المحاضرة 6
ولا يشترط أن تكون المزية أو المنفعة محددة، إنما يكفي أن تكون قابلة للتحديد، وقد يثار تساؤل حول أهمية التناسب بين المزية والخدمة التي يؤديها الموظف أو المستخدم فيتضح أن التناسب ليس شرطًا لقيام جريمة الرشوة، فقد تكون المنفعة ضئيلة مقارنة بالخدمة المقدمة ومع ذلك تقوم الجريمة، لكن هناك من يقر بوجوب توافر صلة التناسب بين قيمة المزية أو المنفعة وأهمية العمل الذي يقوم به الموظف أو المستخدم، لأن تضاؤل هذه القيمة قد يبلغ الدرجة التي تنفي عنها صفة المنفعة في جريمة الرشوة. وبناء على ذلك فلا تعد منفعة تقديم سيجارة أو لفافة تبغ أو قطعة حلوى إلى موظف أو مستخدم على سبيل المجاملة وفي جميع الأحوال يترك أمر تقدير المنفعة إلى القاضي الذي يرى في الواقعة رشوة رغم تفاهة الفائدة أو المنفعة متى ثبت لديه أنها كانت مقابلاً للعمل الوظيفي لا مجرد مجاملة. كما يمكن أن تكون المزية لصالح الموظف أو المستخدم نفسه أو لصالح شخص أو كيان أخر كأن تكون إلى ذويه أو إلى أحد أفراد عائلته ....
لا يكفي لتوافر الركن المادي في جريمة الرشوة الإيجابية وعد الموظف أو المستخدم أو أخذه لمزية بل يجب أن يكون ذلك مقابلا لقيامه بفعل ما أو امتناعه عن قيامه بفعل ما ضمن واجباته الرسمية وهو ما بينته اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بالمادة ( 15) و(16) و (21).
وتجدر الإشارة أیضا إلى أن هذه الجريمة تتم وتقع بمجرد الوعد أو المنح أو العرض دون أن يعلق تمامها على تنفيذ المقابل، إذ أن الاتفاقية لم تجرّم الوعد أو العرض أو المنح ما لم يتحقق لسبب معّين وهو أداء عمل ما أو الامتناع عن عمل ما، ضمن نطاق ممارسة مهامه الرسمية. ومقابل الرشوة قد يتحقق في صورة الامتناع عن عمل ضمن نطاق اختصاص الموظف أو المستخدم دون أن يكون ذلك
الامتناع تاما بل يكفي مجرد التأخير في القيام بالعمل.
إلى جانب تجريم وعد الموظف أو المستخدم بمزية، فرضت الاتفاقية أیضا على دول أطراف تجريم المشاركة في الرشوة الايجابية وذلك بالمادة (27)، سواء تحقق الاشتراك بالتحريض أو بالاتفاق أو بالمساعدة. ومن الجائز أن يشترك في جريمة الرشوة شخص أخر غير الراشي والوسيط، كمن یقتصر دوره على مجرد تسلیم العطیة للموظف أو المستخدم مع علمه بسببها أيّ یعلم هذه العطیة هي مقابل لقیام الموظف أو المستخدم بعمل أو امتناعه عن عمل من أعمال وظيفته.
3- الركن المعنوي:
طبقا لأحكام الاتفاقية، تعد جريمة الرشوة، جريمة قصّدية يتطلب لقيامها توافر القصد الجنائي، ويقوم القصد الجنائي على العلم والإرادة، إذ ينبغي على مرتكب الجريمة أيّ الراشي أن يعلم بصفة المرتشي وأنه يعرض عليه أو يعده أو يمنحه مزية كأجر بدون مقابل لقاء اتجاره بوظيفته وفقا لما سبق بيانه - أداء عمل في نطاق مهامه الرسمية أو الامتناع عنه-
ويجب أن تتجه إرادة الراشي إلى تحقيق ذلك الفعل والغرض الذي يسعى من أجله، فإذا تخلف هذا القصد فلا قيام لجريمة الرشوة طالما لم تكن نيته متجهة إلى جعل الموظف أو المستخدم يتجر بوظيفته. فمثلا من يعرض مزية ويعتقد أنها إبراء لدين في ذمته ولا يقصد من ورائها شراء ذمة الموظف فإن جريمته لا تقع ولو قبلها الموظف على سبيل الرشوة.
ثانيًا: الرشوة السّلبية:
مثلما حرصت الاتفاقية على حماية الموظف أو المستخدم من الساعين إلى إفساده بالضرب على أيدي الذين لا يقدرون نزاهة الوظيفة فيعرضون الرشوة على المضطلعين بها، فقد حرصت أیضا على ردع الموظف أو المستخدم الذي قد يستغل حاجة الأفراد للخدمات التي يؤديها لتحقيق مآربه الخاصة من خلال تجريمها لالتماسه أو قبوله لمزية غير مستحقة من الراشي.
وتقضي جريمة الرشوة السلبية لقيامها توفر صفة الموظف في المرتشي كما سبق بيانه بجريمة الرشوة الإيجابية، وأيضا ركنا ماديا قوامه التماس المزية أو قبولها وركنا معنويا يتمثل في القصد الجنائي.
1- الركن المادي:
يتطلب الركن المادي لجريمة الرشوة السلبية نشاطا ماديًا يصدر عن المرتشي ويتمثل في الالتماس أو القبول، ويجب أن يرد هذا النشاط على المزية أي منفعة تشمل كل ما يشبع حاجة النفس أيًا كان نوعها أو اسمها، لها قيمة مادية أو معنوية بما أن مصطلح المزية الوارد في الاتفاقية يسمح بهذا النوع من التأويل، إضافة إلى ذلك هناك من الدول من يعتبر أن إقامة علاقة جنسية يمكن اعتبارها المزية التي يمكن أن يحصل عليها المرتشي.
ويتطابق الغرض من الرشوة السلبية مع الغرض الذي تم تحديده بالنسبة لجريمة الرشوة الإيجابية والمتمثل في قيام الموظف أو المستخدم بفعل ما أو امتناعه عن القيام بفعل ما في نطاق ممارسة مهامه الرسمية وأمام هذا التطابق سنتطرق فقط إلى توضيح الصورتين اللتين يتخذها النشاط الإجرامي في هذه الجريمة وهما الالتماس والقبول:
أ- الالتماس:
هو تعبير يصدر عن الإدارة المنفردة للموظف أو المستخدم، يطلب فيه من صاحب الحاجة مقابلاً لأداء عمله الوظيفي أو الامتناع عن القيام به ويكفي تحقق الطلب على هذا نحو حتى تقوم هذه الجريمة متى توفرت بقية أركانها، حتى لو لم يصدر قبول من صاحب الحاجة إذ أن هذا الطلب في حد ذاته يكشف عن معنى الاتجار بالوظيفة سواء كان ذلك في القطاع العام أو القطاع الخاص. ولا يشترط لطلب الموظف شكلاً خاصًا فقد يكون شفهيًا أو كتابيًا وقد يكون صراحة أو ضمنيًا وطبقًا لأحكام الاتفاقية يمكن أن يطلب الموظف أو المستخدم المقابل لنفسه أو لغيره.
ب- القبول:
إضافة إلى الالتماس، تقوم جريمة الرشوة السلبية أيضا عندما يصدر من الموظف أو المستخدم ما يدل على قبوله للمزية نظير قيامه بعمل من أعمال وظيفته أو عمل مناف لها، أو بما يدل على قبوله الوعد بها – المزية - سواء نفذ الراشي وعده أو نكل عن تنفيذه. وبالرجوع لأحكام الاتفاقية نلاحظ أنها لم تشترط أي شكل للقبول فيكفي أن يكون صادرا عن إرادة حرة وواعية، وتقوم هذه الجريمة حتى لو كان عرض الرشوة على الموظف أو المستخدم غير جدي فقبل بها هذا الأخير لأن هذه الجريمة تقوم بمجرد التماس الموظف أو المستخدم للمزية أو قبولها.
وتجدر الإشارة إلى أن المشاركة في جريمة الرشوة السلبية وجب تجريمها كما سبق بيانه بالرشوة الإيجابية.
2- الركن المعنوي:
تقضي جريمة الرشوة السلبية كالرشوة الإيجابية توافر القصد الجنائي المتمثل في العلم والإرادة، علم المرتشي بصفته كموظف وأنه مختص بالعمل المطلوب منه وأن التماسه أو قبوله للمنفعة يمثل مقابلا لعمله الوظيفي، كما هو الشأن بالنسبة للعامل أو المستخدم في القطاع الخاص الذي يجب أن يعلم مثلا أن القيام بالعمل أو الامتناع عنه قد يلحق ضرار ماديا أو معنويا بصاحب أو بصالح العمل وبانتفاء هذا العلم بنتفي القصد الجنائي لديه وإضافة إلى عنصر العلم، يجب أن تتجه إرادة الموظف أو المستخدم إلى الالتماس أو القبول بالمزية.
و إلى جانب القصد الجنائي العام هناك من يقول بأنه لابد من توفر القصد الجنائي الخاص
وهو الباعث من وراء هذه الجريمة والذي يتمثل في توافر نية اتجار الموظف أو المستخدم بوظيفته أو نية استغلالها من ذلك مثلا لا تقوم الجريمة إذا تظاهر الموظف أو المستخدم بقبول الرشوة المقدمة إليه للعبث بأعمال وظيفته لتمكين السلطات من القبض على الراشي لانتفاء نية الاتجار والاستغلال عنده.
يستخلص مما سبقه بيانه أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لم تحط بجميع جوانب إلى جانب الرشوة الإيجابية والرشوة السلبية، الرشوة اللاحقة خلافا لعديد الرشوة التشريعات، وهي صورة الموظف الذي يؤدي عملا من أعمال وظيفته أو يمتنع عنه دون اتفاق سابق مع الراشي على الرشوة، ثم على إثر ذلك يتقاضى ثمن ما أداه من عمل أو امتناع عن عمل لكن هذا النقص لم ينف عن الاتقافية طابعها الشمولي، إذ جرّمت إلى جانب الرشوة أشكالا أخرى للفساد لا تقل خطورة عن جريمة الرشوة.
- أهمية تحديد الموظف العمومي:
- Enseignant: ZAADI MOHAMED DJELLOUL