أنبيائه، لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى .(شرح العقيدة الطحاوية،2/424، 425).
فما أخبرنا الله به منها نؤمن به على التعيين، وهي التي ثبتت تسميتها في القرآن الكريم وهي:
- التوراة المنزلة على موسى عليه السلام. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾المائدة: 44.
- الإنجيل المنزل على عيسى عليه السلام.﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾المائدة: 46.
- الزبور المنزل على داود عليه السلام. قال الله عز وجل: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾النساء: 163
- صحف إبراهيم عليه السلام.﴿ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾الأعلى: 18-19.
- القرآن العزيز الذي أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم و هو آخر الكتب المنزلة. قال تعالى: ﴿ طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾طه: 1-2. ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾يوسف:2. ﴿ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴾ق:1.وللقرآن أسماء كثيرة أشهرها: القرآن، والفرقان، والكتاب، والتنزيل، والذكر.
ونؤمن كذلك أن هناك كتباً أنزلها الله عز وجل على أنبيائه؛ لا يعلم أسماءها وعددها إلا هو سبحانه وتعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾البقرة: 213.وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ الحديد: 25.
تحريف الكتب السابقة:والإيمان بالكتب المتقدمة على القرآن يعني الإيمان بأصولها التي أنزلها الله تعالى، بخلاف ما يوجد منها الآن في أيدي الناس؛ لما وقع فيها من التحريف والتبديل.وقد حرفت التوراة والإنجيل فلم تعد في صورتها التي أنزلها الله تعالى.
قال الله تعالى عن تحريف اليهود و النصارى : ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾النساء :46. ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ آل عمران:78. ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ المائدة:72-73.
حفظ القرآن الكريم :تعهد الله بحفظ القرآن الكريم من التغيير والتبديل والتحريف، كما قال عز وجل:﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾الحجر: 9. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فصلت: 41-42.
وجاء القرآن العظيم يؤيد ما ذكره عن الصحف وعن التوراة والإنجيل من أن فيها هدى ونور وأنها داعية إلى التوحيد وإلى عبادة الله مصدقًا لما بين يديه من الكتاب . قال تعالى:﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾المائدة: 48 ومهيمنًا: أي شهيدًا على ما قبله من الكتب وحاكما عليها. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الأنعام: 19.
وجاء القرآن بشريعة عامة للبشر نسخ بها الشرائع السابقة الخاصة بكل قوم. فبقي بذلك على الناس إلى يوم القيامة .ولم يعد الله تعالى يقبل من أحدٍ أن يستمسك بما سبق من الكتب. وأنه لا يسع أحدًا من الإنس أو الجن، لا من أصحاب الكتب السابقة، ولا من غيرهم، أن يعبدوا الله بعد نزول القرآن بغير ما جاء فيه أو يتحاكموا إلى غيره. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الفرقان: 1.وقال عز وجل:﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾المائدة: 15-16وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾آل عمران:85.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ".أخرجه مسلم حديث (153).
النتيجة : القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي بقي محفوظًا من عند الله تعالى هدىً للناس إلى طريق السعادة في الدارين.
الدرس رقم 14
الإيمان بالرسل
وهو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى أرسل رسلاً وبعث أنبياءً لهداية الناس إلى توحيده وعبادته، لا نعلم عددهم، فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه من رسله تفصيلا، و الإيمان بهم جملة.قال تعالى﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ﴾غافر:78. وقال:﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾النحل: 36.قال تعالى:﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ الرعد:7.
وقد ذكر الله تعالى في كتابه منهم: آدم ونوحا وإدريس وهودا وصالحا وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف ولوطا وشعيبا ويونس وموسى وهارون وإلياس وزكريا ويحيى واليسع وذا الكفل وداود وسليمان وأيوب، وذكر الأسباط جملة، وعيسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم، وقص علينا من أنبائهم ونبَّأنا من أخبارهم ما فيه كفاية وعبرة وموعظة .
أولو العزم من الرسل: وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ الأحقاف: 35 ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الأحزاب:7. وفي قوله تعالى:﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ الشورى:13
والإيمان بالرسل يتضمن أمورا:
1- تصديقهم جميعًا فيما جاءوا به، وأنهم مرسلون من ربهم، مبلغون عن الله ما أمرهم الله بتبليغه لمن أرسلوا إليهم.قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ الحديد:19. قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾النساء: 64.وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ المائًدة: 92.
2- عدم التفريق بين أحد منهم ،ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بالله تعالى وبجميع الرسل عليهم السلام .كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾النساء:150 – 152
3- اعتقاد فضلهم على غيرهم من الناس، وأنه لا يبلغ منزلتهم أحد من الخلق مهما بلغ من الصلاح والتقوى، إذ الرسالة اصطفاء من الله يختص الله بها من يشاء من خلقه، ولا تنال بالاجتهاد والعمل. قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾الحج: 75. وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ الأنعام: 83. إلى أن قال بعد ذكر طائفة كبيرة من الأنبياء والمرسلين:﴿ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾الأنعام: 86 .
4-توقيرهم وتعظيمهم: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ الفتح:8-9. قال ابن عباس رضي الله عنهما وغير واحد: " تعظموه وتوقروه من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام، وأجمع العلماء على أن من انتقص نبيا من الأنبياء فقد كفر ".
5- الصلاة والسلام عليهم :فقد أمر الله الناس بذلك وأخبر الله بإبقائه الثناء الحسن على رسله وتسليم الأمم عليهم من بعدهم. قال تعالى عن نوح:﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ الصافات: 78- 79. وقال عن إبراهيم:﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ الصافات: 108- 109. وقال عن موسى وهارون:﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ﴾ الصافات: 119- 120.
وقال تعالى:﴿ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴾ الصافات: 181.
6- وجوب العمل بشرائعهم: وذلك في حق كل أمة لنبيها، ولا يخفى أن ذلك قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم التي نسخت شريعته كل شريعة. والاقتداء بهم في صدق الإيمان، وكمال التوحيد، وحسن الخلق، والعمل بشريعة من أُرسل إلينا منهم، وهو سيدهم وخاتمهم الذي أرسله الله إلى الناس كافة محمد صلى الله عليه وسلم. إذْ أن شريعته جاءت ناسخة لجميع شرائع الأنبياء قبله، فلا دين إلا ما بعثه الله به ولا متابعة إلا لهذا النبي الكريم . قال تعالى:﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾الأعراف: 158.﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾الحشر:7
7- اعتقاد عصمتهم في تبليغهم الوحي، و النظر إليهم بعين الكمال وعصمتهم من الكبائر والصغائر. وأَنَّ جميعهم صادقون مصدقون بارُّون راشدون كرام بررة أتقياء أمناء هداة مهتدون، وبالبراهين الظاهرة والآيات الباهرة من ربهم مؤيدون، وأنهم بلَّغوا جميع ما أرسلهم الله به، أدوا رسالة الله على أكمل وجه ،لم يكتموا حرفاً ولم يغيروه ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفاً ولم ينقصوه، فهل على الرسل إلا البلاغ المبين.وأنهم كلهم كانوا على الحق المبين، والهدى المستبين.
8- دفع غلو الغالين فيهم، كغلو النصارى في المسيح بن مريم عليه السلام حيث ادعوا أنه ابن الله ، قال تعالى : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلً ﴾النساء:171.
والاعتقاد أنهم بلغوا درجة الكمال البشري ، فلا نقص يعيبهم ، ولا عيب يشينهم.و دفع ما أُلصق بهم من تهم وإشاعات ، كتلك التي روجها اليهود - وزعموا أنها في الكتاب المقدس – حيث تصف الأنبياء بأنهم أهل غدر وخيانة ، أو أنهم أهل شهوة وسكر .
9-اعتقاد أن الله تعالى فضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم على بعض درجات. قال تعالى:﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾البقَرة: 253. وأن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً، واتخذ محمداً صلى الله عليه وسلم خليلاً، وكلَّم موسى تكليماً، ورفع إدريس مكاناً عليا، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. وأفضل أولي العزم نبي الإسلام، وخاتم الأنبياء والمرسلين ؛ محمد بن عبدالله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال الله تبارك وتعالى:﴿ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ الأحزاب:40.
10- وقد اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم في أصل الدين وهو توحيد الله عز وجل بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ونفي ما يضاد ذلك أو ينافي كماله. وأما فروع الشرائع من الفرائض والحلال والحرام فقد تختلف فيفرض على هؤلاء ما لا يفرض على هؤلاء، ويُخفف على هؤلاء ما شدد على أولئك ،ويحرم على أمة ما يحل للأخرى وبالعكس ،لحكمة بالغة وغاية محمودة قضاها ربنا عز وجل ليبلوكم فيما آتاكم، وليبلوكم أيكم أحسن عملا.
11-هم عباد الله فالأنبياء بشر مخلوقون، رجال يأكلون ويشربون، ويتزوجون، وينامون، ويصيبهم المرض والموت، وهم كغيرهم لا يملكون شيئًا من خصائص الربوبية والألوهية، فلا يملكون النفع والضر لأحد إلا ما شاء الله، ولا يملكون شيئًا من خزائن الله، ولا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه، قال الله -عزَّ وجلَّ- لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الأعراف: 188.
الدرس رقم:15
الإيمان بالقضاء و القدر
تعريف القضاء والقدر: القضاء لغة هو: الحكم، والقدر: هو التقدير.
القدراصطلاحا: هو ما قدره الله سبحانه من أمور خلقه في علمه.
والقضاءاصطلاحا: هو ما حكم به الله سبحانه من أمور خلقه وأوجده في الواقع.
وعلى هذا فالإيمان بالقضاء والقدر معناه: الإيمان بعلم الله الأزلي والإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة .
الأدلة على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر
وردت في كتاب الله تعالى آيات تدل على أن الأمور تجري بقدر الله تعالى وعلى أن الله تعالى علم الأشياء وقدرها في الأزل، وأنها ستقع على وفق ما قدرها الله سبحانه وتعالى ومن هذه الآيات:
قوله تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ القمر: 49. قال ابن كثير : يستدل بهذه الآية أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه وهو علمه الأشياء قبل كونها و كتابتها لها قبل برءها ، ومنه قوله تعالى: و﴿َكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ﴾ الأحزاب: 38. وقوله تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ طه: 40 أي أنه جاء موافقاً لقدر الله تعالى وإرادته على غير ميعاد (تفسير ابن كثير، 5/ 287.) وقوله: ﴿وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ الأنفال:42 وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾الأعلى: 1-3. و قَوْله -عزّ زجلّ-: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، الفرقان:2 . فالآية تُشير إلى أنّ الله -تعالى- خلق جميع المخلوقات، وقدّر خلقها بمشيئته وحكمته.علي محمد الصلابي (2011)، الإيمان بالقدر (الطبعة الثانية)، بيروت: دار المعرفة، صفحة 17-21.
و من السنة :حديث عمر بن الخطاب في سؤال جبريل عليه السلام الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال:((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره.)) رواه مسلم 8.
مراتب القدر
الإيمان بالقدر يقوم على أربعة مراتب، من أقرَّ بها جميعاً فإن إيمانه بالقدر يكون مكتملاً، ومن انتقص واحداً منها أو أكثر فقد اختل إيمانه بالقدر، وهذه المراتب هي: 1) العلم 2) الكتابة3) المشيئة 4) الخلق.
الأول- الإيمان بعلم الله الشامل المحيط:
وهو الإيمان بأن الله عالم بكل شئ جملة وتفصيلاً ، أزلاً وأبداً ، فعلمه محيط بما كان ، وما سيكون ومالم يكن لو كان كيف كان يكون ، ويعلم الموجود والمعدوم والممكن والمستحيل ، وقد علم جميع خلقه قبل أن يخلقهم ، فعلم أرزاقهم وآجالهم ، وأقوالهم وأعمالهم ، وجميع حركاتهم وسكناتهم ،أهل الجنة وأهل النار . قوله تعالى: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ الطلاق12. وقوله تعالى : ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ الحشر: 22.
الثاني- الإيمان بكتابة الله في اللوح المحفوظ لكل ما هو كائن إلى يوم القيامة:
و من الأدلة: قوله تعالى : ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ا لأنعام:38 . وقوله جل وعلا : ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ يونس : 61 . وقوله تعالى : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ الحج : 70 .
و من السنة : روى الإمام أحمد والترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : « كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ، فقال لي : يا غلام إني معلمك كلمات احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك . رفعت الأقلام وجفت الصحف » .قوله ( صلى الله عليه وسلم ) (رفعت الأقلام وجفت الصحف) يعنى : على اللوح المحفوظ ، فهذا اللوح المحفوظ ليس فيه محو ولا إثبات للتغير . حتى لو أن كتاباً آخر مُحى فيه شئ وأثبت آخر لكان هذا موجوداً فى اللوح المحفوظ أن يُمحى من كتاب فلان كذا وكذا.
الثالث- الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته التامة:
فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. و أن ما في السموات و ما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه ، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد .و الأدلة: قال تعالى :﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ التكوير : 29. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يس: 82. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ البقرة : 253. ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ يونس : 99
الرابع- وهي الإيمان بأن الله سبحانه و تعالى خالق كل شيء:
و خالق كل عامل و عمله، وكل متحرك و حركته ، وكل ساكن و سكونه ، فجميع الكائنات مخلوقة لله بذواتها وصفاتها وحركاتها ،وبأن كل من سوى الله مخلوق موجد من العدم ، كائن بعد أن لم يكن . قوله تعالى ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ الزمر : 62.﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ الصافات :96. (﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ ﴾ الأنعام: 102.
تنبيهات :
1-القضاء والقدر عام لجميع المخلوقات و ليس خاصا بالإنسان .(( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ))القمر :49
2-القضاء و القدر غيب لا يعلمه إلا الله فلا يجوز الاحتجاج به على المعاصي بأن يرتكب الإنسان فعلاً محرماً، أو يترك واجباً وينسب ذلك إلى القدر ليرى نفسه معذورا – كذبا و بهتانا على الله -.
3- فالقدر لا يعني الإكراه من الله على أحد في شيء. فالله غني عن العالمين لا تضره معصية و لا تنفعه طاعة. 4- ولا يعني ترك الأخذ بالأسباب . فالإنسان يمتلك حرية الإرادة و القدرة على الفعل و الترك .و يميز بعقله بين الخير و الشر .
5-الدنيا دار ابتلاء و مشقة و عمل . والله هو مقسم الأرزاق بالحكمة و العدل ،فالله تعالى أعلم من العبد بما يصلحه و بما يضره . فلا اعتراض على الله و لا حسد لمخلوق .
6- بما أن الله عادل لا يظلم أحدا فإنه لا خوف من القدر .و إنما يخاف العبد أن يظلم نفسه و ذلك بمعصية الله و ترك الطاعة. و الله تعالى يريد بعباده اليسر و لا يريد بعباده العسر .فهو أرحم الراحمين و أحكم الحاكمين .
7-فلا بد من الرضا بالقضاء و القدر عند المصائب و المحن ، فإياك و سوء الظن بالله و إياك و الجزع .
الدرس رقم :16
البعد الإسلامي للوجود
الوجود في العقيدة الاسلامية ثنائية ذات طرفين :الأول: الله جل جلاله.والثاني: ما سواه من عناصرالكون جميعا (العالم).
1-وجود الله تعالى : يتصف الله تعالى بالكمال المطلق في ذاته و صفاته و أفعاله .ولا يستطيع العقل البشري أن يدرك حقيقة ذات الله تعالى و صفاته .فهناك مفارقة مطلقة بين الله تعالى الخالق و بين ما سواه من مخلوقات . قال تعالى :﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى : 11لكن هذه البينونة المطلقة بين وجود الله ووجود ما سواه ، لا تعني القطيعة في العلاقة بين الله تعالى و مخلوقاته .
2- وجود العالم :هو مخلوقات الله تعالى .و ينقسم إلى عالم الغيب مثل : الملائكة و الجن و الجنة و النار. و عالم الشهادة : و هو العالم المادي الواقع تحت الإدراك الحسي للإنسان .و هذا الكون المتناسق المنظم الدقيق و كل ما فيه أشياء مخلوقة ، متعلقة في وجودها بوجود أعلى وأسمى منها، و هو وجود الله الخالق المبدع لها سبحانه.
العلاقة بين الله تعالى و العالم :إن الصلة بين الله تعالى و مخلوقاته وطيدة، فالله تعالى هو الخالق ، المدبر، الحكيم ، المحيط علمه بكل شيء .قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الملك : 14 ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ السجدة :5﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ الأنعام : 73. و الكون يشهد بتناسقه و نظامه على وحدانية الخالق: ﴿ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾الملك :3. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ الفرقان: 2. و الكون يخضع لله وحده في سيرورته وهو في حالة عبادة لله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ مريم :93.
الوجود الإنساني :الإنسان ينتمي إلى الكون لكنه يتميز عن سائر الكائنات الأخرى من حيث خلقته و من حيث منزلته في الكون و من حيث مهمته الوجودية .
1-خلق الإنسان : خلق الإنسان من طين و نفخة روح: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ السجدة: 7-9.وخلق في أحسن صورة ودقة تكوين: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾التين:4. وركب في نفسه الخير والشر لطبيعته الطينية الروحية:﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾الشمس: 7-10.
ثم هو مدعو للتفكير في نفسه وعجائب خلقه:﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ الذاريات:21 ليتبين توافقه مع الكون المحيط به في هالة من النعم المتزايدة : ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ إبراهيم: 34 بما زود به من آليات لإدراك الحقائق﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ﴾ النحل : 78، وهو في ذاته دليل على وجود الله تعالى وقدرته: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ. مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾الحج: 5.
2-رفعة الإنسان:الإنسان مخلوق كريم على الله، فقد خلق آدم بيديه، ونفخ فيه من روحه، وجعله في الأرض خليفة، يقول الله تعالى :﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ البقرة : 29 – 30.
ومركز الإنسان في هذا الوجود هو مقام التكريم الإلاهي و التفضيل على كثير من المخلوقات : ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾الإسراء:70.و هذا التكريم للإنسان أظهرته قصة خلق آدم و ما وقع فيها من سجود الملائكة لآدم و امتناع إبليس . فقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ *فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ *فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ *إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ص: 71 - 74.
واقتضت حكمته سبحانه ومشيئته ورحمته بالإنسان ألاّ يخلقه عبثاً، وألاّ يتركه سدًى، وإنّما تكفّل بهدايته وإرشاده، وأخذ بيده إلى الطريق الأقوم، و لم يدعه لوساوس الشيطان، ولم يسلمه للجهالة والحيرة والضياع، فبعث الرسل و الأنبياء، وأنزل الكتب ، قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ البقرة: 38. وحدد وظيفته الوجودية و هي عبادة الله.فقال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾الذاريات :56 وقد أكرمه الله بالعقل ، وحباه بفكر يعقل به رسالات الله ويحصّل به المعارف ويتبين به الآيات: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾آل عمران: 118.
و الإنسان مسؤول أمام الله و سيحاسبه على أعماله. يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ الإسراء: 36. ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾ آل عمران : 195.
3 -تسخير الكون للإنسان :الكون مسخر للإنسان،و تصميمه يهيئه لاحتضان الكائن البشري. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ لقمان: 20. وصرّح القرآن الكريم بأنّ الله تعالى خلق الأنعام، وملَّكها للإنسان، ثم ذلّلها له للركوب، والأكل، والمنافع، والمشارب، قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا ركُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ *وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ يس: 71- 73.
ووجّه القرآن الكريم الإنسان إلى البحث في الكون، والتعرف على خواصّه وأسراره، والانتفاع به في الحياة. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾النحل: 14. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ الأنعام: 141.﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ الحديد: 25.
الخلاصة: الإنسان يندرج ضمن هذا الكون المعبود لله، فهو جزء منه، و لكنه مع ذلك يتمتع بخصوصية كبيرة ، فهو الخليفة فيه.و إن علاقة الإنسان بالكون وحدة و رفعة و تسخيرا تنطوي على عناية إلاهية تتمثل في إعداده ليتعامل مع الكون بما يحقق وظيفة الخلافة التي خلق من أجلها .و إن العلائق القائمة بين الله سبحانه و تعالى و الإنسان و الكون. تتميز بتلك النظرة الشاملة المتوازنة، حيث لا يوجد إلغاء لأي من هذه العلائق المترابطة، كما لا يوجد تركيز على إحداها و إغفال لأخرى.
مراجع :
عبد المجيد النجار :خلافة الإنسان بين الوحي والعقل .وكتاب :الإيمان بالله و أثره في الحياة .
دلائل التوحيد، لجمال الدين القاسمي.الدين، بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، لمحمد عبد الله دراز .
قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن، لنديم الجسر.الإسلام يتحدى و الدين في مواجهة العلم: لوحيد الدين خان .الفيزياء ووجود الخالق، لجعفر شيخ إدريس .عقيدتنا في الخالق والنبوة والآخرة، لعبد الله نعمة .
الفجوة المفتعلة بين العلم والدين، لمحمد علي يوسف .براهين وأدلة إيمانية، وصراع مع الملاحدة حتى العظم، لعبد الرحمن حسن حبنكه الميداني.
الله يتجلى في عصر العلم، مجموعة من العلماء الأمريكيين ، ترجمة: محمد جمال الدين الفندي .حوار مع صديقي الملحد، لمصطفى محمود .عقائد المفكرين في القرن العشرين لعباس محمود العقاد.
ملاحظة : انتهى المقرر بحمد الله تعالى
- Teacher: ZEGHDOUD ANISSA