المحاضرة الأولى
تمهيد عام للموضوع محل الدراسة:
يعد الفساد ظاهرة عالمية تعاني منها كافة الدول بغض النظر عن مدى تطورها من عدمه، ولقد تجلت هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة، و أصبح الحديث عن عالمية الفساد، بعد أن إنتشرت آثار هذه الظاهرة السلبية في جميع مناطق العالم بصرف النظر عن خلفيتها الثقافية أو ناتجها القومي الإجمالي. و هذا لا يعني أن ظاهرة الفساد جديدة، و إنما تعتبر ظاهرة قديمة عرفتها الإنسانية منذ ظهور التنظيم السياسي و الإقتصادي من ناحية، و تطور العلاقات الاجتماعية من ناحية ثانية.
هذا، و يجمع أغلب المختصون في مجال القانون الجنائي بأن الفساد ظاهرة معقدة بطبيعتها، و يرجع ذلك إلى طابعها التطوري الذي يجعل منها غير قابلة للدراسة بشكل دقيق، يأخذ بعين الإعتبار كفة الأوجه التي تنطوي عليها. و بالفعل إزدادت وتيرة الفساد مع التطور العلمي و التقني بفعل العولمة و التكنولوجيا الحديثة، فانتقلت إلى مجال أرحب و أوسع فأصبحت من الجرائم العالمية العابرة للحدود التي يتعدى أثرها الإطار الإقليمي لدولة معينة ليشمل أثرها الإعتداء على القيم الإنسانية في المجتمع الدولي عامة. و من أهم العوامل التي أفضت إلى هذا التطور السريع الآثار السلبية التي تنطوي عليها هذه الظاهرة، حيث تمثل هذه الظاهرة عائقا أساسيا أمام التنمية و سببا رئيسيا من أسباب الضعف الداخلي و الخارجي للدول؛ فالفساد في جوهره هو حالة تفكك تعتري المجتمع نتيجة فقدانه لسيادة القيم الجوهرية، و بذلك يستحيل على المجتمع الفاسد أن يكون قويا كما يستحيل على الدولة التي ينخرها الفساد أن تكون ذات سيادة فعلية. و لعل ما حدث في تونس و مصر و ما يحدث اليوم في ليبيا و سوريا و اليمن و البحرين لهو أفضل دليل على مدى خطورة ظاهرة الفساد على إقتصاديات الدول و أمنها الإجتماعي و استقرارها السياسي و تنميتها المستدامة، بل و أكثر من ذلك ما كشفت عنه مختلف الدراسات و التقارير التي أنجزت حول الموضوع، و التي بين واضعوها العلاقة الوثيقة التي تجمع الممارسات اللصيقة بالفساد مع الجريمة المنظمة و الشبكات الإجرامية عبر العالم التي تمكنت من تحقيق الثراء عن طريق أعمال غير مشروعة، بل و تمويل نشاطاتها غير القانونية عبر العالم.
وبالرجوع إلى الدراسات و الأبحاث المكرسة لظاهرة الفساد في مختلف الدول تفيد أن أكثر المجتمعات التي تعاني منها هي الدول و المجتمعات العربية و الإسلامية، بالرغم من أن تعاليم ديننا الحنيف تتضمن عددا لا يحصى من القيم و المبادئ التي تسعى إلى محاربة مثل هذه الظاهرة، بل و بالرغم من أن هذه الظاهرة، بل و بالرغم من أن هذه التعاليم و القيم و المبادئ كانت السباقة في هذا المجال على الكثير من القوانين الوضعية، و الأكثر من ذلك أنها أصبحت من مراجعها و مصادرها الأساسية. فقد قال سبحانه و تعالي: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم و أنتم تعلمون" (البقرة الآية 188)، و قال أيضا: "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون من تجارة عن تراض منكم و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما" (النساء الآية 29).
و أمام الوضع الراهن تضاعفت الجهود المبذولة على الصعيد المحلي و الدولي على حد سواء من أجل التصدي لهذه الظاهرة بشكل فعّال، تجست على أرض الواقع في تعدد المبادرات التي أقدمت عليها على الصعيد التشريعي، فكان تبني عدد كبير من الإتفاقيات والمعاهدات التي تتناول هذا الموضوع بالدراسة في أدق ثناياه، بدءا بتعريف الظاهرة، مرورا بتحديد الأشكال التي تتجسد فيها، ووصولا إلى التدابير الواجب إتخاذها للتصدي للفساد، و الممارسات اللصيقة به على أحسن وجه.
- معلم: ZAADI MOHAMED DJELLOUL