المحاضرة الثانية:
تعريف الفساد:
معنى الفساد:
يمثل البعد المفاهيمي أهم الأوجه التي تجسدت فيها السياسة المتبناة من أجل التصدي لظاهرة الفساد، و كان الهدف من ذلك رسم معالم هذه الظاهرة من أجل إختزال مجهود أعضاء المجتمع الدولي، و السلطات المحلية في أي دولة في التصدي للممارسات اللصيقة بهذا المفهوم. و الملاحظ في هذا الصدد، و على الرغم من الأهمية التي تنطوي عليها هذه الخطوة، إلا أن الدول تحاشت في مختلف الإتفاقيات الدولية و التشريعات المحلية التي شاركت في تبنيها، و ذلك بهدف تفادي تقييد نفسها بتعريف لا يتطابق مع خصوصية أنظمتها القانونية، بل و أكثر من ذلك تفادي أن تتدخل الدول في شؤونها الداخلية. يرجع جانب آخر من المختصين هذا الموقف السلبي إلى الليونة التي يتسم بها هذا مصطلح الفساد، و لكونه كذلك فيصعب الجمع بين عناصره المختلفة في تعريف واحد. وفي هذا الصدد يمكن التمييز، يمكن أن نميز بين مختلف المواقف المتبناة حول تعريف الفساد، بين من يتفادى هذه المسألة، و بين من يقوم بالتطرق إليها بصورة غير مباشرة، و بين من عرفها بالفعل.
الفساد في الإتفاقيات الدولية
يلاحظ في هذا الصدد غياب الشبه المطلق لهذه المسألة في الإتفاقيات الدولية، و الإشارة في هذا المقام تكون في البداية إلى إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003 التي لم يتعرض واضعوها لهذه المسألة بشكل مباشر، و إنما أشاروا إلى ذلك في ديباجة الإتفاقية، و بينوا بأن: "واقتناعا منها بأن الفساد لم يعد شأنا محليا بل هو ظاهرة عبر وطنية تمس كل المجتمعات و الإقتصادات، مما يجعل التعاون الدولي على منعه و مكافحته أمرا ضروريا". و يظهر من خلال هذه الفقرة أن الفساد ظاهرة دولية لا تنحصر في حدود دولة معينة، و لا على مجتمع معين بذاته، و تمس إقتصاديات الدول بشكل خاص فضلا عن آثارها الأخرى، و أن مكافحتها لا يمكن أن يتم بشكل منفرد من قبل كل دولة على حدى، و إنما يقتضي تكاتف الدول في المبادرات التي تقدم عليها في كل خطوة تتبناها في هذا المجال.
تبنى واضعو إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة عبر الوطنية لسنة 2000 نفس الموقف، و من دون تعريف الفساد، إكتفوا بالتأكيد على ضرورة تجريمه، حيث ورد في المادة 8 منها: "3-تعتمد أيضا كل دولة طرف ما قد يلزم من تدابير للتجريم الجنائي للمشاركة كطرف متواطئ في فعل مجرم بمقتضى هذه المادة".
أما على المستوى الإقليمي، فنلاحظ بأن أغلب الإتفاقيات و المعاهدات ذات الصلة بمكافحة الفساد تحذو حذو المقاربة المتبناة من قبل الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة و تتعرض لمفهوم الفساد بشكل غير مباشر، بشكل الإتفاقية الأمريكية لمكافحة الفساد لسنة 1996 التي يكتفي واضعوها بالإشارة إلى أشكال الفساد المختلفة، أما يفضل جانب آخر من أعضاء المجتمع الدولي تعريف الفساد من خلال الآثار التي تنجر عنه كما هو الحال بالنسبة لاتفاقية مكافحة رشوة الموظفين العموميين الأجانب في المعاملات التجارية الدولية لسنة 1997، حيث يسلط واضعوها الضوء على طبيعة الرشوة، و يبينون أنها ظاهرة منتشرة في المعاملات التجارية الدولية، بما في ذلك في إطار المبادلات التجارية و الإستثمار و تثير قلقا كبيرا على الصعيدين الأخلاقي و السياسي بالنظر إلى تأثيرها السلبي على التسيير الحسن للشؤون العمومية و التنمية الإقتصادية، و تعيب ظروف المنافسة الدولية وفقا للمادة 6 منها.
غير أن ذلك لا يعني في أي حال من الأحوال خلو المنظومة القانونية على الصعيد الدولي من أي محاولات لسد الفراغ السائد في هذا المجال، و الإشارة في هذا المجال تكون إلى الإتفاقية العربية لمكافحة الفساد لسنة 2010، و التي جاء في ديباجتها بأن الفساد: "ظاهرة إجرامية متعددة الأشكال ذات آثار سلبية على القيم الأخلاقية و الحياة السياسية و النواحي الإقتصادية و الإجتماعية"، أما في إطار إتفاقية الإتحاد الإفريقي لمنع الفساد لعام 2003 فقد أشارت المادة الأولى منها إلى أن الفساد هو: "الأعمال و الممارسات بما فيها الجرائم ذات الصلة التي تجرمها الإتفاقية".- معلم: ZAADI MOHAMED DJELLOUL