-جامعة آكلي محند أولحاج-

-البويرة-

-كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية-

-قسم الشريعة -

ملخص دروس أصول الاستدلال في العقيدة الإسلامية

ماستر1 مقارنة الأديان

 

الدكتورة أنيسة زغدود

 

 

السنة الجامعية: 2021/2022م الموافق لـ 1442/1443ه

 

 

 

 

 

 

 

الدرس رقم 01

تعريفات

 تمهيد: لم يفرد السلف الأوائل مؤلفات خاصة في قواعد الاستدلال على مسائل الاعتقاد، بل اكتفوا بما ورد في ثنايا كتب العقائد من تقعيدات وتأصيل، ومناظرات ورد للشبه والأباطيل.و تظهر أهمية العناية بأصول الاستدلال العقدي في ربط طلاب العلم بالقرآن والسنة وضرورة العودة إليهما في جميع شؤون الحياة.

-تعريف أصول: أصول جمع أصل وهو ما يبنى عليه غيرُه؛ كأساس البيت، ويأتي بمعنى الدليل، نقول: أصل تحريم الخمر قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ المائدة: 90.

وفي الموسوعة الفقهيةكثيرا ما يضاف لفظ الأصول إلى أسماء العلوم، ويراد به - حينئذ - القواعد العامة التي يتبعها أصحاب ذلك العلم في دراسته، والتي تحكم طرق البحث والاستنباط في ذلك العلم، وقد تكون تلك الأصول علما مستقلافمن ذلك أصول التفسير، وأصول الحديث، وأصول الفقه.

وأما المعنى الاصطلاحي في عرف علماء العقيدة:

فإن الأصول تطلق على معنيين قال ابن تيمية: (إن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها، ويجب أن تذكر قولاً، أو تعمل عملاً، كمسائل التوحيد والصفات، والقدرة والنبوة والمعاد، أو دلائل هذه المسائل) ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/27).

فالمعنى الأول : العقائد أو المسائل العقدية  مثل الإيمان بالله تعالى .و المعنى الثاني : الدلائل التي تثبت بها العقائد قرآنا كان أو سنة أو إجماعا أو عقلا. راجع في بيان معنى الأصل عند علماء العقيدة، وفي مسألة تقسيم العقائد إلى فروع وأصول، مقال الدكتورشريف الخطيب: "مشروعية الاجتهاد في فروع الاعتقاد،". نشر المجلة الأردنية للدراسات الإسلامية، العدد الثاني.

فالأصل عندهم هو: ما كان ثابتًا بدليل قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، وبالتالي فإن هذا الأصل يكون موضع إجماع من المسلمين، ولا يدخله الاجتهاد ولا التأويل، ويكون معلومًا من الدين بالضرورة.

وقد يرى بعضهم مثل المعتزلة: أن الأصل في الدين، هو ما دل العقل عليه دون ما دلّ عليه الشرع.

والصحيح: أن الأصل في الدين:هو ما كان ثابتًا بدليل سمعي شرعي قطعي الثبوت قطعي الدلالة، وأن المسائل الظنية الثبوت أو الدلالة يطلق عليها مصطلح فروع الاعتقاد. يدخلها الاجتهاد والاختلاف .

وهنا نسجل مايلي :
أولا: أن الاجتهاد لا يدخل في المسائل الأصوليّة -التي ثبوتها قطعي ودلالتها قطعية- في الاعتقاد كما هو في الفقه.
ثانيا: أن الاجتهادَ فيما كان ظنّيّ الثبوت، ظني الدلالة أو كان قطعي الثبوت ظني الدلالة جائز، ولا خلاف فيه.
ثالثا: إنّه لا فرقَ بين الاجتهاد في مسائل الاعتقاد، ومسائل الفقه فيما يصح الاجتهاد والاختلاف فيه.
رابعا: الخلاف بين الأصول والفروع في الاعتقاد من حيث الاجتهاد لابد من حسمه، فأجاز جمهور العلماء الاجتهاد في فروع الاعتقاد، وأما الاجتهاد في أصول الاعتقاد فلم يجزه أحد من علماء الأمة.
خامساً: أن هناك أدلة من الكتاب والسنة اختلف فيها الصحابة ومن بعدهم من التابعين والعلماء.
سادساً: إنه كما يؤجر المجتهد المخطئ في مسائل الفقه، كذلك يؤجر المخطئ في مسائل الفروع في الاعتقاد التي تقبل الاجتهاد.
سابعاً: أقر العلماء المحققون بنتائج الاجتهاد في فروع الاعتقاد واعتبروها، ولم يفسقوا المخالف ولم يبدعوه، وأبقوا على الوحدة والموالاة بين المسلمين.

يقول الإمام أحمد بن حنبل: : "ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له قمنا عليه وبدعناه وهجرناه لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق وهو أرحم الراحمين."

تعريف الاستدلال:

الاستدلال لغة :عرفه التهانوي قائلا:" الاستدلال في اللغة طلب الدليل" .والدليل في اللغة هو:" المرشد إلى المطلوب".
يقال استدل فلان على الشيء: طلب دلالة عليه، واستدل بالشيء على الشيء: اتخذه دليلا عليه، واستدل على الأمر بكذا: وجد فيه ما يرشده إليه.

وإذا كانت الدلالة في اللغة تعني الإرشاد والدليل هو ما يرشد ويوصل إلى المطلوب، فالاستدلال هو طلب الإرشاد والاهتداء إلى المطلوب.

الدليل اصطلاحا : عرف أنه: ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر.

الاستدلال اصطلاحا:

عرفه الباقلاني بقوله:" فأما الاستدلال فقد يقع على النظر في الدليل والتأمل، المطلوب به العلم بحقيقة المنظور فيه. وقد يقع أيضا على المساءلة عن الدليل والمطالبة به ".

وعرفه الإجيي بأنه: "الفكر الذي يطلب به علم أو غلبة ظن.". وهذا موافق لشمول إطلاق الدليل للقطعيات و الظنيات  .

وفي المنطق الاستدلال:هو استنتاج قضية مجهولة من قضية، أو من عدة قضايا معلومة.
أو: هو التوصل إلى حكم تصديقي مجهول بواسطة حكم تصديقي معلوم، أو بملاحظة حكمين فأكثر من الأحكام التصديقية المعلومة.

- تعريف العقيدة :

 أصل العقيدة في اللغة: مأخوذ من الفعل عقد، نقول عقد البيع واليمين والعهد أكّده ووثّقه. وعقد حكمه على شيء لزمه. ومنه الفعل اعتقد بمعنى صدّق. يقال اعتقد فلان الأمر إذا صدّقه وعقد عليه قلبه أي آمن به. ويفهم من هذا أن العقيدة في اللغة تأتي بمعنيين الأول: العقيدة بمعنى الاعتقاد، فهي التصديق والجزم دون شك، أي الإيمانالثاني: العقيدة بمعنى ما يجب الاعتقاد به. مثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره و شره.

العقيدة اصطلاحاً: لها تعريفان:

- التعريف الاصطلاحي العام:لفظة العقيدة تستعمل عند الإطلاق : لتدل على ما يعقد عليه الإنسان قلبه من حق وباطل ويمكن أن نعرفها كما يلي: " هي تلك المجموعة من الأحكام التي يصدق بها الإنسان تصديقا جازما حتى تتوثق منه في الأعماق و  تحملها قناعات توجه مفاهيمه وتحدد تصوره للأمور لدرجة تتحكم معها في سلوكه وتكرر نسق حياته، بل تسري في مشاعره و تتجلى في ذوقه ومزاجه" وهذا التعريف يصدق على كل العقائد بغض النظر عن صحتها أو بطلانها فيحصل ذلك مع العقيدة الإسلامية الصحيحة و يحصل مع غيرها مثل العقيدة اليهودية والنصرانية والمادية والإلحادية ( الشيوعية ) والبوذية ...إلخ.

أما عند التقييد :فالمقصود بها العقيدة الإسلامية وهي : "الإيمان الجازم بالله وما يجب له في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة من أصول الدين وأمورالغيب وأخباره.".

أهمية الاستدلال في علم العقيدة :

-الاستدلال الصحيح يفضي إلى تصور عقدي صحيح.

- كما أن الاستدلال في العقائد واجب لأنه ليس للإنسان أن يعتقد شيئا دون دليل . ومصداق ذلك الآيات التي يأمر الله فيها المنحرفين في العقيدة بالمجيئ بالدليل،مثل قوله تعالى:((أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُمْ مُعْرِضُونَ)) الأنبياء: 24 و: ((وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ  تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.)) البقرة: 111.

أغراض الاستدلال في العقائد:

- البرهنة على صحة المطلوب ( تقرير صحة الاعتقاد ).

- محاجة الخصم ودحض عقائده الباطلة .

- الابتعاد عن الهوى وإزالة الشك .

مصدر العقيدة الإسلامية: هوالوحي ( القرآن و السنة )

أنواع الأدلة

من حيث المادة :نوعان، أدلة نقلية وأدلة عقلية.
ومن حيث الدلالة: أي ما يؤول إليه الدليل من العلم ؛ فالدليل إما أن يكون مفيدا للعلم الجـازم أو الظني. وهو نوعان: أدلة قطعية الدلالة ، وأدلة ظنيةالدلالة.

1-أنواع الأدلة النقلية  : القرآن و السنة و الإجماع .

- دليل القرآن :  القرآن الكريم حجة على الناس كافة لأنه كلام الله عز وجل فنصوصه قطعية الثبوت بسبب نقلها بالتواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم.و إذا كان النص قرآنًا، فهو قطعي الثبوت، ولكن قد تكون دلالته قطعية أو ظنية.

- دليل السنة : السنة ما صدرعن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقريرو هي حجة ، أما السنة عند المشتغلين بتقرير مسائل الاعتقاد؛ فهي  ما كان عليه النبي وأصحابه اعتقاداً ، وقصدًا ، وقولاً وعملاً .

ودلالة القرآن الكريم على حجية السنة من وجوه:

 الأول - قال الله تعالى : ﴿ مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾النساء :80، فجعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من طاعته .ثم قرن طاعته بطاعة رسوله ، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾النساء : 59.

الثاني - حذر الله عز وجل من مخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتوعد من عصاه بالخلود في النار ، قال تعالى : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ النور: 63.

الثالث - جعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من لوازم الإيمان ، ومخالفته من علامات النفاق ، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ النساء :65.

الرابع :- أمر سبحانه وتعالى عباده بالاستجابة لله والرسول ، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ الأنفال :24

الخامس : - ثم أمرهم سبحانه برد ما تنازعوا فيه إليه ، وذلك عند الاختلاف ، قال تعالى : ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ النساء :59.

وإذا كان النص سنة فقد يكون قطعي الثبوت والدلالة، وقد يكون ظني الثبوت والدلالة، وقد يكون قطعي الثبوت ظني الدلالة، وقد يكون ظني الثبوت قطعي الدلالة .

 دليل الإجماع: وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها لقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(لا تجتمع أمتي على ضلالة) رواه الترمذي وغيره.والإجماع حجة على العصر الثاني ومن بعده وفي أي عصر كان من عصر الصحابة ومن بعدهم.لقوله تعالى : ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ النساء :115

2-الدليل العقلي : هو:"ما يتوقف على النظر والاستدلال" . وأكثر من يستخدمه علماء الكلام في العقائد و الفلاسفة. ويراد به ما أوصل إلى المطلوب بنفسه (أي ببداهة العقل كمبدأ الهوية والعليَّة)، أَو بالنَّظر إلى مُقدِّمات ترجع إليه.

والعقل من مصادر الاستدلال عند المتكلمين ،وهو قولهم بوجوب النظر العقلي، وحكم إيمان المقلد، ومن اجتهد في البحث عن التوحيد ولم يصل إلى الحق، أو من لم تبلغه الدعوة أصلًا، ومسألة التحسين والتقبيح العقليين.

و الدليل العقلي هو  الذي يأتي به العقل من عنده إيجاداًو إنشاء كقولنا في الدلالة على حدوث العالم : العالم مؤلـف ،وكل مؤلف حادث ، فيلزم عنه العالم حادث.أو العالم متغير و كل متغير حادث إذن العالم حادث . وهو يوصل إلى معرفة الأصول الكبرى للاعتقاد على وجه الإجمال كالإقرار بالخالق، ووجوب إفراده بالعبادة، والتأليه، وإثبات الكمال كما قد يدرك وجوب الجزاء الأخروي، والبعث بعد الموت إلا أن ذلك لا يدركه على سبيل التفصيل، إذ التفصيل وظيفة السمع وهي مما لا طاقة للعقل به.

إن العقل إنما يدرك الأشياء لا على وجه الإحاطة التامة والمعرفة الكلية، وإنما يعلمها بوجه إجمالي،قد يعلم بعض التفاصيل من طريق السمع، أو من طريق ما تمده به الحواس من معلومات.

الدرس رقم 02:

مسائل

1-حجية أحاديث الآحاد  على العقائد:

 ذهب المعتزلة؛ وكثير من متكلمي الأشاعرة، إلى أن خبر الواحد لا يفيد العلم مطلقاً، ودلالته ظنية، والدليل الظني لا تثبت به مسائل الاعتقاد؛ لأنها مبنية على العلم واليقين.فهل صحيح أن خبر الآحاد لا تثبت به العقائد ؟

وخَبَرُ الواحِدِ في اللُّغَةِ: ما يَرويهِ شَخْصٌ واحِدٌ، وفي الاصطِلاحِ: ما لَمْ يَجْمَعْ شُروط المُتواتِرِ

وشروط المتواتركما ذكرها الحافظ ابن حجر: 

1 - عدد كثير أحالت العادة تواطؤهم، أو توافقهم، على الكذب. 

2 - رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء. 

3 - و كان مستند انتهائهم الحس. 

4 - و انضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه.

أدلة الكتاب والسنة، وعمل الصحابة، وأقوال العلماء تدل دلالة قاطعة على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في كل أبواب الشريعة، سواء كان في الاعتقاديات أو العمليات. وأن التفريق بينهماباطل.

إن الواقع العملي الذي كان عليه النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه  في حياته، وبعد مماته تدل دلالة قطعية على قبول خبر الواحد العدل الضابط، وإفادته العلم، والقطع بوجوب العمل به في باب العقائد؛ كما يعمل به في باب الأحكام والشرائع، ولذا عقد الإمام البخاري في ) الجامع الصحيح ( ، ) كتاب أخبار الآحاد (جاء في أول أبوابه :)) باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم، والفرائض والأحكام، وقوله تعالى :﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ التوبة :122. ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ﴾ الحجرات:9 .فلو اقتتل رجلان دخلاَ في معنى الآية . وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ الحجرات :.6وكيف بعث النبي أمراءه واحداً بعد واحد فإن سها أحد منهم رد إلى السنة .

ثم ساق الإمام البخاري أحاديث مستدلاً بها على ما ذكر من إجازة خبر الواحد، والمراد بها جواز العمل والقول بأنه حجة ومنها: 

ما تواترت به الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعثه الدعاة إلى أطراف البلاد، وعهده إليهم تبليغ جميع الدين أصولاً وفروعاً، مع البداءة بالتوحيد كما في حديث معاذ المتفق عليه، لما بعثه إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وفي رواية: (-إلى أن يوحدوا الله- فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) . 

فانظر كيف أمره بتقديم الدعوة إلى التوحيد، ثم بأركان الإسلام، ولم ينقل أن أحداً من أولئك الرسل اقتصر على تبليغ الفروع، أو الأعمال الظاهرة. بل كانوا يدعون إلى الإيمان بالله وثوابه وعقابه، والشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة. وهكذا بلغوا عنه أيضاً العبادات الظاهرة المعلومة من الدين بالضرورة، كالصلاة والزكاة، وكذا المحرمات المجمع على تحريمها كالزنا وقتل النفس، وكل ذلك مما تقبله عنهم من استجاب لدعوتهم، وبقي معتقداً لما تلقاه من أصول أو فروع، وقامت عليه الحجة بذلك، وهو دليل القبول. 

2- العلاقة بين الأدلة النقلية والأدلة العقلية:

احتدم خلاف كبير حول الدليل العقلي والدليل النقلي في إثبات العقيدة الإسلامية، وعرفت فرق بجنوحها إلى الدليل العقلي، وأخرى بتمسكها بالدليل النقلي. فهل يتعارض الدليل العقلي والدليل السمعي؟

الدليل الشرعي: هو ما أمر به الشرع، أو دل عليه، أو أذن فيه.

وبذلك يعلم أن الدليل الشرعي على أقسام ثلاثة:
الأول: ما أثبته الشرع وجاء به مما لا يعلم إلا بطريق السمع والنقل، ولا يعلم بطريق العقل، فهذا دليل شرعي سمعي.وذلك كالخبر عن الملائكة والعرش، وتفاصيل أمور العقيدة، وتفاصيل الأوامر والنواهي، فهذا لا سبيل إلى معرفته بغير خبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
الثاني: ما دل عليه الشرع ونبه عليه، وأرشد فيه إلى الأدلة العقلية والأمثلة المضروبة، فهذا دليل شرعي عقلي.
وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله في كتابه، التي قال فيها: "وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ" [الروم: 58]، فإن الأمثال المضروبة هي الأقيسة العقلية، فمن ذلك إثبات التوحيد ونفي الشرك،  بقوله تعالى: "هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ" [لقمان: 11]، وإثبات النبوة بقوله تعالى: "قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ" [يونس: 16]، وإثبات البعث بقوله تعالى: "قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ" [يس: 79].
الثالث: ما أباحه الشرع وأذن فيه، فيدخل تحت هذا ما أخبر به الصادق -صلى الله عليه وسلم-، وما دل عليه القرآن ونبه عليه، وما دلت عليه الموجودات وعرف بالتجربة؛ وهذا مثل الأمور الدنيوية، كالطب والحساب، والفلاحة والتجارة.

النتيجة-إذا علم ذلك فإن الدليل الشرعي قد يكون سمعيًا، وقد يكون عقليًا.

والناس في الأدلة العقلية التي بينها القرآن وأرشد إليها الرسول -صلى الله عليه وسلم- على طرفين:
فمنهم من يذهل عن هذه الأدلة ويقدح في الأدلة العقلية مطلقًا؛ لأنه قد صار في ذهنه أنها هي الكلام المبتدع الذي أحدثه المتكلمون.

ومنهم من يعرض عن تدبر القرآن وطلب الدلائل اليقينية العقلية منه؛ لأنه قد صار في ذهنه أن القرآن إنما يدل بطريق الخبر فقط. وغفل عن أن الكتاب والسنة المتوقف ِفي العلم بصحتهما على العلم بصدق المخبر بهما، كذلك قد جاءا بالدلائل العقلية اليقينية على سائر الأصول الاعتقادية الشرعية التي يمكن أن تعلم بالعقل، من غير أن تكون هذه الدلائل العقلية مستندة ِفي حجيتها إلى العلم بصحة النقل، فهي دلائل مطلقة، وحجة بذاتها لا تستند إلى غيرها، وإنما يتعلق النقل بها من جهة التنبيه، والإرشاد إليها، والتذكير بها، والدلالة عليها لاغير، ولذا يصح الاحتجاج بها على المصدق بالرسالة وغير المصدق.

والذي عليه أهل العلم والإيمان:

1-الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- هو الأصل، ويتدبر معناه ويعقله، ويعرف برهانه ودليله العقلي والخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا.إذ هو الفرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال، وهو طريق السعادة والنجاة، فهو الحق الذي يجب اتباعه.وما سواه من كلام الناس يعرض عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل.

2-الحجج السمعية مطابقة للمعقول، والسمع الصحيح لا ينفك عن العقل الصريح؛ بل هما أخوان نصيران وصل الله بينهما وقرن أحدهما بصاحبه، وأقام بهما حجته على عباده، فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلاً.فالكتاب المنزل والعقل المدرك؛ حجة الله على خلقه.

3-أن ما جاء به السمع لا يخلو من أمرين:إما أن يدركه العقل، فلا بد والحالة كذلك أن يحكم بجوازه وصحته، وإما ألا يدركه العقل فيعجز عن الحكم عليه بنفي أو إثبات، فيبقى العقل حائرًا، والواجب عليه والحالة كذلك التسليم لما جاء به السمع.
4-أن ما يدركه العقل لا يخلو من أمرين:إما أن يثبته السمع ويدل عليه، وإما أن يأذن فيه ويسكت عنه، وبذلك يعلم أن السمع والعقل لا يتعارضان أبدًا.

5-أن الأدلة العقلية التي بينها الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أجل الأدلة العقلية وأكملها وأفضلها.
6- أن العقل لا يمكن أن يعارض الكتاب والسنة، فالعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح أبدًا. إذ جَرَيانُ التناقضِ بين وحي الله الَّذي تنتظمُهُ إرادةُ الرَّبِّ الأَمْريَّة الشرعيَّة، وبين العقل الذي تنتظمُهُ إِرادة الربِّ الخَلقيَّة التكوينيَّة: مُمْتنعٌ؛ ومَجْلى هذا الامتناع أَنَّ كليهما مِن عند الله فالأوَّل أَمرُهُ، والثاني خلقه، ولا تعارض بين خلقه وأَمره ((أَلا لَهُ الْـخَلْقُ وَالأَمْرُ)) [الأعراف: 54]. ويتبدَّى قيام التوافق والتَّلازم بين نور الوحي وبصر العقل الفطري، وتَعذُر الانتفاعِ بأحدهما دون الآخر؛ فنور الوحي بلا بصر العَقل لا تتحصَّل الاستفادة منه؛ إذ بالعقلِ عُلم صِدق الوحي وأنَّه من لدن حكيم خبير. وبَصَر العَقَلِ بلا نور الوحي قضاءٌ عليه بالتِّيهِ في مَنادِح الأهواء.

7-أنَّ المنفي هنا في المسألة :إدراكُ العقل للمطالب الدِّينية جميعها على جهة الاستقلال دون هداية من الوحي، أو إدراك المكلفين حكمةَ الشَّارع في شرعه على جهة التفصيل، أَو أنَّ العقل يُوجبُ شيئاً، أو يُحرِّمُ شيئاً، أَو أنَّه يقضي بثوابٍ أو عِقابٍ قبل دلالة الوحي على شيءٍ من ذلك.

وأَمَّا المثبتُ :فهو دركُ العقل وفهمه لما خوطِب به، وإمكان الاستدلال ابتداءً على بعض المطالب الدِّينيةِ كمسائل أصول الدين، كإثبات وجود الله - تعالى - وإثبات الكمال المطلق للباري - جل جلاله - وإثبات البعث.

8-وطريق إثبات العقائد لابُدَّ فيه من مراعاة أمرين: الأول: إرشاد الوحي إلى طريق ثبوت المسألة، والثاني: واقع المسألة، فإذا كانت مما يقع تحت الإدراك، بحيث يمكن إجراء العملية العقلية فيه كاملة، جاز الخوض فيها بالعقل، وإلا فلا.

الدرس رقم 03

منهج القرآن في البرهنة على مـسائل العقيدة :

يستطيع من يتدبر آي القرآن الكريم أن يتبين أنه قد تـضمن  منهجا ً واضحا للبرهنة العقلية على أمهات مسائل العقيدة، فما أحوجَنا إلى النظر والتدبُّر في آيات القرآن الكريم لمعرفة ذلك؛ "لأنَّه ما من قضيَّة عقَديَّة ساقها القرآنُ الكريم إلاَّ قرَنَها بدليل صِدْقها وبرهان يقينها القَطْعي في دلالته، فيجب على كلِّ باحث ألاَّ يغفل عن التَّنبيه إلى ما يحتويه النصُّ القرآني من برهان عقْلي يتَّصل بالموضوع الذي يتحدَّث عنه ".

وأشهر المسالك التي سلكها القرآن الكـريم في البرهنـة عـلى مـسائل العقيـدة، نوجزها فيما يلي:
أولا-مسلك الأقيسة العقلية :

1-تعريف القياس : القياس لغة مصدر لقاس ؛ بمعنى : قدر الشيء بالشيء ؛ يقال : قاس الثّوب بالذراع إذا قدّره به.
واصطلاحًا يطلق على معنيين :

أحدهما : قياس التّمثيل ؛ وهو حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما  ؛ ويسمى القياس الفقهيّ ؛ لأنّ الفقهاء يحتجّون به في إثبات الأحكام الشرعيّة  .

والثّاني : قياس الشّمول ؛ وهو قول مؤلّف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر . و عني بِهِ أهل المنطق .

أما مُفادهما من يقين أو ظنّ فتبع لمادّة القياس لا لصورته ؛ فإن كانت المادّة يقينيّة أفاد اليقين وإلاّ أفاد الظنّ تمثيلاً كان أو شمولاً  .

2-بيـان الأقيـسة العقليـة التي وردت في القرآن وهي :
-
القياس الاقتراني( الحملي ):
وهو كما عرفه ابن سـينا" قـول مؤلـف مـن أقـوال، إذا سلمت لزم عنها قول آخـر، بالذات اضـطرارا". وهو استخلاص نتيجة من مقدمتين .

ومنـه قولـه تعـالى: ﴿ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ ص: 26مقـدمتان ونتيجـة: اتبـاع الهـوى يوجـب الـضلال،والضلال يوجب سوء العذاب، فأنتج أن اتباع الهـوى يوجـب سوء العذاب.و القياس هو : اتباع الهوى يضل عن سبيل الله ، الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ، إذن النتيجة : من يتبع الهوى له عذاب شديد .القياس حملي من الشكل الرابع( الحد الأوسط محمول موضوع ).

ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ الأنعام :76 فالقياس : الكوكب أفل، وربي ليس بآفل، إذن النتيجة :فالكوكب لـيس بـربي. قياس حملي من الشكل الثـاني ( الحد الأوسط محمول محمول).
-القياس الاستثنائي ( الشرطي ):
وهذا النوع يختلف عن سابقه في أن أحد الأمرين النتيجـة أو نقيضها يكون مصرحا به في المقدمات، ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ آل عمران : 159 وقد شهد الحس والعيان على أنهم ما انفضوا من حوله، فانتفى عنه  صلى الله عليه وسلم أنه كان فظا غلـيظ القلب.و القياس شرطي متصل : ولوكنت فظا غليظ القلب انفضوا من حولك ، لكنك لست فضا غليظ القلب، إذن النتيجة :لم ينفضوا من حولك .

-القياس المضمر:
هـو قياس يـصرح فيـه بالمقدمـة الـصغرى فقـط. وتحـذف الكبرى مع وجود ما ينبئ عن المحـذوف.

 ومما ورد في القرآن من هذا النوع من الاستدلال قـول الله تعالى في إبطال قول النصارى أن المسيح ابن الله لأنه خلـق مـن غير أب. ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾آل عمران: 59
فهذا دليل واضح على بطـلان قـولهم، وهـو في الوقت نفسه لم تذكر فيه سوى مقدمة واحدة: هي إثبات مماثلة آدم لعيسى وسياق الدليل هكذا: إن آدم خلـق مـن غـير أب كعيسى، فلو كان عيسى ابنا بـسبب ذلـك لكـان آدم أولى،لكن آدم  ليس ابنا لله باعترافكم فعيسى ليس ابنا لله أيضا.و القياس هو : إن آدم خلق من تراب من غير أب و أم و هو ليس إلاها ، و عيسى خلق من تراب من غير أب مثل آدم .إذن النتيجة :عيسى ليس إلاها مثل آدم.
-قياس الخلف:
وهو -كما عرفه ابن سينا- ذلك الاستدلال "الـذي تبـين فيه المطلوب من جهـة تكـذيب نقيـضه" . و هو إثبات  القضية من خلال إبطال نقيضها .ويـسمى برهان التفنيد، وقد عـرف عند المتكلمين بدليل التمانع.
وقد سلك القرآن الكريم هذا المسلك في الاستدلال عـلى العديـد مـن مهـمات الـدين وأصـوله، ففـي الاسـتدلال عـلى وحدانية الله تعالى جاء قوله سبحانه: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾الأنبياء :22

هذه الآية استدلال على المطلوب بإثبات كذب نقيضه ،فالمطلوب في الآية هو إثبات وحدانية االله عز وجل، ونقيضه هو تعدد الآلهة، وقد أثبت البرهان في الآيـة فساد هذا النقيض على أساس أنـه "لـو كـان للعـالم صـانعان" لكان لا يجرى تـدبيرهما عـلى نظـام، ولا يتـسق عـلى إحكـام ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما، وذلك لأنه لو أراد أحـدهما إحيــاء جــسم، وأراد الآخــر إماتتــه، فإمــا أن تنفــذ إرادتهــما فيتناقض، لاستحالة تجزئة الفعل إن فرض الاتفاق، أو لامتناع اجتماع الضدين إن فرض الاخـتلاف، وإمـا ألا تنفـذ إرادتهـما فيؤدي إلى عجزهما، أو لا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدي إلى عجزه،والإله لا يكون عاجزا.

وقوله سبحانه: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ المؤمنون :91

كذلك تقصد هذه الآية إلى إثبات الوحدانية، وقد أثبت البرهان الذي تضمنته فساد التعـدد، وهـو نقـيض المطلـوب،فثبت المطلوب.و كما يقول الزركشي : وهذه حجة عقلية، تقديرها أنه لو كان خالقان لاستبد كل منهما بخلقه، فكان الذي يقدر عليه أحدهما لا يقدر عليه الآخـر، ويـؤدي إلى تنـاهي مقـدوراتهما، وذلك يبطل الإلهية، فوجب أن يكون ً إلها ً واحدا.و نعبر عن وجه الدلالة هنا في صورة "قياس استثنائي" على النحو التالي:
لو كان فيهما آلهة إلا الله ( المقدم ) لفسدتا ( التالي )، ولكنهما لم تفسدا ( نفي التالي)و هو نفي النقيض و إبطاله والنتيجة : إذن ليس مع الله آلهة غيره.( إثبات المقدم ) . وهـذا إثبـات التوحيـد، وهـوالمطلوب.

قياس التمثيل: وهـو أن يقـيس المـستدل الأمـر الـذي يدعيـه عـلى أمـر معروف، ويبين الجهة الجامعة بينهما، ومعناه أن يوجد حكم في جزئي معين واحد فينتقل حكمه إلى جزئي آخر يشابهه بوجه ما. وقد سلك القرآن الكريم في استدلاله هذا الطريق على أدق وجه أحكمه مقربا مـا بـين الحقائق القرآنية والبداهة العقلية.
ومن ذلك قياس الإعادة للخلق يوم القيامـة عـلى الخلـق الأول : ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾الأنبياء :104

﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾الأعراف : 29. ففي هذه الآيات احـتج القـرآن الكـريم على منكري الإعادة بابتداء الخلق. و نعبر عنه صورة قياس تمثيل :الله الذي قدر على الخلق الأول هو أيضا  قادر على الخلق الثاني أي إعادة الخلق وهو أسهل .ووجه الشبه بين الجزئي والجزئي هو قدرة الله وعلمه .

ومنه أيضا قياس إخراج الموتى في البعث على إحياء الأرض بعـد موتهـا بإنزال المطر و إخراج النبـات : ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ الروم : 19. و نعبر عنه صورة قياس تمثيل :الله الذي قدر على إحياء الأرض بالمطر بعد موتها فأخرج نباتها  هو أيضا  قادر على إحياء الموتى و إخراجهم من القبور للحشر و الحساب .ووجه الشبه بين الجزئي والجزئي هو قدرة الله وعلمه .

 ومنه قياس الإعادة على إخراج النار من الشجر الأخضر: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ﴾يس : 80. فبين أنـه أخـرج النار الحارة اليابسة من البارد الرطب، وذلك أبلـغ في المنافـاة، لأن اجــتماع الحــرارة والرطوبــة أيــسر مــن اجــتماع الحــرارة واليبوسة، إذ الرطوبة تقبل من الانفعال ما لا تقبله اليبوسة. فتكــون الحيــوان مــن العنــاصر أولى بالإمكان من تكون النار من الشجر الأخضر، فالقادر عـلى أن يخلق من الشجر الأخضر نارا أولى بالقدرة أن يخلق من التراب حيوانا.

الدرس رقم 04

ثانيا- مسلك الاستدلال العقلي بالنظر في الملكوت:

هـو أحـد مـسالك البرهنة المشهورة في القرآن الكريم، فهو يقوم على النظر والتفكر في الفعل المعجـز، والتـدبير المحكـم الـذي يدل العقل ويقوده إلى الإقرار بالفاعل الحكيم، والخالق المدبر وهو الله تعالى. ويتفكر فيه من جانبين هما :
1-جانب الإنسان وما يعرض له في حياته من أحـوال، ومـايعتريه من أطوار في الخلق. فكل عاقل يعرف من أحـوال نفسه أنه كان نطفة ثم علقة ثم مـضغة ثم لحما وعـصبا وعظاما وآلات وحواس موافقة لمصالحه، وأنه بعد ذلـك تعاقبت عليه الأحوال من صغر وكـبر، وضـعف وقـوة،وجهل وعقل، ومرض وصحة، وتـدبر ذلـك كلـه يـدل دلالة واضحة على وجود الخالق سبحانه .

2-والجانب المشاهد لنا في هذا الكـون ومـا ينطـوي عليـه ويكشف عنه من آثار القدرة والتـدبير، ففـي عالمنـا هـذا
نـرى أقـمارا وكواكـب وأفلاكـا دائـرة ونجومـا سـائرة،ونلمس اختلاف الليل والنهار، والفـصول والأحـوال،
وتباين القمر بين حـرارة وبـرودة، مـع علمنـا باسـتمداد القمر لنوره من الشمس، وهي دائما متوقدة، مـع أنهـا في
أرفع الأجواء الرطبة الباردة، وفيه كذلك ما نـشاهد مـن سماء مرفوعة وأرض مبسوطة وجبال منصوبة ونعلـم أن
ذلك كله معلق في الفضاء محفوظ من السقوط.كل ذلك وغـيره ممـا كـشف العلـم فيـه عـن تفاصـيل لاتحصى إذا تفكرت فيه العقول فإنه يدلها دون عناء على أن لهذه الآيات  خالقا ً قادرا ً ومدبرا ً حكيما.

ومن أمثلته في القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ البقرة : 164﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ. إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ. فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ الطارق : 5- 7﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾  النحل :72. ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ﴾  النحل: 66 .

والأدلة العقلية القرآنيـة القائمـة عـلى أسـاس التفكـر في الملكوت تنحصر -فيما يرى ابن رشد- في طريقين أحدهما هـو ما أسماه دليل العناية والثاني: دليل الاختراع ( الخلق ).

ثالثا-مسلك السبر والتقسيم
والـسبر والتقـسيم كـما عرفـه الجرجـاني "هـو حـصرالأوصاف في الأصل، وإلغاء بعضها ليتعين الباقي للعلية، كـما يقال علة حرمة الخمر إما الإسـكار، أو كونـه مـاء العنـب، أو مجموعهما، وقد بطل الأخيران فتعين الإسكار للعلة " . ويستخدم هذا المـسلك للاسـتدلال عـلى إبطـال دعـوى المعارض بحصر الأوصاف الممكنة لهذه الدعوى، ثم بيـان أنـه ليس في أحد هذه الأوصاف وصفا يـسوغ قبولهـا فيـه، فتبطـل الدعوى بذلك.

ومن أمثلة هذا الاستدلال في القرآن قول الله تعالى : ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۖ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ الأنعام : 143- 144

وقد بين السيوطي وجه الاستدلال بقوله :[فإن الكفار لما حرموا ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى، رد تعالى ذلك عليهم بطريق السبر والتقسيم فقال: إن الخلق الله خلق من كـل زوج مما ذكر ذكرا وأنثى فمم جاء تحريم ما ذكـرتم؟ ومـا علتـه؟ لا يخلو إما أن يكون من جهة الذكورة أو الأنوثة أو اشتمال الرحم الشامل لهما، أو لا يدري له علة، وهو التعبدي، بأن أخذ ذلـك عن االله، والأخذ عن االله إما بوحي، أو إرسال رسول، أو سماع كلامه، ومشاهدة تلقي ذلـك عنـه. فهذه وجوه التحريمن لا تخـرج عـن وجـه منهـا. والأول يلزم عليه أن تكون جميع الذكورحراما، والثاني يلـزم عليـه أن تكون جميع الإناث حراما، والثالث يلزم عليه تحريم الـصنفينً معا. فبطل ما فعلوه من تحريم بعض في حالة وبعض في حالـة;لأن العلة على ما ذكر تقتضي إطلاق التحريم، والأخذ عـن االله بلا واسطة باطل، ولم يدعوه، وبواسطة رسول كذلك; لأنـه لم يأت إليهم رسول قبل النبي -صلى االله عليه وسلم- وإذا بطـل جميع ذلـك ثبـت المـدعى، وهـو أن مـا قـالوه افـتراء عـلى االله وضلال.]

رابعا-مسلك التسليم الجدلي للخصم

وأسـاس التـسليم هـو أن يفـرض المحـال: إمـا منفيـا أو مشروطا بحرف الامتناع ليكون المدعى ممتنع الوقـوع لامتنـاع وقوع شرطه، ثم يسلم وقوعه تسليما ً جدليا. مثل قوله تعالى: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ المؤمنون :91

فالاستدلال في الآية الكريمة يهدف إلى إثبـات وحدانيتـه تعالى وأنه ليس معه إله، ولو سلم جدلا أن مع الله تعالى إلهـا،لزم مع ذلك التسليم ذهاب كل إله من الاثنين بما خلق، وعلوابعضهم على بعض، ويترتب على ذلك أنه لا يتم في العالم أمـر،ولا ينفذ حكم، ولا تنـتظم أحوالـه، والواقـع خـلاف ذلـك،ففرض إلهين فصاعدا محال لما يلزم عنه من المحال.

خامسا-الاستفهام التقريري:
وهو الاستفهام عن المقدمات الجلية الواضحة التي يمنـع جلاؤها ووضـوحها أن يجحـدها أحـد أو يـماري فيهـا. ومـن أمثلته في القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾ يس :81 ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾الأحقاف: 33

وبهذا- وغيره في القرآن كثير- تـبرهن الآيات عـلى المعـاد بطريقة لا يمكن معارضتها "فإنه من المعلوم ببداهـة العقـول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك."

الدرس رقم 05

خصائص منهج القرآن :

أولاً: البراهين القرآنية تتميز بالسهولة والوضوح،والخلو من التعقيدات التي ينطوي عليها الاستدلال الكلامي .وقد أكد هذه الحقيقة علماء المـسلمين مـن مختلـف الفـرق ، ومنهم -عـلى سـبيل المثـال- مـن أئمـة الاعتـزال القاضي عبد الجبار الذي قال في المجلد الرابع من "المحيط" في النبوات في ذكر إعجاز القرآن ما لفظه: "واتفق فيـه القـرآن أيضا استنباط الأدلة التي توافق العقول، وموافقـة مـا تـضمنه لأحكام العقل على وجه يبهر ذوي العقول ويحـيرهم، فـإن الله سبحانه ينبه على المعاني التـي يـستخرجها المتكلمـون بمعانـاة وجهد بألفاظ سهلة قليلة تحتوي على معان كثيرة."

ويقرر الغزالي أن براهين القرآن هي براهين واضحة جلية تسبق إلى الأفهام "ببادئ الرأي مـن أول النظر، ويسهل فهمهـا، وإدراكهـا عـلى كافـة النـاس"، "فأدلـة القرآن مثل الغذاء ينتفع به كل إنـسان، وأدلـة المتكلمـين مثـل الدواء ينتفع به آحاد الناس، ويتضرر بـه الأكثـرون، بـل أدلـة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبي الرضـيع والرجـل القـوي،وســائر الأدلــة كالأطعمــة التــي ينتفــع بهــا الأقويــاء مــرة،ويمرضون بها أخرى ولا ينتفع بها الصبيان أصلا."

وإنما تميزت أدلة القرآن بالوضوح والجلاء لأنه -كما يقول الرازي -القرآن يسعى في تسليم العظمة والجـلال بالكليـة لله تعـالى.و قـرر الكنـدي أنـه لـيس لأدلـة القـرآن نظـير في الوجازة والبيان وقـرب الـسبيل، وذلـك هـو المعنـى الـذي أفاض ابن رشد في بيانه في كتابيه "فصل المقـال" و "الكـشف عن مناهج الأدلة".

ثانيا: أن البراهين القرآنية توافق الفطـرة، وتناسـب جميـع العقول،فالقرآن الكريم هو كتاب دعوة وهدايـة، وهـو وحـي الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم لتبليغه لجميع البـشر في كـل مكان وزمان، ولما كانـت طبـائع النـاس متفاوتـة ومـشاربهم متباينة، وقدراتهم على النظر والتفكر مختلفة، وكان مـن النـاس بسبب هذا التفاوت من لا يقنعه إلا البرهان أو القيـاس التـام، ومنهم من لا يقنعه غير الجدل كأتباع المذاهب الذين يتعصبون لمذاهبهم ويجادلون عنها، ومنهم من ليسوا من هذين الصنفين،وهم الجمهور الأعظم من الناس، وهؤلاء أقرب في تفكـيرهم إلى الفطرة السليمة،لما كان الناس من حيث الطبائع والعقول عـلى هـذا التباين، وكان القرآن شريعة الله إلى الناس كافة، فإنه قد تضمن من البراهـين العقليـة، وأسـاليب الإقنـاع مـا يـصلح لجميـع العقول، ويناسب جميع الطبائع، فخاطب العقل، في قمة وعيـه وعلمه، وفي أدنى درجاته في البساطة، وخاطب القلب، وأثـار العاطفة والوجدان، واتجـه إلى الإنـسان في كليتـه، أو في كامـل كينونته، فـسلك معـه طـرق الإقنـاع العقـلي تـارة، والتوجيـه والإرشاد تارة ثانية، واستعمل طرق الجدل والإلزام تارة ثالثة، فكان بذلك موافقا للطباع المختلفة، والعقول المتباينة ، يجد فيه الكل غاياتهم. وبين ابن رشـد أن الأدلـة القرآنيـة بأنواعهـا تولـد التصديق اليقيني لـسائر النـاس، ومـن لم يتحـصل لديـه منهـا اليقين فهو أحد شخصين: إما جاحد معاند لهـا بلـسانه، وإمـا شخص لم يعرفها أو لم تقرر عنده، فـسبب عـدم التـصديق في الحالتين لا يرجع إلى طبيعة الأدلة.

ثالثا: من خصائص المنهج القرآني كذلك أن أدلته برهانية يقينية ومعنى أنها برهانيـة هـو أنهـا مبنيـة عـلى قواعـد البرهنـة العقلية السليمة، فمقدماتها صحيحة، ونتائجها بالتـالي يقينيـة،فليس هناك ما هو أوضح من دلالة الأثر على المـؤثر، والفعـل على الفاعل. وإنما وصف دليله بأنه برهاني يقينـي معناه أنه يجرى وفق قواعد العقـل الـسليم وفطرتـه ومنطقـه،ذلك العقل الذي هو خلق الله تعالى، وهو نعمته الكـبرى عـلى الإنسان، وبها تميز الإنسان على غيره من المخلوقات.

رابعا : إنَّ المنهج العقلي الذي يسلكه القرآن الكريم في بيان العقيدة وغرسها في النفوس يأتي متسقاً مع المنهج الفطري ومتكاملاً معه؛ ولذلك فإنَّ القرآن الكريم لم يكن مقصوراً على مجرد الخبر عن وجود الله تعالى ووحدانيته وسائر أركان العقيدة، وإنما أقام البراهين العقلية التي بها تُعْلَم العلوم الإلهيَّة؛ فكان منهجه ومنهج جميع الأنبياء عليهم السلام الجمع بين الأدلة العقلية والسمعية (الشرعية). و الأدلـة الـشرعية كما قـرر ابـن رشـد تجمـع بـين وصفين: أنها يقينية وأنها بـسيطة لا تركيـب فيهـا وفي ذلـك يقول:"وذلك أن الطرق الشرعية إذا تؤملت وجدت في الأكثـر قد جمعت بين وصفين: أحدهما أن تكـون يقينيـة والثـاني: أن تكون بسيطة غير مركبة.أعني قليلة المقدمات، فتكون نتائجها قريبة من المقـدمات الأولى."

وقد أجمل ابن القيم خصائص الأدلة العقلية في القرآن بقوله:" الله سبحانه حاج عباده على ألسن رسله وأنبيائه فيما أراد تقريرهم به، وإلزامهم إياه؛ بأقرب الطرق إلى العقل وأسهلها تناولا، وأقلها تكلفا، وأعظمها غناء ونفعا، وأجلها ثمرة وفائدة، فحججه سبحانه العقلية التي بينها في كتابه جمعت بين كونها عقلية سمعية ظاهرة واضحة قليلة المقدمات سهلة الفهم قريبة التناول قاطعة للشكوك والشبه ملزمة للمعاند والجاحد؛ ولهذا كانت المعارف التي استنبطت منها في القلوب أرسخ ولعموم الخلق أنفع."

الدرس رقم 06

منهج المتكلمين في الاستدلال على مسائل العقيدة :

1-تعريف علم الكلام
-عرَّفه عضد الدين الإيجي (ت 756 هـ) في كتابـه "المواقف" بقوله:"هو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينيـة بإيراد الحجـج ودفـع الشبه."
-
وعرفه ابن خلدون (ت 808هـ) في مقدمته بقوله:" هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعين المنحرفين في الاعتقادات عن مذهب السلف وأهل السنة."
-
وعرفه الشريف الجرجاني (ت 816 هـ) في كتابه "التعريفات" بأنه: "علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام."

ويستفاد من هذه التعريفات أمور أربعة
1- أن علم الكلام يُعنى بالدفاع عن عقائد الإسلام عموماً مقابل البدع والشبهات.
2- أنه يستخدم أسلوب المحاججة الكلامية، فقد يعتمد على أدلة عقلية، وقد تكون أدلته نقلية.
3- أن وظيفته محددة في مجالي إثبات العقائد ونفي الشبهات بالأدلة المشار إليها، وردِّ آراء المبتدعة.
4
- أن المنهج المتبع في ذلك هو منهج الجدل على ما تفيده كلمة المحاججة، وهو منهج قائم على إسكات الخصم وإفحامه.
2-موضوع علم الكلام
ويفهم من التعريفات أن موضوعه الذي تدور حوله بحوثه كان في البداية مسائل محددة كالجبر والاختيار والقدر وكلام الله تعالى ثم توسع فيما بعد ليشمل كل صفاته عز وجل، ثم شمل لاحقاً مجمل العقائد الإسلامية.و التي تشمل ثلاثة مباحث : الإلاهيات وما فيه من مسائل وجود الله وأسمائه وصفاته ومسائل الإيمان والكفر والجبر و الاختيار والقدر .والنبوات وما فيها من مسائل النبوة وطبيعة الوحي وعصمة الأنبياء ودلائل النبوة. والسمعيات أي الغبيات :البعث واليوم الآخر و ما فيه من أحداث والجزاء . فموضوعه ما يعرف بأصول الدين وأركانه التي ينتفي الإسلام بانتفائها أو بانتفاء واحد منها.

دارت بحوث المتكلمين حول عدة عناوين رئيسية، من قبيل:
1-
التوحيد وما يرتبط بذلك من الحديث عن الذات والصفات الإلهية الذاتية والفعلية الثبوتية والسلبية وما يتفرع عنه من التجسيم والتنزيه.
2-
خصوص صفة العدل الإلهي وما يرتبط بذلك من التحسين والتقبيح العقليين.
3-
خصوص صفة الكلام وما يترتب عليها من القول بخلق القرآن وأزليته.
4-
الإيمان والكفر وأسسهما.
5-
النبوة وثبوتها بالمعجزة وما يرتبط بها من العصمة.
6 -
الإمامة وما يتفرع عنها.
7-
إثبات يوم القيامة.

وبما أن كل فرقة من الفرق الكلامية ترى أن الإسلام يقوم على أسس معينة ثبتت عندها، فقد قامت بإدراج مجموعة عقائد ضمن ما يسمى بأصول الدين. فمثلاً أصول الدين عند المعتزلة خمسة، هي: التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وقد درج علماء الكلام الشيعة على عدها خمسة أصول هي: التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد.
3-الغاية من هذا العلم
والغاية القصوى من علم الكلام هي الدفاع عن الدين من الناحية الفكرية وحفظ العقيدة من شبهات أهل البدع والضلالة. فموضوع علم الكلام محدد سلفا إذ هو عند أهله:" العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه من تلك العقائد." وأما وظيفته فتتكشف باعتباره " يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية."  فهي وظيفة دفاعية عن العقائد الإيمانية تعتمد أساسا أدلة العقل.

و قد تجلت مظاهر الدفاع عن العقيدة الإسلامية في جهود المعتزلة في القرون الأولى ،و على رأسهم إبراهيم بن سيار النظام ( 231ه) ، الذي تصدى للرد على مذهب انباذوقليس و على أرسطو وعلى القائلين بقدم حركة الكواكب و الثانوية .و كذلك أبو هذيل العلاف ( 135ه- 226ه) الذي تصدى للنصارى و اليهود و الفلاسفة . و كان ذلك في مواجهة " الأسلوب الفلسفي القائم على الأدلة العقلية التجريدية و قواعد المنطق الصوري الذي استعمله المسيحيون في شرح قضية الأقانيم و استعمله المجوس في شرحهم لمبدأ الأثنينية و الديانات الهندية كالبراهمة في إثبات عقيدتهم و إنكار النبوة."

و الشاهد على البعد الدفاعي لحماية العقائد عند الأشاعرة ما نسجله على سبيل المثال من ملاحظات على كتاب التمهيد للباقلاني حيث تتكرر عبارة:( فإن قال قائل... قلنا ) وكذلك  الأبواب التي حررها الباقلاني بعناوين : الكلام على القائلين بفعل الطبائع ، الكلام على المنجمين ، الكلام على أهل التثنية ، الكلام على المجوس ، الكلام على النصارى...

الدرس رقم 07

قراءة موضوعية في علم الكلام :

عناصر القوّةونذكر على سبيل المثال - لا الحصر - نماذج أربعة هي:

أ ــ الدقّة والشموليّة في معالجة الأفكار، فالمتكلّم القديم عندما يشتغل بمسألةٍ كلامية نراه يتفحّصها تفحصاً دقيقاً ويعالجها معالجةً فاحصة، والتراث الكلامي المدوّن شاهدٌ ناطق عندنا اليوم على حجم الجهود التي بذلها المتكلّمون في دراساتهم المدوّنة إن في نفس المصنفات الكلامية أو في علم الأصول.وطريقة الفنقلة أو «إن قلتَ: قلتُ» واحدةٌ من أبرز الطرق الشاهدة على هذا الأمر.

ب ــ المواكبة الدائمة للمستجدات الفكرية في المجتمع الإسلامي، وهذه ميزةٌ مهمةٌ في علم الكلام. فلا تكاد تسمع بطرح أو كتاب أو نقد أو نظرية حتى ينبري المتكلّمون لتقييمها والردّ عليها أو تأييدها.

ج ــ اتسم علم الكلام بإجاباته الحاسمة والمطمئنة لأنه كان يعمل في جو من الحرية الفكرية ، أشاعت الطمأنينة والاستقرار في نفوس المناصرين للاتجاهات الكلامية. والمتكلم كان يفكّر من موقع الفعل والصنع والإبداع؛ لأنه كان منتصراً من الناحية السياسية والعسكرية، والأهم من الناحية الحضارية، ولذلك فلم يكن في تفكيره ملاحَقاً لا زماناً ولا واقعاً؛ أي لم يكن هناك ما يفرض عليه العجلة في التوصّل إلى نتائجه أو يفرض عليه ــــ لضرورات الواقع ــــ إنتاج فكرٍ معين.
د ــ أصالة علم الكلام لأنّ نشأته كانت بعوامل داخلية منها الاختلاف حول الخلافة ، و الاختلاف في فهم بعض آيات القرآن الكريم مثل آيات القدر و المشيئة .و بعدها ظهرت تأثيرات العوامل الخارجية بسبب الفتوحات الإسلامية و الترجمة . و تتمثل العوامل الخارجية التي ساهمت في إضفاء الصبغة العقلية على علم الكلام في أن المتكلمين كانوا في وسط فلسفي و أمام هجمات فلسفية من أديان مختلفة و عقائد فلسفية متعددة ومذاهب شرقية منتشرة في البلاد التي فتحها المسلمون.

عناصر الضعف: ويمكن ذكر ما يلي:

أ ــ النـزعة التجريدية : وهي إغراق علم الكلام في الصبغة العقلية شرحا و تعريفا و تحليلا و نقدا ، فأدّى ذلك إلى الانشغال بأمور ومسائل لا ترجع بالفائدة المتناسبة مع حجم الجهود المبذولة، كما أدّى ذلك إلى تولّد عقلٍ فرضيٍّ يحاكي الصور والاحتمالات من دون أن يلحظها وانعكاساتها في أفق الواقع، مما أحدث عزلةً نسبية للعقل الكلامي عن الواقع العملي؛ و بسبب هذه النزعة التجريدية صار علم الكلام صعبا على أهل الاختصاص و مستعصيا على عامة الناس بعيدا عن الواقع.

ب ــ النـزعة اليقينية حيث ساهم المنطق الأرسطي وغيره أيضاً فيها، فإنه وفق تصوره لليقين ووسائل الإثبات أيضاً ساهم في تكوين عقلٍ دوغمائي جزمي .إذ يعتقد المتكلمون أن أدلتهم برهانية تفيد اليقين . وهذه النـزعة الدوغمائية تلاحظ في المتون الكلامية سيما تلك التي ذات طابع مذهبي خالص.

ج ــ النـزعة المذهبية ونقصد بها الفرق الكلامية معتزلة وأشاعرة وماتريدية وغيرهم، وما بينها من اختلاف وجدال .ولو أن علماء الكلام ركزوا على الأصول العقدية الجامعة لأبدعوا في وضع أصول الاستدلال على العقائد ومقاصد العقيدة و علم الكلام المقارن و غيرها .و لو انشغلوا بعالم الشهادة لأبدعوا في اكتشاف السنن في الآفاق وفي الأنفس ، لأنه كانت لهم عقول ذكية وقادة كالباقلاني والجويني وغيرهما كما يقول البشير الإبراهيمي .

د - اعتمادهم على المنطق الصوري ، فتاريخ علم الكلام يكشف عن اعتماده على المنطق الأرسطي منطقاً وحيداً وحَكَماً متفرّداً في الجدل العلمي، حيث قُدم هذا المنطق على أنه حقائق ثابتة عامة شاملة كلية ويقينية،

وهو أحد طرق الاستدلال وليس كلها ووجهت له كثير من الانتقادات، فكان عليهم الاهتمام بالمنهج  التجريبي والاستقراء والمنهج الرياضي .

الخلاصة :تعرض المتكلمون لانتقادات كثيرة نذكر منها ما يلي :

1-سلكوا طريق القياس في مطالب الإلاهيات ( قياس الخالق بالمخلوق ) فلم يصلوا إلى اليقين فعطلوا الصفات أو نفوهاأو نفوا بعضها أو أولوها . فلا يصح أن يستدلّ على الخالق بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع ، ولا بقياس شمولي يستوي أفراده ؛ لأنّ الله لا مثل له ؛ فلا يجوز أن يمثّل بغيره ، ولا أن يدخل تحت قضيّته كليّة يستوي أفرادها .

وطريقة قياس الأولى المذكورة في القرآن هي الأصح  .وقياس الأولى : هو أن يكون الغائب أولى بالحكم من الشّاهد.لقوله تعالى :﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾الشورى:11، فكلّ ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال المطلق فإنّ الخالق أولى به ، وكل ما تنزّه عنه المخلوق من صفات النّقص فإنّ الخالق أولى بالتنزّه عنه.

و ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ . وَإذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ . يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ . لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ النّحل : 57 – 60. فإذا كانت الأنوثة نقصًا وعيبًا لا يرضاه المشرك لنفسه ، ويكره أن يضاف إليه ، فإنّ الخالق أولى بالنزاهة عن الولد النّاقص المكروه ؛ لأنّ الله تعالى له المثل الأعلى المشتمل على كلّ كمال وللمشرك مثل السّوء المشتمل على كلّ نقص .

وقوله تعالى : ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ فصّلت : 15. فجعل ما في المخلوق من قوّة وشدّة يدلّ بطريق الأولى على قوّة الخالق وشدّته ؛ لأنّ الخالق أحقّ بالكمال من المخلوق.

2- فساد طريقة الاستدلال على انتفاء المدلول لانتفاء الدليل التي قال بها المتقدمون من المتكلمين.

الدليل لا يشترط الانعكاس لأن عدم وجود الدليل لا يدل على عدم وجود مدلوله. مثل دليل وجود الصانع على وجود العالَم. نقل عن عضد الدين الإيجي في المواقف: "أن الباري عز وجل لو لم يخلق العالم الذي يدل على وجوده لم يدل ذلك على عدمه قطعا". هذا هو رأي المتأخرين وهو الصواب.

قال أبو القاسم النيسابوري: "الفعل يدل على وجود الفاعل وعلى اقتداره ،فهذا هو المعني باطراد الدليل فإنه مهما وجد الفعل وجب أن يكون دالا على وجود الفاعل كاشفا عنه وعن اقتداره .ثم عدم الفعل لا يدل على عدم الفاعل ولا على عجزه ،وكذلك الدخان يدل على النار فهذا طرد الدليل. وعدم الدخان لا يدل على عدم النار. ولو دل عدم الدخان على عدم النار لانعكس الدليل".

فقد يكون الدليل غير صحيح و المدلول صحيحا .و قد يكون العكس فساد المدلول و صحة الدليل .مثل استدلال النصراني على عقيدته في عيسى عليه السلام ( وهي باطلة فاسدة ) بقول الله تعالى (( وروح منه)) .و كذلك ما ادعاه وفد نجران لما عرض عليهم النبي صلى الله عليه و سلم الإسلام ، فرفضوا، وقالوا: كنا مسلمين قبلكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: "يَمْنَعُكُمْ مِنَ الإِسْلاَمِ ثَلاَثٌ: عِبَادَتُكُمُ الصَّلِيبَ، وَأَكْلِكُمْ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَزَعْمُكُمْ أَنَّ لِلِّهِ وَلَدًا." وكثر الجدال بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثر إلقاء الشبهات والردّ عليها، ووصلت المحاورة إلى طريق مسدود؛ ومن ثَمَّ دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة، ولكنهم رفضوا لعلمهم أنه نبي مرسل صالحَهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية.

3- و من أخطائهم أن مقدماتهم فيها اختلاف ، وعلى رأي أبي حامد الغزالي فإن المتكلمين "اعتمدوا على مقدمات تسلموها من خصومهم من أجل استخراج مناقضاتهم و مؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم،و تشوفوا إلى محاولة  الذب عن السنة بالبحث عن حقائق الأمور ، فخاضوا في البحث عن الجوهر والأعراض و أحكامها."و عموما فقد ابتعدوا عن منهج القرآن في الاستدلال على العقائد و الرد على المخالفين ، و في إبطال العقائد الفاسدة .و قد وصف ابن رشد طرق المتكلمين بأنها لا برهانية تفيد اليقين ولا شرعية.

4- ومما يعاب عليهم التأويل في باب الصفات .فقد ينتهي إلى تعطيل الصفات( النفي ) مع اختلاف بينهم ومنها نفي رؤية الله تعالى يوم القيامة . والصواب قياس الأولى  ؛ فإنّ الرؤية في ذاتها وجود محض فلا تستلزم أمرًا عدميًّا ، وشروط صحّتها أمور وجوديّة محضة ؛ وهي القيام بالنّفس ، وكون المرئي بجهة من الرائي ، وقوّة البصر . وآخر الشّروط منتف الآن ؛ ولهذا لا نراه سبحانه في الدّنيا ، وإذا كانت الرؤية وجودًا محضًا من كلّ جهةٍ فإنّ الله أحقّ بها من كلّ موجود ؛ لكمال وجوده  .

انتهى بحمد الله تعالى و توفيقه


جامعة أكلي محند أولحاج البويرة

 

قسم الشريعة

ماستر 1مقارنة الأديان                                           2120/0222  

 

المقياس :علم الجدل و المناظرة                                 د: أنيسة زغدود

 

السداسي الثاني

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة  :

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجدله وليّا مرشدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله.

هذه دروس علم الجدل و المناظرة للسداسي الثاني  لطلبة ماستر 1 مقارنة الأديان .و بالله التوفيق.

 مفردات المقياس :  محتوى المادة:

1.  مداخل اصطلاحيَّة.

2.  أسماء علم الجدل والمناظرة.

3.  حكمه.

4.  أهدافه، وغاياته.

5.  أشهر التصنيفات فيه.

6.  مباحثه.

7.  آداب الجدل والمناظرة.

8.  ثمراته.

9. نماذج من الحضارة الإسلاميَّة عن الجدل والمناظرة.

10.  توظيفاته في عالمنا المعاصر في مجالات التواصل الحضاري.

11.  آفاقه المستقبليَّة.

المراجع:

طاش كبري زاده: رسالة الآداب في علم آداب البحث والمناظرة.

محمَّد الأمين الشنقيطي: آداب البحث والمناظرة.

أحمد مكي: تعليق على الرسالة الموضوعة في آداب البحث.

محمَّد الفرغلي الدجوي: الخلاصة الباهرة في آداب البحث والمناظرة.

هارون عبد الرزاق: فن آداب البحث والمناظرة.

أبو الوليد الباجي: المنهاج في ترتيب الحجاج.

حسين والي: الموجز في علم آداب البحث والمناظرة.

أبو مصطفى البغدادي: الواضح في علم المناظرة شرح وتوضيح على متن طاش كبري زاده-.

مناظرة في الرد على النصارى لفخر الدين محمد بن عمر الرازي.

مصطلحات 

1 النقل: هو الإتيان بقول الغير على ما هو عليه بحسب المعنى مظهرا أنه قول الغير.
2-  تصحيح النقل: بيان صدق نسبة ما نسب إلى المنقول عنه.
3- التقريب: سوق الدليل على وجه يستلزم المطلوب.
4- التعليل: بيان علة الشيء.
5- المنع: طلب الدليل على مقدمة معينة ويسمى: ممانعة ومناقضة، ونقصا وتفصيلا.
6- تنوير السند: ما يذكر لإثبات السند أو توضيحه.
7- التبكيت: بمعنى التوبيخ أو الغلبة بالحجة.
8المجاراة: التمشي مع الخصم، والتساهل معه؛ لتبكيته وإلزامه.
9- الإفحام: عجز المعلل.
  10- الإلزام: عجز السائل.  


1. مداخل اصطلاحيَّة.

-تمهيد : علم الجدل والمناظرة مقرر في القرآن على ما يشفي ويكفي لمن تبصره، ولكن تجريد هذا العلم بمصنفات مستقلة خاصة جاء متأخرا عن عصر النبوة والصحابة.و علم الجدل و المناظرة يتناول نوعين من العلوم الشرعية هما : علم أصول الفقه و علم أصول الدين .

 علم الجدل
تعريفه: هوعلم باحث عن الطرق التي يقتدر بها على إبرام ونقض.

 - هو :دربة كلامية و براعة حجاجية .

- هو :فن الحوار و المناقشة .
مبادئه: بعضها مبينة في علم النظر، وبعضها خطابية، وبعضها أمور عادية، وله استمداد من علم المناظرة المشهور بآداب البحث، وموضوعه تلك الطرق.
الغرض منه: تحصيل ملكة النقض والإبرام.

فائدته: معرفة بالقواعد من الحدود والآداب، في الاستدلال التي يتوصل بها إلى حفظ رأي أو هدمه، كان ذلك الرأي من الفقه وغيره.
علم المناظرة:

تعريفه: - هوعلم يتوصل به إلى معرفة كيفية الاحتراز عن الخطأ في المناظرة .

-هو الضوابط والقواعد والآداب التي ينبغي أن يتقيد بها المتجادلان حول موضوع معين.

موضوعه :- مجموعة من القواعد والمسائل التي تتحدث عن الطرق والوسائل التي يمكن أن يستعملها كل من المتناظرين للدفاع عن رأيه أو الهجوم على رأي صاحبه ويبين لك أن هذه الطريقة في النقاش مقبولة سائغة أو مردودة لا يجوز استعمالها.

-الأبحاث الكلية أي الاعتراضات و الأجوبة التي تقع بين المتناظرين من حيث كونها موجهة مقبولة أو غير مقبولة .

النتيجة :المتأمل في تعريف العلمين و موضوعهما يجد أنهما شيء واحد لذلك سمي علم الجدل و المناظرة ، و يلتقي الجدل بالمناظرة من جهة المقصود بالجدال و هو النوع المحمود منه الذي أمر الله به .

فعلم الجدل هو علم المناظرة :لأن المآل منهما واحد إلا أن الجدل أخص منه.ويؤيده كلام ابن خلدون في المقدمة حيث قال: الجدل هو معرفة آداب المناظرة التي تجري بين أهل المذاهب الفقهية وغيرهم، فإنه لما كان باب المناظرة في الرد والقبول متسعاً، ومن الاستدلال ما يكون صواباً، وما يكون خطأ، فاحتاج إلى وضع آداب وقواعد يعرف منه حال المستدل والمجيب.
وفيه طريقتان: 

1-طريقة البزدوي: وهي خاصة بالأدلة الشرعية من النص والإجماع والاستدلال.
2- طريقة ركن الدين العميدي: وهي عامة في كل دليل يستدل به من أي علم كان، والمغالطات فيه كثيرة، إلا أن صور الأدلة والأقيسة فيه محفوظة مراعاة يتحرى فيها طرق الاستدلال كما ينبغي.
واضعه :بالكيفية المعروفة المولى ركن الدين العميدي السمرقندي الحنفي، (ت615 ه/ 1218 متوفي في بخارى، فقيه، كان أماما في فن الخلاف والجدل. هو أول من أفرده بالتصنيف ومن تقدمه كان يمزجه بخلاف المتقدمين و ذلك في كتابه (الإرشاد). 

-أسماء علم الجدل والمناظرة.

يسمى علم المناظرة ، علم النظر ، علم آداب البحث ، صناعة التوجيه ، و علم الخلاف فيما يخص الفقه و أصوله .

حكم تعلم فنّ المناظرة

حكمه:الوجوب الكفائي .في كتاب إمتاع المقل في رياض علم الجدل :

 نسبته إلى العلوم عقلي *** وحكمه الوجوب عند الجل

قال الآمدي‏:‏ هذا الفن لا شكّ في استحباب تحصيله،وإنّما الشّك في وجوبه وجوباً كفائيّاً، فمن قال بوجوب معرفة مجادلات الفرق على الكفاية،قال بوجوب التّحصيل،لأنّ هذا الفنّ يعرف به كيفيّة المجادلة،وإلّا فلا‏.‏

وقال ملّا زاده تعليقاً عليه‏:‏ واعلم أنّه ذهب بعضٌ إلى أنّ معرفة مجادلات الفرق الضّالّة ليجادلهم فرض كفاية لقوله تعالى‏:‏ ‏((وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))ولأنّها دفع الضّرّ عن المسلمين،إذ يخاف أن يقعوا في اعتقاداتهم المضرّة، وذا فرض كفاية على من لم يكن مظنّة الوقوع فيه، وفرض عين على من كان كذلك‏.‏

بيان معنى المناظرة:

لفظ المناظرة يطلق ويراد به أحد معنيين:
1-فتارة يطلق لفظ المناظرة ويراد به قواعد هذا الفن الذي ندرسه.2- وتارة يطلق على اسم مصطلح من مصطلحات هذا العلم وهو المحاورة بين اثنين بقصد ظهور الحق.

واحترزنا بقيد( بقصد ظهور الحق ) عن المجادلة والمكابرة.
فأما المجادلة فهي: المحاورة بين اثنين لا لإظهار الصواب بل لإلزام الخصم.
فكل من المتجادلين يقصد نصرة رأيه وإبطال رأي خصمه ولا التفات لهما لظهور الحق ولذا ترى العناد والإصرار على الرأي هو دأبهما.
وأما المكابرة فهي: المحاورة بين اثنين بقصد إظهار العلم والفضل.
فليس قصد المتكلم لا إظهار الصواب ولا نصرة رأيه بل أن يظهر أمام الخصم والناس سعة علمه ومقدرته على المنازعة .ولذا تراه ينازع حتى في البديهيات الواضحات، وهي مذمومة أشد الذم فليحذر منها المسلم. 

فالمحاورة تتنوع إلى ثلاثة أقسام بحسب القصد والهدف من ذلك الحوار هي:
1- المناظرة إن قصد ظهور الحق.
2- المجادلة إن قصد نصرة الرأي.
3- المكابرة إن قصد إظهار العلم.
وقد يختلف قصد المتحاورين كأن يدخل زيد الحوار مع الرغبة في ظهور الحق، ويدخله عمرو بقصد نصرة رأيه فقط فتكون المحاورة بالنسبة لزيد مناظرة، وبالنسبة لعمرو مجادلة.

تعريف المناظرة لغةً واصطلاحاً :
المناظرة لغةً‏:‏ يقال‏:‏ ناظر فلاناً‏:‏ صار نظيراً له،وناظر فلاناً‏:‏ باحثه وباراه في المجادلة،وناظر الشّيء بالشّيء‏:‏ جعله نظيراً له‏.‏فالمناظرة مأخوذة من النّظير أو من النّظر بالبصيرة‏.‏و نظر في الشئ أي أبصره.

قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة  : ( النون والظاء والراء أصل صحيح يرجع فروعه إلى معنى واحد وهو تأمل الشيء ومعاينته ثم يستعار ويتسع فيه ). 
وقال الراغب في المفردات: ( النظر : تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته وقد يراد به التأمل والفحص وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص وهو الروية. ) 
ويؤخذ من كلام ابن فارس والراغب أن النظر يقع في المحسوسات والمعاني فما كان من المحسوسات فالنظر إليه بالبصر وما كان من المعاني فالنظر إليه بالبصيرة والعقل .
فمن النظر بالبصر قوله تعالى : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ القيامة: 22- 23
ومن النظر بالبصيرة وهو التفكر والتدبر قوله : ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ الأعراف :18.

ويطلق النظر ويراد به الانتظار فيقال : نظرت فلاناً وانتظرته ومنه قوله تعالى : ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُالحديد:13  وقوله:﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَالحجر :8  وقوله   ونحوها﴿ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ السحدة :29
وقال الراغب في المفردات: ( والمناظرة : المباحثة والمباراة في النظر واستحضار كل ما يراه ببصيرته والنظر : البحث وهو أعم من القياس لأن كل قياس نظر وليس كل نظر قياساً ) .

والمناظرة اصطلاحاً‏:‏ عرّفها الآمدي بأنّها "تردد الكلام بين الشّخصين يقصد كل منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه ليظهر الحق.

وعرّفها الجرجاني بأنّها‏:‏ "النّظر بالبصيرة من الجانبين في النّسبة بين الشّيئين إظهاراً للصّواب‏.‏"

وعرّفها طاش كبرى زاده "هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارا للحق".

  وقيل هي : تردد الكلام بين شخصين يقصد كل منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه مع رغبة كل منهما في ظهور الحق .

تعرّف المناظرة في قاموس اللغة العربية المعاصر بأنّها حوار وجدال علمي يقوم أطرافه بالتحاور حول قضيّة فيها إشكالية معينة، ويكون هناك طرف مؤيد وطرف آخر معارض.

ويظهر لنا معنى الترابط بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للمناظرة في كون المناظرة يحصل فيها التدبر والتفكر والبحث كما أن فيها معنى التقابل بين المتناظرين وبين أدلتهما وقوليهما ، وفيها معنى الانتظار لكون كلٍ من المتناظرين ينتظر صاحبه حتى يتم كلامه ثم يجيب عنه ويناظره فيه ، كما أن فيها معنى النظر الحسي فكل من المتناظرين غالباً ينظر في مناظره ليسمع كلامه ويستوعب قوله وحجته.

المصطلحات ذات الصلة : الجدل ، المحاورة ، المناقشة ، المحاجة ،المباحثة، المكابرة ، المعاندة ، المراء . 
1-الجدل :

الجدل في اللغة :

المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة.مأخوذ من :جدلت الحبل إذا فتلته وأحكمت فتله؛ فإن كل واحد من المتجادلين يحاول أن يفتل صاحبه ويجدله بقوة وإحكام على رأيه الذي يراه. فإذا اشتد اعتداد أحد المتخالفين أو كليهما بما هو عليه من قول أو رأي أو موقف، وحاول الدفاع عنه، وإقناع الآخرين به أو حملهم عليه سميت تلك المحاولة بالجدل.

 قال ابن فارس : ( الجيم والدال واللام أصل واحد وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه وامتداد الخصومة ومراجعة الكلام ) . 
قال ابن الأثير : الجدل : مُقابلة الحجَّة بالحجَّة . والمجادلة : المناظرة والمخاصمة .

والجَدْل شِدَّة الفَتْل وجَدَلْتُ الحَبْلَ أَجْدِلُه جَدْلاً إِذا شددت فَتْله وفتلته فتلاً محكماً ومنه قيل لزمام الناقة الجَدِيل قال امرُؤ القيس : وكَشْحٍ لَطِيفٍ كالجَدِيلِ مُخَصَّرٍ ... وساقٍ كأُنْبُوبِ السَّقِيِّ المُذَلَّلِ
ومنه :المِجْدَل : القصر المحكم .
ويقال جدل إذا اشتد وصلب ومنه قولهم غلام جادل أي مشتد ومنه قولهم عن الأرض جدالة لشدتها والأجدل صفة الصقر لشدته وجمعه أجادل .
ويقال مجدل ومجندل إذا صرعه أرضاً والمراد صرعه على الجدالة وهي الأرض .
ورجل جَدِل إِذا كان أَقوى في الخِصام وجادَله أَي خاصمه مُجادلة وجِدالاً والاسم الجَدَل وهو شدَّة الخصومة . قال قتادة في قوله تعالى : ( قوما لدَّاً ) قال : جدلا بالباطل . وقال أيضاً : الجدل الخصم .
فالجدل في اللغة إذاً يرد لأربعة معان :
الأول : الإحكام .
الثاني : الشدة والصلابة والقوة .
الثالث : الصراع وهو إسقاط الإنسان صاحبه على الأرض .
الرابع : اللدد في الخصومة .

المجادلة لغةً‏:‏ المناظرة والمخاصمة.يقال‏:‏ جدل الرّجل جدلاً فهو جدل من باب تعب‏:‏ إذا اشتدّت خصومته.وجادل جدالاً ومجادلةً‏:‏ إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحقّ ووضوح الصّواب‏.‏

أما الجدل اصطلاحاً فعرف بعدة تعريفات منها : 
 -1 تعريف ابن حزم : ( إخبار كل واحد من المختلفين بحجته أو بما يقدر أنه حجته وقد يكون كلاهما مبطلا وقد يكون أحدهما محقا والآخر مبطلا إما في لفظه وإما في مراده أو في كليهما ولا سبيل أن يكونا معا محقين في ألفاظهما ومعانيهما ) . 
2 –   تعريف القاضي أبي يعلى: (تردد الكلام بين اثنين إذا قصد كل واحد منهما إحكام قوله ليدفع به قول صاحبه) . 
 3 –   تعريف الجرجاني: (الجدل هو القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات والغرض منه إلزام الخصم وإقحام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان). وقال أيضاً : ( دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة أو يقصد به تصحيح كلامه وهو الخصومة في الحقيقة ). 

 4 –   تعريف أبي يحيى زكريا الأنصاري: (دفع العبد خصمه عن إفساد قوله بحجة قاصدا به تصحيح كلامه).
5 – تعريف الجويني: (هو إظهار المتنازعين مقتضى نظرتها على التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقامها من الإشارة والدلالة) .

6 – وقال الفيومي في المصباح المنير: (هو مقابلة الأدلة لظهور أرجحها). 
7 – وقال الراغب في المفردات: (الجدل المفاوضة على سبيل المنازعة و المغالبة).

والمجادلة اصطلاحاً‏:‏ قال الآمدي‏:‏ هي المدافعة لإسكات الخصم‏.‏

وارتباط المعنى اللغوي بالاصطلاحي يظهر في أمور :
1 - أنّ المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه .
2 – أن الأدلة التي يستدل بها كل من الخصمين والأجوبة التي يوردونها كلها محكمة وفيها قوة وشدة وصلابة.
3 – أن المتجادلين يحاول كل منهما أن يصرع صاحبه ويسقطه.
4- وغالباً يكون الجدل مظنة الخصومة ولذا ورد الأمر بالمجادلة بالتي هي أحسن.
وقد وردت مادة ( جدل ) في تسعة وعشرين موضعا في القرآن وهي في غالب استعمالها في القرآن تكون في مساق الذم إلا في خمسة مواضع وهي : 
-1 ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ .هود: 74

2- ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .النحل :125
3-﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ   .العنكبوت :46
4- ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ.المجادلة :1 

5 -﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ هود :32

والصّلة بين الجدل و المناظرة :  أنّ كلاً من المجادلين يريد حفظ مقاله وهدم مقال صاحبه،سواء كان حقاً أو باطلاً‏.‏أما المناظران فكل منهما يريد إظهار الحقّ‏.‏

 2-المحاورة أو الحوار : 

هـ - المحاورة:‏

المحاورة لغةً‏:‏ يقال‏:‏ حاوره محاورةً وحواراً‏:‏ جاوبه، وحاوره‏:‏ جادله،قال تعالى‏:‏ ‏(قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ)ويقال‏:‏ تحاوروا‏:‏ تراجعوا الكلام بينهم وتجادلوا.قال تعالى‏:‏ ‏(وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا)‏‏.‏

أصل الحَوْرُ :الرجوع عن الشيء وإلى الشيء .حارَ إلى الشيء وعنه حَوْراً ومَحاراً ومَحارَةً وحُؤُوراً رجع عنه وإليه .ومنه استعاذة النبي في الحديث من " الحور بعد الكون. " رواه مسلم .ويروى" الحور بعد الكور."
تقول : كلَّمته فما رجع إليَّ حَوَاراً وحِواراً ومُحاورةً وحَوِيراً ومَحُورَة بضم الحاء بوزن مَشُورَة أَي جواباً. وأَحارَ عليه جوابه ردَّه .والاسم من المُحاوَرَةِ الحَوِيرُ تقول :سمعت حَوِيرَهما وحِوَارَهما والمُحاوَرَة المجاوبة والتَّحاور التجاوب . وذكر بعض أهل اللغة ان الحور لغة الحبشة .

فالمحاورة إذا هي المراددة في الكلام .

والمحاورة اصطلاحا :لا تخرج عن معناها اللغوي . وبنحو هذا عرفها بعض المعاصرين فقال هي : ( مراجعة الكلام وتداوله بين طرفين متكافئين فلا يستأثر أحدهما دون الآخر ويغلب عليه الهدوء .)
والجدال والمحاورة يجتمعان في كونهما كلاماً بين اثنين ، وقد اجتمع اللفظان في قوله تعالى﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ.المجادلة :1  :  ويختلفان في كون الأغلب في الجدال الخصومة والشدة واللدد بخلاف المحاورة فهي تميل إلى الهدوء . 

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ‏.‏والصّلة بين المحاورة والمناظرة أنّ كلاً منهما يراجع صاحبه في قوله‏.‏

3-المناقشة

المناقشة لغةً‏:‏ أَصل المناقشة: من نقَش الشوكة إِذا استخرجها من جسمه وقد نَقَشَها وانْتَقَشها.
والمناقشة بين اثنين هو أن ينقش كل منهما ما عند الآخر أي يستخرجه .يقال‏:‏ نقش الشّيء نقشاً‏:‏ بحث عنه واستخرجه.ويقال‏:‏ نقش الشّوكة بالمنقاش، ونقش الحقّ من فلان،وناقشه مناقشةً ونقاشاً استقصى في حسابه‏.‏ قال أبو عبيد :المناقشة الاستقصاء في الحساب حتى لا يُتْرَك منه شيء. ومنه الحديث في البخاري : ( من نوقش الحساب عذب ). أي من استقصى في محاسبته وحوقق .
 ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ‏.‏

والصّلة بين المناقشة والمناظرة أنّ كلاً منهما يهدف إلى بيان وجه الحقّ‏.‏

4-المحاجة:
المحاجة مأخوذة من الحج وأصل الحَجُّ: «الغلبة بالحُجَّة" يقال: حجَّه يحجُّه حجّاً إذا غلبه على حجَّته. وفي الحديث : " فحجَّ آدمُ موسى " أَي أغلبه بالحجَّة .والحَجُّ : كثرة الاختلاف والتردُّد ، وقد حجَّ بنو فلان فلاناً إذا أَطالوا الاختلاف إليه وتقولُ : حججتُ فلاناً إذا أَتَيْتَه مرّةً بعد مرّة فقيل : حُجَّ البيت ؛ لأَنّهم يأْتونه كلَّ سنة . وفي حديث الدجال في مسلم " إن يخرج وأنَا فيكم فأنا حجيجه " أي محاججه ومغالبه بإظهار الحُجَّة .
-و عرف الراغب المحاجة : ( أن يطلب كل واحد أن يرد الآخر عن حجته ومحجته).
- وعرفها المناوي: ( المحاجة تثبيت القصد والرأي لما يصححه). 
5-البحث والمباحثة:
أصل البحث :التفتيش والكشف والطلب يقال : بحثت عن الأمر وبحثت كذا ،قال الله تعالى: ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَالمائدة :31 

  وقيل : بحثت الناقة الأرض برجلها في السير : إذا شددت الوطء تشبيها بذلك.والبَحْثُ أَن تَسْأَل عن شيء وتَسْتَخْبر وبَحَثَ عن الخَبر وبَحَثَه يَبْحَثُه بَحْثاً سأَل وكذلك اسْتَبْحَثَه واسْتَبْحَثَ عنه.
وذكر صاحب تاج العروس : أن كثيراً ما يستعمله المُصَنِّفُون مُتعَدّياً بفي فيقولون : بَحَثَ فيهِ والمشهورُ التَّعْدِيةُ بَعَنْ .
البحث اصطلاحا : عرفه الجرجاني فقال : ( هو إثبات النسبة الإيجابية أو السلبية بين الشيئين بطريق الاستدلال ) . وقد يراد بالبحث الاستشكال والإنكار ولذا يقولون أحيانا : هذه المسألة فيها بحث أو محل بحث : أي أنها مشكلة أو غير مسلمة .
وذكر الراغب أن المباحثة والمناظرة بمعنى واحد فقال : المناظرة : المباحثة والمباراة في النظر واستحضار كل ما يراه ببصيرته والنظر : البحث وهو أعم من القياس لأن كل قياس نظر وليس كل نظر قياس .

6 – المكابرة:‏

المكابرة لغةً‏:‏ المغالبة‏.‏ يقال‏:‏ كابرته مكابرةً،غالبته وعاندته‏.‏

والمكابرة اصطلاحاً‏:‏ المنازعة في المسائل العلميّة مع علم المتكلّم بفساد كلامه وصحّة كلام خصمه‏.‏

والصّلة بين المناظرة والمكابرة التّضاد من حيث الغاية والثّمرة‏.‏

7 – المعاندة ‏:‏

المعاندة لغةً‏:‏ من باب ضرب،يقال‏:‏ عاند فلان عناداً‏:‏ إذا ركب الخلاف والعصيان،وعانده معاندةً‏:‏ عارضه.قال الأزهري‏:‏ المعاند المعارض بالخلاف لا بالوفاق‏.‏

والمعاندة اصطلاحاً‏:‏ المنازعة في المسائل العلميّة مع عدم علمه بكلامه هو وكلام صاحبه‏.‏ والصّلة بين المناظرة والمعاندة التّباين‏.‏

8-المراء: 

المراءلغة : الجدال. والتماري. والمماراة: المجادلة على مذهب الشكِّ والريبة، ويقال للمناظرة: مماراة، وماريته أماريه مماراة ومراء: جادلته.  

المراءاصطلاحا: 
 المراء: هو كثرة الملاحاة للشخص لبيان غلطه وإفحامه، والباعث على ذلك الترفع.

 وقال الجرجاني: (المراء: طعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه، من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير. (وقال الهروي عن المراء: هو (أن يستخرج الرجل من مناظره كلامًا ومعاني الخصومة وغيرها.)

قال أبو حامد الغزالي : المراء طعنك في كلام الغير لإظهار خلل فيه ، لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مزيتك عليه .

أركان المناظرة :هما اثنان :

الركن الأول : موضوع تجري حوله المناظرة.
الركن الثاني :متناظران: أحدهما يتبنى صحة القضية ويدافع عنها وآخر ينفيها ويهاجمها.
مشروعية المناظرة :
وردت نصوص في الكتاب والسنة وآثار السلف تدل على مشروعية المناظرة والجدال وهي تشمل :
  1- المناظرة في المسائل العملية في الأحكام في الطهارة والصلاة والزكاة ونحوها إذا كانت لطلب الحق ولمن هو أهل لذلك .قال ابن عبد البر: ( وأما الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر لأنه علم يحتاج فيه إلى رد الفروع على الأصول للحاجة إلى ذلك ).
2- مناظرة أهل الكتاب بالتي هي أحسن عند الحاجة لمن كان أهلاً لذلك .
3-مناظرة أهل الأهواء والبدع عند الحاجة إذا كان صاحب الهوى قد قويت شوكته ، أو رجي من المناظرة رجوعه .

فمن أدلة الكتاب :
1- ما ذكر الله تبارك وتعالى عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من مناظرات مع أقوامهم كنوح وشعيب وهود وصالح ولوط وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام .

2-ما ذكره الله تبارك من حجج وأدلة وبراهين عقلية في الرد على المشركين واليهود والنصارى وكذا على إبليس الآيات التي ورد فيها الأمر بالرد بالحجج والبراهين على من ادعى خلاف الحق ومن ذلك :
- قوله تعالى :  وقالوا كونوا هوداً أو نصار تهتدوا قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين  
وقوله تعالى : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم عن كنتم صادقين 
- وقوله تعالى :  وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير  
- وقوله تعالى :  كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين 
 3- ما ورد من الآيات التي فيها ذم الجدال بغير علم فيفهم منها جواز ذلك بالعلم ومن ذلك قوله تعالى :  ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد 
وقوله :  ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير  

4 – الآيات التي ورد فيها استخدام الأدلة العقلية والبراهين في تقرير القول الحق ورد الأقوال الباطلة مما هو مستعمل في المناظرات ومن ذلك :
أ - السبر والتقسيم كما في قوله تعالى :  أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون  وقوله تعالى :  اطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهداً  وقوله :  آلله أذن لكم أم على الله تفترون  
ب – التلازم كما في قوله تعالى :  قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون  وقوله تعالى :  لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  وقوله تعالى :  قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم  وربما يسمى قياس الخلف .
ج – المطالبة بالدليل على الدعوى كما في قوله تعالى :  قل هل عندكم من علمٍ فتخرجوه لنا  
د – قياس الأولى ومنه قوله تعالى : أَولم يروا أَنّ اللَّه الذي خَلَقَ السَّمَوَات والأَرض قادرٌ على أَنْ يخلق مثلهم  وقوله تعالى :  لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون  وقوله :  وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه  
ومن أدلة السنة : 
1 - ما حدث من مناظرة بين النبي ونصارى نجران وقد ذكر الله أمرهم في سورة آل عمران .
 2- قصة إسلام عبد الله بن سلام وقد روى القصة البخاري في صحيحه من حديث أنس.

 3- وقد ثبت عن النبي الرد والمناظرة والمحاجة في كثير من الأحاديث ومن ذلك :
أ ما حدث مع الثلاثة الذين تقالوا عبادة النبي قد ورد حديثهم في الصحيحين من حديث أنس .
ب ما حدث مع ذي الخويصرة التميمي عندما اعترض على قسمة النبي القصة في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري  .
 4 - عن حماد بن سلمة حدثنا حميد عن أنس بن مالك  قال : قال رسول الله  : " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " .
 ومن عمل الصحابة : 
1 – مناظرة علي رضي الله عنه للخوارج .
2 – مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج .
3 – المناظرات بين الصحابة رضي الله عنهم في كثير من المسائل .
قال ابن حزم : ( و قد تحاج المهاجرون و الأنصار و سائر الصحابة رضوان الله عليهم , و حاج ابن عباس الخوارج بأمر علي رضي الله عنه , و ما أنكر قط أحد من الصحابة الجدال في طلب الحق ) . 

مشروعيّة المناظرة

المناظرة مشروعة بالكتاب والسنّة‏.‏

دليل المناظرة من القرآن

{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } . سورة النحل 16 / 125]

قال ابن كثير في تفسيرها: ((وقوله: { وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب..)).

(فَمَنْ حَآجّكَ فِيهِ مِنبَعْدِ مَا جَـآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) {آل عمـران: ٦١}

{ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }العنكبوت : 46

« أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » . البقرة 258

: « قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ، قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ ، قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ » . الشعراء

 {يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود: 32].

{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) } المجادله

{ وقالوا كونوا هوداً أو نصار تهتدوا قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } البقرة 135

{وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم عن كنتم صادقين }  البقرة 111

{وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق } المائده 18

 {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [64] سورة آل عمران .

دليل المناظرة من السنة

قال عليه الصلاة والسلام: ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم))

 قال ابن حزم -رحمه الله- ((وهذا حديث غاية في الصحة وفيه الأمر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله)

و مناظره الرسول لأهل قريش و نصارى نجران .

مناظرة النّبيّ صلى الله عليه وسلم مع طالب الإذن بالزّنا،وذلك فيما ورد عن أبي أمامة .

4- أهدافه، وغاياته.

فائدة تعلّم هذا الفنّ :
١- يحفظ الذهن عن الخطأ في المناقشات
٢- يساعد على توليد المناقشات الكثيرة على الدليل الواحد
٣- يساعد على فهم كلام العلماء ومصطلحاتهم الذين كتبوا كتبوا في علوم الإسلام ( كعلم الكلام وأصول الفقه ).

5- أشهر التصنيفات فيه.

كتب المناظرات 

1. "تقرير القوانين المتداولة من علم المناظرة" للعالم محمد ابن أبي بكر المرعشي المعروف بساجقلي زاده

2. "الوليدية في آداب البحث والمناظرة" للعلامة محمد المرعشي

3. كتاب الكافية في الجدل للإمام الجويني 

4. المنهاج في ترتيب الحجاج للباجي 

5. منهج الجدل والمناظرة في تقرير مسائل الاعتقاد الدكتور / عثمان علي حسن .

6. ترجيح أساليب القرآن لابن الوزير اليماني 

7. المناظرات الفقهية لابن سعدي 

8. آداب البحث و المناظرة للأمين الشنقيطي

9. مناظرات ومحاورات فقهية وأصولية أبو الطيب مولود السريري السوسي

10. رسالة في آداب الجدل والمناظرة للشيخ محي الدين عبد الحميد

11. .علم البحث والمناظرة لطاش كبرى زاده.

12. تاريخ الجدل للعلامة أبو زهرة وهو نفيس في الرصد التاريخي.

13. علم الجذل في علم الحدل للطوفي الحنبلي وقد حققه .بعض المستشرقين الألمان

14. المعونة فى الجدل تأليف: ابواسحق الشيرازى ، تحقيق: على عبدالعزيز

15. المنتخل فى الجدل تأليف: ابى حامد الغزالى

16. مناهج الجدل فى القرآن الكريم ، زاهر عواض الالمعى

17. - وقائع مناظرة الإمام الباقلاني للنصارى بحضرة ملكهم / محمد الطيب الباقلاني ؛ جمعها و نسقها محمد بن عبدالعزيز الخضيري

18.  حكاية المناظرة في القرآن مع بعض أهل البدعة / تصنيف عبدالله بن أحمد بن محمد المقدسي موفق الدين بن قدامة ؛ تحقيق عبدالله بن يوسف الجديع .

19. - المناظرة الكبرى في مقارنة الأديان بين الشيخ ديدات و القس سويجارت / تقديم و دراسة و تعليق محمود علي حماية.

20. مناظرة في الرد على النصارى / فخرالدين الرازي ابو عبدالله محمد بن عمر ؛ تقديم و تحقيق عبدالمجيد النجار . 1407هـ ، 1986م

21.  المناظرة الكبرى بين الشيخ رحمت الله و الدكتور فندر : مناظرة في مسألتي النسخ والتحريف / تحقيق و تعليق محمد عبدالقادر خليل .

22.  ضوابط المعرفة و أصول الاستدلال و المناظرة : صياغة للمنطق و أصول البحث متمشية مع الفكر الاسلامي / تأليف عبدالرحمن حسن حنبكة الميداني .

23. - الرشيدية على الرسالة الشريفية في آداب البحث و المناظرة للسيد الشريف الجرجاني / شرح عبدالرشيد الجونغوري .

24. - حاشية الصبان على شرح آداب البحث: للصبان محمد بن علي : ت : 1206هـ.

25. - المنتخب الجليل من تخجيل من صرف الانجيل ؛ مناظرة بين المؤلف وأحد علماء النصرانية / تأليف أبى الفضل المالكى المسعودى . و يليه السؤال العجيب فى الرد على أهل الصليب / لناظمه أحمد على المليجى 1322هـ ، 1904م

6- مباحثه.

المناظرة ومناهج استعمال الأدلّة ومناسبة إيرادها

- قال صاحب فواتح الرّحموت‏:‏ إنّ المستدلّ إذا بيّن دعواه بدليل،فإن خفي على الخصم مفهوم كلامه لإجمال أو غرابة فيما استعمل استفسره،وعلى المستدلّ بيان مراده عند الاستفسار،وإلّا يبقى مجهولاً فلا تمكن المناظرة‏.‏

ولو كان بلا نقل من لغة أو أهل عرف أو بلا ذكر قرينة فإذا اتّضح مراده‏:‏ فإن كان جميع مقدّماته مسلّمةً ولا خلل فيها بوجه لا تفصيلاً ولا إجمالاً لزم الانقطاع للبحث وظهر الصّواب‏.‏ وإلّافإن كان الخلل في البعض تفصيلاً يمنع هذا المختل مجرّداً عن السّند أو مقروناً مع السّند،ويطالب بالدّليل عليه فيجاب بإثبات المقدّمة الممنوعة‏.‏

وإن كان الخلل فيها إجمالاً،وذلك الخلل‏:‏ إمّا أن يتخلّف الحكم عنه في صوره فيكون الدّليل حينئذٍ أعمّ من المدّعي،أو لزوم محال آخر فينقض حينئذٍ ويدّعي فساد الدّليل،فلا بدّ من إقامة دليل‏.‏

وإمّا بوجود دليل مقابل لدليل المستدلّ وحاكم بمنافي ما يحكم هو به فيعارض‏.‏

وفي هذين أي النّقض والمعارضة تنقلب المناصب،فيصير المعترض مستدلاً والمستدل معترضاً‏.‏

فكل بحث - مناظرة - إمّا منع أو نقضٌ أو معارضة‏.‏

وفي ذلك يقول طاش كبرى زاده في منظومته في آداب البحث‏:‏

ثلاثة لسائل مناقضة *** والنّقض ذو الإجمال والمعارضة

فمنعه الصغرى من الدّليل *** أو منعه الكبرى على التّفصيل

من مسائل علم المناظرة:

- النقض المشهور وظيفة مقبولة : مثال: قال زيدٌ: هذا الآية تدل على الوجوب والدليل عليه هو أنها أمر- وكل أمر يدل على الوجوب.
فيقول له عمرو: فقوله تعالى: ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) أمر ولم يدل على الوجوب بل على الندب
فهنا أبطل عمرو دعوى زيد بأن كل أمر يدل على الوجوب بالنقض بأن أثبت تخلف الدليل وعدم اطراده فقد وجد لفظ الأمر ولم يوجد معه الوجوب.فهذا النقض يسمى بالنقض المشهور لأنه هو الذائع المعروف .

-  النقض المكسور وظيفة مردودة : لا يجوز ارتكابها لأنها نوع مغالطة .مثال: قال زيد هذا الشخص يجب قتله، والدليل على ذلك أنه قد قتل شخصا مكافئا له عمدا عدوانا- وكل من قتل شخصا مكافئا له عمدا عدوانا يجب قتله.
فيقول له عمرو هذا منقوض بالذي ينفذ القصاص على القاتل فإنه يقتل شخصا مكافئا له عمدا ومع هذا لا يجب قتله.

فهذا النوع من النقض يسمى بالنقض المكسور وهو أن يترك من دليل الخصم بعض الأوصاف المؤثرة.فهنا عمرو ترك من استدلال زيد كلمة عدوان وهي لها مدخل وتأثير في ثبوت القصاص لأن من ينفذ القصاص لم يقتل عدوانا بل نفذ حكم الله.

فقد تبين أن علم المناظرة هو مسائل يبين فيها الوظائف المقبولة والمردودة للمتناظرين.
فوظائف المتناظرين هيالاعتراضات والأجوبة التي تحدث بين المتناظرين، وتسمى بالأبحاث الكلية لأنها قواعد كلية تنطبق على الأبحاث الجزئية التي تتعلق بموضوع معين.

وتسمى الوظيفة المقبولة مثل النقض المشهور بالوظيفة الموجَّهَة. ومعنى كونها موجهة أنها تتوجه إلى كلام الخصم وتدفعه فهي مجدية ومقبولة في المناظرة.
وتسمى الوظيفة غير المقبولة مثل ذلك النقض المكسور بالوظيفة غير الموجَّهَة.وأما غير الموجهة لا تتوجه إلى كلام الخصم ولا تدفع كلامه فهي غير مجدية وغير مقبولة في المناظرة

الفرق بين المنطق والمناظرة :هو أن المنطق يبحث فيه عن أحوال التعريف والدليل أي يعرفك طريقة رفع المجهول، وأما علم المناظرة فيعرفك الطريق الصحيح للمناظرة حول التعريف والدليل.
فالمنطق يعلمك أحوال التعريف والدليل، والمناظرة تعلمك الاعتراضات التي يمكن أن تتوجه على التعريف والدليل، وكذا الأجوبة الممكنة عنها.

ما تجري فيه المناظرة :أي ما يكون محل البحث والنقاش فهو القضية لأنها هي التي تحتوي على نسبة خبرية تحتمل مطابقة الواقع أو عدمه، فيحصل فيها اختلاف الرأي وتقع المناقشات والاستدلالات بين الخصمين وتسمى القضية بالدعوى والمسألة مثل الله واحد، وأبو بكر إمام عادل، والغناء محرم ونحو ذلك.
وأما الإنشاء فلا تجري فيه المناظرة نحو اكتبْ الدرس، وكذا اللفظ المفرد نحو زيد، والمركب نحو غلام زيد لعدم وجود النسبة الخبرية، ولكن قد تقع المناظرة في غير القضية كالتعريف لأنه يتضمن القضية.

بيانه: إذا قلنا في تعريف الإنسانحيوانٌ ناطقٌ، فهذا اللفظ هو مركب ناقص ليس فيه إسناد أو نسبة لأنه موصوف وصفته :فالحيوان موصوف والناطق صفته، فالمفروض أنه لا تجري المناظرة في التعريف ولكن قالوا: إن هذا التعريف حينما يأتي به الشخص فقد ادعى في ضمنه عدة دعاوى منها:
هذا التعريف جامع وهذه قضية أي مركب خبري لأنها ذات موضوع ومحمول.
وهذا التعريف مانع وهذه قضية أيضا.
فصار التعريف من هذه الجهة محلا للمناظرات والمناقشات بأن يقول الخصم :لا أسلم أن تعريف الإنسان بأنه حيوان ناطق صحيح لأنه غير جامع أو غير مانع أو ليس بأوضح من المعرّف.
بمعنى أن التعريف من جهة شروطه المذكورة في المنطق تجري فيه المناظرة لاستلزامه النسبة الخبرية.
والحاصل هو :أن الذي تجري فيه المناظرة لذاته هو القضية، وأما التعريفات فهي تجري فيها المناظرات لا لذاتها بل لأنها تستلزم وتستتبع القضية والنسبة فصحت المناظرة فيها من هذا الجانب.

وظائف المتناظرين :

القضية والنسبة هي محل المناظرة وفيها يتنازع الخصمان فواحد يتولى الدفاع عنها، وآخر يقوم بالهجوم عليها، وهذا الدور الذي يقوم به المتناظران يسمى وظيفة :فأحدهما له وظيفة الاعتراض والهجوم والآخر له وظيفة الجواب عن تلك الاعتراضات والدفاع.
السائل :هو الشخص الذي يتولى وظيفة الاعتراض والهجوم .
المعلل :هو الشخص الذي يتولى وظيفة الجواب والدفاع .
مثال: تناظر عبد الرحمن  المسلم، مع جاك الملحد في وجود الله فعبد الرحمن يثبت وجود الله، وجاك يكذب بذلك ويعترض على عبد الرحمن.
فيسمى عبد الرحمن  المدعي لقضية وهي هنا ( الله موجود ) معلّلاً لأنه يثبتها بعلتها أي يستدل ويأتي بالعلة والسبب الذي من أجله آمن بهذه الدعوى
ويسمى جاك الذي يعارض تلك الدعوى بالسائل لأنه هو من يسأل ويوجه الاعتراضات والإشكالات على كلام المدعي.
وظائف السائل ثلاثة هي:
1- المنع
2- النقض
3- المعارضة.
المنع هوطلب الدليل على مقدمة الدليل.
مثال: قال النصراني المعلل: المسيح إلهٌ، والدليل عليه هو: أنه خلق من غير أب- وكل من خلق من غير أب فهو إلهٌ.
فيقول المسلم السائل: أمنع الكبرى أي كل من خلق من غير أب فهو إله.
ومعنى أمنع الكبرى أي لا أسلمها وأطالبك بإقامة الدليل عليها
فالمنع إما أن يتجه على صغرى الدليل أو كبراه.
و النقض فهوإبطال دليل الخصم بإثبات تخلف الدليل بأن يوجد ولا يوجد معه المدلول.
مثال: قال النصراني المعلل: المسيح إلهٌ، والدليل عليه هو: أنه خلق من غير أب- وكل من خلق من غير أب فهو إلهٌ
فيقول المسلم السائل: هذا الدليل باطل لأنه يجري مع آدم عليه السلام، فإنه خلق من غير أب بل ومن غير أم فيلزم على دليلك أن يكون إلها مع أنه ليس كذلك بالاتفاق
فالنقض هو إثبات تخلف الدليل في صورة من الصور.
و المعارضة هيإبطال دليل الخصم بإقامة دليل يثبت بطلان مدعاه.
مثال: قال النصراني المعلل: المسيح إلهٌ، والدليل عليه هو: أنه خلق من غير أب- وكل من خلق من غير أب فهو إلهٌ
فيقول له المسلم السائل: المسيح عبد لله، والدليل عليه هو: أنه حملت به أمه وأنجبته- وكل من كان شأنه كذلك فهو عبد مخلوق لا إله خالق.
فهنا أبطل عمرو دليل زيد بإقامة دليل من عنده يثبت بطلان دعواه وهي أن المسيح إله.
فالمعارضة هيأن يقابل دليل الخصم بدليل يبطل مدعاه. 
الخلاصة : أن السائل إما أن يكتفي بطلب الدليل على مقدمة من مقدمات دليل الخصم، أو يبطل دليله بإثبات تخلفه، أو يبطل دعواه بإقامة دليل منتجٍ لخلاف دعوى الخصم.فإنْ طلب الدليل على المقدمة فهو المنع، وإن أبطل نفس الدليل بالتخلف فهو النقض، وإن أبطل نفس الدعوى بإقامة دليل منتجٍ لما يخالفها فهو المعارضة.

وظيفة المعلل عند النقض

قد علمتَ أن للمعلل وظيفة مقابل كل وظيفة من وظائف السائل، وأن وظائفه مقابل المنع هي: إثبات الممنوع بالدليل أو التنبيه، وإبطال السند، وإثبات المدعى بدليل آخر.
ولنتبعه بوظائف المعلل في مقابل النقض وهي:
أولانفي الشاهد.
وقد مرّ عليك أن الشاهد هو: صورة التخلف بأن يجري الدليل في مادة، ويتخلف المدلول عنه.
فنفي الشاهد معناهعدم تسليم جريان الدليل على تلك المادة، أو عدم تسليم تخلف المدلول عن الدليل.
مثال: قال المعلل: هذه الآية تدل على الوجوب؛ لأنها أمر مطلق- وكل أمر مطلق يدل على الوجوب.
فقال السائل: دليلك هذا منتقض بقوله تعالى ( فكاتبوهم ) فإنه أمر ولم يدل على الوجوب.
فيقول المعلل: لا أسلم أن دليلي يجري على قوله تعالى ( فكاتبوهم ) لأن نقضك مكسور بترك قيد له مدخلية في الحكم وهو كلمة مطلق.
فهنا نفى المعلل الشاهد أي لم يسلم جريان ودخول ( فكاتبوهم ) في دليله المذكور.
ثانياإثبات المدعى بدليل آخر.
فالمعلل أتى بدعوى ثم أقام عليها دليلا، فجاء السائل وأبطل دليله بالنقض، فأعرض المعلل عن دليله الأول ولم يدافع عنه وأقام دليلا آخر.
مثال: قال المعلل: هذه الآية تدل على الوجوب؛ لأنها أمر - وكل أمر يدل على الوجوب.
فقال السائل: دليلك هذا منتقض بقوله تعالى ( فكاتبوهم ) فإنه أمر ولم يدل على الوجوب.
فيقول المعلل: هذه الآية تدل على الوجوب؛ لأنه توعد بالعقاب على الترك- وكل ما توعد بالعقاب على الترك فهو واجب.
فهنا انتقل المعلل من دليل إلى دليل آخر يثبت مدعاه.
ثم يقال هنا ما قد قيل من قبل: إن كان إعراضه عن الدليل الأول لعدم قدرته على الدفاع عنه فذلك إفحام بالنسبة للدليل الأول، وإن كان انتقاله لأجل كونه أوضح أبعد عن الإشكالات فلا يعد إفحاما.
فتلخص من ذلك أن المعلل إذا واجه النقض فبإمكانه الدفاع إما بنفي الشاهد بعدم تسليم جريان الدليل مع الشاهد المذكور، أو بعدم تخلف المدلول عن الدليل مع ذلك الشاهد، وإما بتغيير الدليل إلى دليل آخر.
وظيفة المعلل عند المعارضة

قد علمتَ أن للمعلل وظيفة مقابل كل وظيفة من وظائف السائل الثلاث، وقد تقدم بيان وظيفته عند المنع والنقض مفصلا، فلنختمها بوظيفته عند النقض.
ووظائفه عند النقض هي:
1- المنع.
2- النقض.
3- المعارضة.
وقد يبدو هذا غريبا فهذه هي وظائف السائل فكيف صارت وظائف المعلل، وللإجابة عن هذا السؤال نقول:
إن السائل حينما يستعمل المعارضة فإنه يدعي، ويأتي بدليل على دعواه فصار حينئذ معللا لأن وظيفة المعلل هي أن يستدل ويدافع عن دعواه، فإذا جاء السائل بالمعارضة فقد انقلبت وظيفته وصار السائل معللا وصار المعلل سائلا فما كان يجوز للسائل من وظائف صار يجوز للمعلل.
ثال: قال المعلل: المسيح عبد لله؛ لأنه حملته أمه وأنجبته- وكل من كان شأنه كذلك فهو عبد لله.
فقال النصراني: السائل: المسيح إله؛ لأنه أحيا الموتى- وكل من يحي الموتى فهو إله.
فيقول المعلل:
أمنع الكبرى لأن ما ذكرته يصح لو كان المسيح يحي الموتى بقوته لا بإذن الله. ( منع مع السند الجلي)
أو يقول: دليلك هذا منتقض بسيدنا موسى عليه السلام الذي أحيا القتيل في حادثة ذبح البقرة، وفي كتابكم المقدس إن اليشع النبي قد أحيا الموتى ولا قائل بإلوهيتهما ( نقض مشهور).
أو يقول: المسيح عبد لله؛ لأنه كان يمشي في الأسواق ويأكل الطعام ويأتي الحاجة وكان له عضو ذكري- وكل من كان شأنه كذلك فهو عبد لله. ( معارضة بالمثل ).
فائدة علم البحث والمناظرة :

علم المناظرة : يقدّم لك ادوات محاورة ومناقشة المدّعي المورِد للدليل في أي علم كان

ما هو علم المناظرة ؟!
هو العلم الذي يبحث عن أحوال ووظائف المتناظرين من حيث كونها وظيفة مقبولة أو وظيفة مردودة ، إذاً هو أحوال وظائف المتناظرين .

للمدعي وظيفة تقديم الدعوىٰ ثم الاستدلال لها ، وكذلك السائل له وظيفة على المدّعي ، وبين الوظيفتين أحوال تعرضُ لهما :

√ أحوال غير مقبولة : غير موجهة ، لها وظائف غير موجهة ، تقع للمدعي او السائل.
√ أحوال مقبولة : تسمىٰ موجهة .

فنّ المناظرة يخبرك ماهي الوظائف الصحيحة التي يقدمها المدعي والسائل والخاطئة التي يقع فيها أيضا المدعي والسائل .

يعتبر النقض المشهور وظيفة موجّهة أما النقض المكسور فوظيفة غير موجّهة .

يعتبر هذا الفن مندثرا ويُشرح على استحياء ، وهو صنو المنطق .

ما هي المناظرة ؟

وتفسيرها :
√ يتوجه المدّعي في تقرير الدعوى ويتوجه السائل للاعتراض عليها في (النسبة بين الشيئين )
مثال : [ الحجاب فريضة : تنسب الفريضة للحجاب

· أو كما يقول المناطقة : الحجاب (الموضوع) - الفريضة(المحمول)

· أو كما يقول النحاة : مبتدأ وخبر
-أو كما يقول البلاغيون : المسند إليه والمسند

· أو مما يقول الفقهاء : الحكم والمحكوم عليه ]

√ هذا التوجّه الغاية منه ( إظهاراً للصواب ) لا مجرّد جدال.

 بماذا تجري المناظرة ؟

المناظرة لا تجري في المفردات فحسب : مثال : مناظرة في " الحجاب" فقط بلا إضافة!

المناظرة لا تجري في البديهيات والأوليات التي لا تتوقف على شي : مثال : مناظرة في اجتماع النقيضين!

المناظرة قد تقع في البديهيات ( التجريبيات - المتواترات) ، وتحتاج فقط إلى تنبيه عليها وليس تقديم دليل.

المناظرة لا تقع في المركبات الإنشائية ، الأمر والنهي والخبر ، إنما تقع المناظرة من جهة إثبات صحة النقل والقاعدة " إن كنت ناقلا فالصحة وإن كنت مدعيا فالدليل "

 وظائف المتناظرين :

المدعي :
✓ يسمى المستدل : إن كان الدليل الذي قدّمه " إني " ، ويعني الاستدلال بالمعلول على العلّة ، أو الأثر على المؤثر

· مثال : المخلوقات تدل على وجود الخالق رؤية الدخان تدل على وجود النار

✓ يُسمى المعلِّل : إن كان الدليل الذي قدمه " لمّي " ، ويعني الاستدلال بالعلة على المعلول

· مثال : الاستدلال بالله على إتقان الصنعة أو الاستدلال بالنار على وجود الدخان

السائل :
وله ٣ وظائف في الاعتراض على المدعي :
✓ استخدام المنع
✓ استخدام النقض
✓ استخدام المعارضة

المدعي إذا قدم دعوى مجردة بدون دليل لا يستخدم معه الا المنع ، ولا يستخدم غيره فيسلب وظيفة المدعي بتقديم الدليل .

· مثال : الحجاب عادة : أين الدليل ؟

· مثال : التحرش سببه الفساد وليس عدم الحجاب : أين الدليل ؟

المدعي هو المطالَب بإقامة الدعوى وليس المانع!
إذا كانت الدعوى مدللة يمكن للسائل أن بستخدم الثلاثة.!

 تفسير وظائف السائل :

١- المنع :
هو المطالبة بإقامة الدليل على إحدى المقدمات المذكورة في الدليل ، فتمنع إحدى المقدمات .

· مثال : يُسأل النصراني ما هي دعواك ؟
يقول النصراني أن عيسى إله .
يُسأل : ما هو دليل الدعوى ؟
يقول : المسيح قد خلق من غير أب ، وكل من خلق من غير أب فهو إله ، اذا المسيح إله .

المقدمة الأولى : المسيح خلق من غير أب
المقدمة الثانية : كل من خلق من غير أب هو إله
النتيجة : المسيح إله

√ المسلم يسلم بالمقدمة الأولىٰ
√ المسلم يمنع المقدمة الثانية ، فيطالبه بإقامة الدليل عليها

· فائدة : أي دليل يقدمه الخصم يمكن جعله قياسا منطقيا

٢- النقض :
هو أن أبين أن العلة موجودة في صورة ثانية والحكم غير موجود

· في المثال السابق :
المقدمة الثانية : كل من خلق من غير أب هو إله
يُقال : آدم خلق من غير أب وليس إلٰه عندنا ولا عندكم .

-مثال : رجل يحبّ رجلا لأنه كريم
علة المحبة : الكرم
يُقال له : هناك رجل آخر كريم لماذا لا تحب الآخر ؟

· فائدة : النقض من غير شاهد وظيفة مردودة

٣- المعارضة :
مُعارضة الدليل بدليل آخر .

· مثال : المسيح خلق من أم
كل من خلق من أم ليس بإله
اذا المسيح ليس إله .

قواعد في المنع :
√ لا أمنع شيئا أنا أسلم به
√ لا أمنع شيئا من البديهيات
√ لا امنع التجريبيات إن نبّهت عليها وطولبت بالتجريب

٢- النقض :

المنع هو نقض تفصيلي وهذا نقض إجمالي
النقض يبطل كامل الدليل وليس تفصيلاته

٣- المعارضة :

تنبيه : القياس المنطقي ينقسم يتكون من مقدمتين ونتيجة، مثال :
" النبيذ مسكر ، كل مسكر حرام ، اذا النبيذ حرام "
√ المقدمة الصغرى : النبيذ مسكر
√ المقدمة الكبرى : كل مسكر حرام
√ النتيجة : النبيذ حرام
√ الحد الأوسط : " مسكر ، كل مسكر " فهذا المكرر ، في النتيجة يحذف المكرر ويبقي غيره!

 بعض التنبيهات :

يجب أن يتجنب المتناظر الغصب
يجب أن يتجنب المتناظر المصادرة على المطلوب ، أي أن تجعل الدعوى التي تريد ان تستدل عليها مقدمة لدليل!
هناك قواعد في المناظرة :
✓ إن كنت ناقلا فالصحة ، وإن كنت مدعيا فالدليل
✓ لا يجوز بتر الدليل عن سياقه
✓ لا تجادل أهل السفسطة

 وأمّا ما يتّصل بالضبط المنطقي للمناظرة، فقد سطّر المختصون جملة من القواعد تتجسّد في إبراز وظائف السّائل (المعترض) والمعلّل (المدعي)، وما يترتب عنها من أحكام تسري عليهما جميعا بوصفهما مشاركين في بناء المعرفة واقتناص ما صحّ منها.

غاية المناظرة أن يتعيّن فيها الصّواب ويحقّ الحقّ، ولذا لابدّ لها من مآل. وطبقا لشروط تخليقها وتقنينها، فإنّ الإخلال بقواعدها الأدبيّة يوجب قطعها، يقول الجويني وعلى كلّ واحد منهما أن يقبل على خصمه الّذي يكلّمه بوجهه في خطابه، المتكلّم في كلامه والمستمع في استماعه، فإن التفت أو أعرض عنه في الاستماع أو الخطاب، وعظه، فإن لم يقبل قطع مناظرته”(14). أمّا الإخلال بوظائف السّائل والمدّعي فيعجل بالانقطاع. ويكون المناظر منقطعا لأنّه لم يتمكّن من الوفاء بإتّمام ما لزمه إتّمامه”(15)، ولأنّه عجز عن بلوغ الغرض المقصود”(16). إنّ الانقطاع هو العجز عن نصرة ما يدّعي المجادل نصرته، ويكون بأمور منها:

 * الانقطاع بالسكوت (الإعراض بالسكوت) (17).
* الانقطاع بالانتقال إلى مسألة أخرى غير متعلّقة بموضوع التّناظر، فالمدّعي يكون منقطعا إن هو استدلّ بدليل تمّ هجره إلى آخر، سواء أكان ذلك قبل قدح السّائل فيه أو بعده(18). أمّا السائل فيعتبر منقطعا إن هو طالب خصمه بما لا يجوز المطالبة به في حكم النظر(19).
* الانقطاع بالخروج إلى الباطل، ولهذا الخروج تحقّقات منها:

الخروج إلى المحال كالخروج إلى ما يدفعه حسّ أو بديهة”(20).

* الخروج إلى التّهافت مثل الخروج إلى ما لا يصحّ العلم به لما فيه من تدافع البعض بالبعض”(21).

* الخروج إلى الفحش، وهو الانتهاء إلى ما تستسخفه قلوب أهل الشريعة”(22)، ومن الانقطاع الفاحش أن ينتقل ممّا هو فيه من الاستدلال أو الانفصال إلى الشغب والتردّد بالصياح والغلبة”(23)، وأفحش من الشغب أن يصيرا أو أحدهما إلى المسابة”(24).

 وإذا جاز لنا تسمية الانقطاع في حقّ السّائل إلزاما، وفي حقّ المجيب إفحاما، أمكن لنا القول إنّ المناظرة يجب أن تؤول إلى إلزام المانع أو إفحام المدّعي، يلزم المانع إذا عجز عن متابعة التّعرض لدعوى المدّعي بإحدى وظائفه مع اعتبار عدم قوله أو فعله لأي شيء يؤدي إلى الانقطاع. ويفحم المدّعي إذا عجز عن إقامة الدّليل على دعوى من دعاويه المعترض عليها مع اعتبار عدم قوله أو فعله لأي شيء يؤدي إلى الانقطاع”(25).

 

7-آداب الجدل والمناظرة.

آداب المناظرة

وقال طاش في منظومته عن اداب المناظرة :

وليجتنب فيها عن الاطـــــــــــــناب ** ثم عن الايجاز والخــــــــــــــطاب

الى رفـــــــــــــــيع القدر والمهابة ** وعن كلام شــــــــــــــابه الغرابة

ومجمل من غير ان يفصــــــــــــلا ** كذا تعرّض لما لا مدخـــــــــــــــلا

كذاك عن دخـــــــــــــــل قبيل الفهم ** لا باس من اعـــــــــــــــادة للفهم

ولا يظن خصمه حقــــــــــــــــــــيرا ** وليلزم التعظيم والتوقـــــــــــــيرا

ثم عن الضحــــــــــــك وما قد ذٌكرا ** وما عنيـــــــــــــــــناه ومنا صدرا

ايراده قد صــــــــــــــح في ذا الباب ** فهذا خواتــــــــــــــــــــــيم الاداب

قال طاش كبرى زاده المتوفى سنة 968 في كتابه (علم البحث والمناظرة) :

".. واما اداب المناظرة  :

انه ينبغي للمُناظِر ان يحترز من الايجاز والاطناب وعن استعمال الالفاظ الغريبة وعن المجمل ولا باس بالاستفسار وعن الدخل في كلام الخصم قبل الفهم ولا باس بالاعادة وعن التعرض لما لا دخل له في المقصود وعن الضحك ورفع الصوت وعن المناظرة مع اهل المهابة والاحترام وانه يحسب الخصم حقيرا" .

للمناظرة آداب عشرة‏:‏

الأوّل‏:‏ إرادة إظهار الحقّ، قال الإمام الشّافعي رحمه الله‏:‏ ما ناظرت أحداً إلّا وددت أن يظهر اللّه الحقّ على يديه، وجاء في ردّ المحتار‏:‏ المناظرة في العلم لنصرة الحقّ عبادة‏.‏

الثّاني‏:‏ أن يحترز المناظر عن الإيجاز والاختصار والكلام الأجنبيّ لئلّا يكون مخلاً بالفهم‏.‏ الثّالث‏:‏ أن يحترز عن التّطويل في المقال لئلّا يؤدّي إلى الملال‏.‏

الرّابع‏:‏ أن يحترز عن الألفاظ الغريبة في البحث‏.‏

الخامس‏:‏ أن يحترز عن استعمال الألفاظ المحتملة لمعنيين‏.‏

السّادس‏:‏ أن يحترز عن الدخول في كلام الخصم قبل الفهم بتمامه،وإن افتقر إلى إعادته ثانياً فلا بأس بالاستفسار عنه إذ الدّاخل في الكلام قبل الفهم أقبح من الاستفسار‏.‏

السّابع‏:‏ أن يحترز عمّا لا مدخل له في المقصود بألّا يلزم البعد عن المقصود‏.‏

الثّامن‏:‏ أن يحترز عن الضّحك ورفع الصّوت والسّفاهة،فإنّ الجهّال يسترون بها جهلهم‏.‏ التّاسع‏:‏ أن يحترز عن المناظرة مع من كان مهيباً ومحترماً كالأستاذ إذ مهابة الخصم واحترامه ربّما تزيل دقّة نظر المناظر وحدّة ذهنه‏.‏

العاشر‏:‏ أن يحترز عن أن يحسب الخصم حقيراً لئلّا يصدر عنه كلام يغلب به الخصم عليه‏.‏

شروط المناظرة:

الأول: أن يجمع بين خصمين متضادين .

والثاني: أن يأتي كل خصم في نصرته لنفسه بأدلة ترفع شأنه وتعلي مقامه فوق خصمه.

والثالث: أن تصاغ المعاني والمراجعات صوغاً لطيفا.

قال شيخ الإسلام: (وكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ولا وفى بموجب العلم والإيمان ولا حصل بكلامه شفاء الصدور والطمأنينة في النفوس ولا أفاد كلامه العلم واليقين)ا.هـ

و كان السلف ( ينهون عن المجادلة و المناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة و جواب الشبهة )  

8-أما الفوائد التي يمكن أن يحصل عليها المناظر من المناظرة فمنها :
1 القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي يعظم ويقل بحسب موضوع المناظرة وآثارها ونتائجها .
2 – تحصيل ملكة الجدل والمناظرة والبحث والاستنباط والفهم والتعليل وتقوية الذهن وفتح نوافذ العقل في فهم المسائل .
3 – الوصول إلى الحق في المسائل العلمية والعملية .
4 – إبطال الباطل وبيان الخطأ من الأقوال والمرجوح منها .
5- رفع الإشكال واللبس والاشتباه الواقع في الأدلة عند المناظر أو الشبه التي يستدل بها المخالف .
6– تبادل الفوائد ودقائق المسائل بين المتناظرين .
7- تقليل الخلافات بين المسلمين في المسائل العلمية والعملية .
8 – مذاكرة المسائل العلمية وتثبيتها وتثبيت الإيمان بها واعتقادها .

وفائدتهاحفظ الذهن عن الخطأ في المناقشات. بمعنى أن الإنسان باعتبار كونه مفكرا لا بد أن يحمل آراء واعتقادات معينة فيها من الاختلاف والتعدد الشيء الكثير، وبما أنه اجتماعي بطبعه فلا بد أن تحصل بين الناس مناقشات ومناظرات كل طرف منهم يحاول أن يثبت صحة رأيه، فكان لا بد من وضع ضوابط تحكم المناقشات حتى لا تحيد عن الهدف الذي من أجله انعقدت وهو ظهور الحق والصواب وتتحول إلى مصارعة فمن أجل ذلك وضعوا علم المناظرة.

مآل المناظرة‏:‏

الأصل في المناظرة - كما هو وارد في تعريفها - التّوصل إلى إظهار الحقّ‏.‏

وهذه المناظرة إمّا أن تنتهي إلى عجز المعلّل وسكوته عن دفع اعتراض السّائل،وهذا يسمى إفحاماً‏.‏

وإمّا أن تنتهي إلى عجز السّائل عن الاعتراض على جواب المعلّل إذ لا يمكن جريان البحث بينهما إلى غير نهاية،وهذا يسمّى إلزاماً‏.‏

وفي ذلك يقول طاش كبرى زاده في منظومته‏:‏

مآلها البحث عن أمرين *** محقّقاً إحداهما في البين

إمّا بأن قد يعجز المعَلِّل *** وعن إقامة الدّليل يعدل

لمدّعاه وهو عنها ساكت *** وذا هو الإفحام عنهم ثابت

أو يعجز السّائل عن تعرض *** إلى دليل الخصم والمعترض

فينتهي الدّليل مِن مقدّمة *** ضرورة القبول أو مسلّمة

وذلك العجز هو الإلزام *** فتنتهي القدرة والكلام

تنتهي المناظرة في الاصل بعجز أحد المناظرين و انقطاعه و قبوله برأى مناظره أو إذا توصل المناظران الى شرعية منهجهما و أنه يسوغ لكل واحد منهما التمسك به ما دام أنه في دائرة الخلاف السائغ

يقول ابن تيمية رحمه الله : ( وكان بعضهم يعذر كل من خالفه في مسائل الاجتهادية ، ولا يكلفه أن يوافقه فهمه ) ا هـ . من المغني

 يقول ابن عقيل : ( وليقبل كل واحد منهما من صاحبه الحجة ؛ فإنه أنبل لقدره ، وأعون على إدراك الحق وسلوك سبيل الصدق .)

و من أمثله هذا :

جلس عبد الجبار المعتزلي لمناظرة أبي إسحاق الإسفراييني

فقال عبد الجبار في ابتداء جلوسه للمناظرة : سبحان من تنزه عن الفحشاء !

فأجابه الإسفراييني : سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما شاء

فقال عبد الجبار : أفيشاء ربنا أن يعصى ؟

قال الإسفراييني : أيعصى ربنا قهرا ؟

فقال عبد الجبار : أفرأيت إن منعني الهدى، وقضى عليّ بالردى، أحسن إليّ أم أسا ؟

فأجابه الإسفراييني : إن كان منعك ما هو لك فقد أسا، وإن منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء ..فانقطع عبد الجبار ...

و ناظر يهوديا مسلما في مجلس المرتضى:

فقال اليهودي : إيش أقول في قوم سماهم الله مدبرين ؟ (يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم حنين)

فقال المسلم : فإذا كان موسى أدبر منهم ؟!

قال اليهودي : كيف ؟؟؟

قال المسلم : لأن الله تعالى قال في موسى "فولى مدبرا ولم يعقّب" وهؤلاء ما قال فيهم : ولم يعقبوا ..فانقطع اليهودي ...

ثمرة المناظرة الصحيحة

1. هداية الضالين إلى صراط رب العالمين.

ذكر عن بعض السلف قال : لإن أرد رجلاً عن رأي سيئ أحب إليَّ من اعتكاف شهر .

2. انتشار المنهج كما حدث مع الامام بن حزم الظاهرى و نشره لمذهبه في ربوع الاندلس بالمناظرات

3. رجوع المخالف كما حدث مع الامام بن عباس و الخوارج.

4. إثراء البحث العلمي.

5. كشف الحق.

يقول الحافظ الذهبي : ( إنما وضعت المناظرة لكشف الحقِّ ، وإفادةِ العالِم الأذكى العلمَ لمن دونه ، وتنبيهِ الأغفلَ الأضعفَ ).

6. تعلم العلم .

قال عمر ابن عبد العزيز " ما رأيت رجلا لاح الرجال إلا أخذ بجوامع الكلم". وقيل لإبن عباس رضي الله عنه "بما نلت العلم؟"، قال: "بقلب عقول ولسان سئـُول". ولذلك قالوا " لا يطلب العلم رجلان: مستحٍ ومستكبر، فالمستحي يمنعه حياءه أن يسأل والمستكبـر يمنعه الكبر أن يسأل".

7. قال الإمام المزني ـ رحمه الله ـ :«لا تعدو المناظرة إحدى ثلاث: إما تثبيت لما يديه، أو انتقال من خطأ كان عليه، أو ارتياب فلا يقدم من الدين على شك. قال: وكيف ينكر المناظرة من لم ينظر فيما به يردها؟»

9-نماذج من الحضارة الإسلاميَّة عن الجدل والمناظرة.

نماذج من مناظرات الصحابة والتابعين

أ ) مناظرة عبد الله بن عباس رضي الله مع الحرورية: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: " لما خَرجَتِ الحَروريَّةُ اجتَمعوا في دارٍ وهُم ستَّةُ آلافٍ أتيتُ عليًّا فقلتُ: يا أميرَ المؤمِنين ابرِد بالظُّهرِ لعَلِّي آتي هؤلاءِ القَومِ فأكلِّمَهُم قال: إنِّي أخافُ عليكَ قلتُ: كلَّا قالَ ابنُ عبَّاسٍ: فخرجتُ إليهِم ولبِستُ أحسَنَ ما يكونُ مِن حُلَلِ اليَمنِ قال أبو زُمَيلٌ: كان ابنُ عبَّاسٍ جَميلًا جَهيرًا قال ابنُ عبَّاسٍ: فأتيتُهم وهُم مُجتَمِعون في دارِهم قائلونَ فسلَّمتُ عليهِم فقالوا: مرحبًا بكَ يا ابنَ عبَّاسٍ فَما هذِهِ الحله؟ قالَ قُلتُ: ما تَعيبونَ عليَّ لقَد رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم في أحسَنِ ما يكونُ مِنَ الحُلَلِ ونزلَت: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قالوا: فما جاءَ بكَ؟ قلتُ: أتيتُكُم من عندِ صحَابَةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنَ المهاجِرينَ والأنصارِ لأبلِغَكُم ما يقولونَ المخبِرونَ بما يَقولونَ فعَليهِم نزلَ القُرآنُ وهُم أعلَمُ بالوَحيِ منكُم وفيهِم أُنزِلَ ( ولَيسَ فيكُم منهُم أحَدٌ ) فقال بعضُهم: لا تُخاصِموا قريشًا فإنَّ اللهَ يقولُ: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ قال ابنُ عبَّاسٍ: وأتيت قوما قط أشد اجتِهادًا منهُم مُسهِمَةٌ وجوهُهُم من السَّهَرِ كأنَّ أيديهِم وركبَهُم تُثني علَيهِم فمَضى مَن حضَر فقالَ بعضُهم لنُكلِّمنَّهُ ولننظُرَنَّ ما يقولُ قلتُ: أخبِروني ماذا نقِمتُم علَى ابنِ عمِّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وصِهرِهِ والمهاجرينَ والأنصارِ؟ قالوا: ثلاثًا قلتُ: ما هنَّ؟ قالوا: أمَّا إحداهُنَّ فإنَّهُ حَكَّم الرِّجالَ في أمرِ اللهِ وقالَ اللهُ تعالى إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ وما للرِّجالِ وما للحُكمِ فقُلتُ هذهِ واحدَةٌ قالوا: وأمَّا الأُخرى فإنَّهُ قاتَلَ ولم يَسبِ ولم يغنَمْ فلئِن كان الَّذي قاتلَ كفَّارًا لقد حلَّ سبيُهُم وغنيمتُهم ولئن كانوا مؤمنين ما حلَّ قتالُهم قُلتُ: هذه اثنتانِ فما الثَّالثةُ؟ قال: إنه مَحا نفسَهُ مِن أميرِ المؤمنينَ فهو أميرُ الكافرينَ قلتُ أعندَكُم سِوى هذا؟ قالوا: حَسبُنا هذَا فقُلتُ لهم: أرأيتُم إن قرأتُ عليكُم مِن كتابِ اللهِ ومِن سنَّةِ نبيَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ما يُرَدَّ به قولُكُم أتَرضَون؟ قالوا: نعَم فقلت: أمَّا قولكُم حكَّم الرجالَ في أمرِ اللهِ فأنا أتلو عليكُم ما قَد رُدَّ حُكمُهُ إلى الرِّجالِ في ثَمنِ رُبعِ دِرهَم في أرنَبٍ ونحوِها مِنَ الصَّيدِ فقالَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إلى قوله: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فنشَدتكُمُ اللهَ أَحُكمُ الرِّجالِ في أرنَبٍ ونحوِها من الصَّيدِ أفضلُ أم حكمُهم في دمائهِم وصلاحِ ذاتِ بينِهم؟ وأن تعلَموا أنَّ اللهَ لو شاءَ لحكَمَ ولم يُصيِّرْ ذلكَ إلى الرِّجالِ وفي المرأةِ وزوجِها قال اللهُ عزَّ وجلَّ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فجعلَ اللهُ حُكمَ الرِّجالِ سنَّةً مأمونَةً أخرَجتُ عَن هذِهِ قالوا: نعَم قال: وأما قولُكُم قاتَلَ ولم يَسبِ ولم يغنَم أتَسْبُونَ أمَّكمْ عائشَةَ ثم يستحلُّونَ منها ما يُستَحَلُّ مِن غيرِها فلئن فعَلتُم لقَد كفرتُم وهي أمُّكُم ولئن قلتُم ليسَت أمَّنا لقَد كفرتُم فإن كفرتُم فإنَّ اللهَ يقولُ: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ فأنتُم تَدورونَ بين ضَلالتَينِ أيُّهما صِرتُم إليها صرتُم إلى ضلالَةٍ فنظَرَ بعضُهم إلى بعضٍ قلتُ: أخرَجتُ مِن هذِهِ؟ قالوا: نعَم وأما قولُكُم: محَا اسمَهُ مِن أميرِ المؤمنينَ فأنا أتيكُم بمن ترضَونَ ورأيكم قد سمعتُم أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ يومَ الحديبيةِ كاتَبَ سهيلَ بنَ عمرٍو وأبا سُفيانَ بنَ حربٍ فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ لأميرِ المؤمنينَ: اكتُبْ يا علِيُّ هذا ما اصطَلح عليهِ مُحمَّدٌ رسولُ اللهِ فقالَ المشركونَ: لا واللَّهِ ما نَعلَمُ أنَّكَ رسولُ اللهِ لو نَعلَمُ أنَّكَ رسولُ اللهِ ما قاتَلناكَ: فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: اللهُمَّ إنَّكَ تعلَمُ أنِّي رسولُ اللهِ اكتُبْ يا عليُّ هذا ما اصطَلحَ عليه مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ فو اللَّهِ لَرسولُ اللهِ خيرٌ من عليٍّ وما أخرجَهُ من النبوَّةِ حينَ محَا نفسَهُ قال عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ: فرجع مِن القَومِ ألفانِ وقُتِلَ سائرهُمْ علَى ضلالَةٍ " ( رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم ).

 • الحرورية فرقة اٍسلامية ظهرت واشتد أمرها في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه. سموا الحرورية نسبة إلى بلدة حروراء في الكوفة وكانت مركز خروجهم، على الإمام علي رضي الله عنه.

 ب ) مناظرة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع أحد اليهود: جاء في كتاب " عيون المناظرات " لأبي علي السكوني " رحمه الله: قال يهودي لعلي رضي الله عنه: " ما نفضتم أيديكم من تراب نبيكم حتى قلتم " منا أمير ومنكم أمير".

فقال له علي: ما جفت أقدامكم من (فلق) البحر حتى قلتم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة.

فانقطع اليهودي ولم يجد جوابا لأن " منا أمير ومنكم أمير" ليس فيه ما يهدم الدين وإنما الطامة العظمى ما أتى به اليهود من الكفر إذ عبدوا العجل بإثر ذلك.

 ج ) مناظرة الإمام أحمد والمعتزلة في حضور المعتصم لقولهم بأن القرآن مخلوق: قال السجزي رحمه الله: " أتيت إلى باب المعتصم وإذا الناس قد ازدحموا على بابه كيوم العيد، فدخلت الدار، فرأيت بساطاً مبسوطاً وكرسياً مطروحاً، فوقفت بإزاء الكرسي، فبينما أنا قائم فإذا المعتصم قد أقبل، فجلس على الكرسي، ونزع نعله من رجله، ووضع رجلاً على رجل، ثم قال: يحضر أحمد بن حنبل؛ فأحضر، فلما وقف بين يديه وسلم عليه قال له: يا أحمد تكلم ولا تخف فقال أحمد: والله يا أمير المؤمنين لقد دخلت عليك وما في قلبي مثقال حبة من الفزع فقال له المعتصم: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلام الله، قديم غير مخلوق، قال الله عز وجل: " وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ " فقال له: عندك حجة غير هذا؟ فقال أحمد: نعم يا أمير المؤمنين، قول الله عز وجل: " ﴿ يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ "، ولم يقل: يس والقرآن المخلوق فقال المعتصم: احبسوه فحبس وتفرق الناس، فلما أصبحتُ قصدتُ الباب، فأدخل الناس فأدخلت معهم، فأقبل المعتصم وجلس على كرسيه، فقال: هاتوا أحمد بن حنبل؛ فجيء به، فلما أن وقف بين يديه قال له المعتصم: كيف كنت يا أحمد في محبسك البارحة؟ فقال: بخير والحمد لله، إلا أني رأيت يا أمير المؤمنين في محبسك أمراً عجباً قال له: وما رأيت؟ قال: قمتُ في نصف الليل فتوضأت للصلاة، وصليت ركعتين، فقرأت في ركعة "الحمد لله"، و" قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ "، وفي الثانية "الحمد لله" و" قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ "، ثم جلست وتشهدت وسلمت، ثم قمت فكبرت وقرأت "الحمد لله" وأردت أن أقرأ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ "، فلم أقدر، ثم اجتهدت أن أقرأ غير ذلك من القرآن فلم أقدر، فمددت عيني في زاوية السجن، فإذا القرآن مُسجَّى ميتاً، فغسلته وكفنته وصليت عليه ودفنته ! فقال له: ويلك يا أحمد، والقرآن يموت؟ فقال له أحمد: فأنت كذا تقول إنه مخلوق، وكل مخلوق يموت فقال المعتصم: قهرنا أحمد، قهرنا أحمد ".

  د ) مناظرة أبو حنيفة النعمان مع بعض الملاحدةيذكر أنه اجتمع طائفة من الملاحدة بأبي حنيفة-- فقالوا ما الدلالة على وجود الصانع؟ فقال: دعوني فخاطري مشغول بأمر غريب. قالوا: ما هو؟ قال: بلغني أن في دجلة سفينة عظيمة مملوءة من أصناف الأمتعة العجيبة وهي ذاهبة وراجعه من غير أن يحركها أحد ولا يقودها أحد. قالوا: أمجنون أنت؟! قال: وما ذاك؟ قالوا: إن هذا لا يصدقه عاقل !! فقال لهم: فكيف صدقت عقولكم أن هذا العالم بما فيه من الأنواع والأصناف والحوادث العجيبة، وهذا الفلك الدوار السيار يجري ويحدث هذه الحوادث من غير محدث، وتتحرك هذه المتحركات بغير محرك؟ فرجعوا إلى أنفسهم بالملامة.

 هـ ) مناظرة علي بن وافد لأحد النصارى في مجلس هارون الرشيدجاء في كتاب " عيون المناظرات " لأبي علي السكوني " رحمه الله: روي أن هارون الرشيد كان له علج طبيب، له فطنة وأدب، فود الرشيد أن لو أسلم فقال له يوما: " ما يمنعك عن الإسلام؟ " فقال: آية في كتابكم حجة على ما أَنْتَحِلُه ". قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى عن عيسى " وروح منه " ( النساء 171) وهو الذي نحن عليه. فعظم ذلك على الرشيد وجمع له العلماء فلم يحضرهم جواب ذلك حتى ورد قوم من خراسان فيهم علي بن وافد من أهل علم القرآن، فأخبره الرشيد بالمسألة فاستعجم عليه الجواب ثم خلا بنفسه وقال " ما أجد المطلوب إلا في كتاب الله ". فابتدأ القرآن من أوله وقرأ حتى بلغ سورة الجاثية إلى قوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: 13]. فخرج إلى الرشيد وأحضر العلج فقرأها عليه وقال له: إن كان قوله تعالى " روح منه " يوجب أن يكون عيسى بعضا منه تعالى وجب ذلك في السموات والأرض. فانقطع النصراني ولم يجد جوابا، فأسلم النصراني وسر الرشيد بذلك وأجزل صلة ابن وافد. فلما رجع ابن وافد إلى بلده صنف كتاب النظائر في القرآن.

وهناك العديد والعديد من المناظرات على مر العصور صال فيها دعاة الحق وجالوا وفندوا مزاعم دعاة الباطل وأساطينهم. ومن المشاهير في هذا المجال ( الامام بن تيميه - الامام بن حزم - الشيخ رحمت الله الهندي - الشيخ أحمد ديدات............ وغيرهم ).

 قال العلامة الشاطبي في الإفادات والإنشادات ص156:

وقع يوما بيني وبين بعض من يتعاطى النظر في العلم من اليهود كلام في بعض المسائل إلى أن أنجز الكلام إلى عيسى عليه السلام، فأخذ ينكر خلقه من غير أب ، ويقول: وهل يكون شيء من غير مادة ؟ فقلت له بديهة: فيلزمك إذا أن يكون العالم مخلوقا من مادة ، وأنتم معشر اليهود لا تقولون بذلك ، فأحد الأمرين لازم إما صحة خلق عيسى من غير أب ، وإما بطلان خلق العالم من غير مادة . (فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين).

كتب الشاه اسماعيل الصفوي الرافضي للسلطان بايزيد العثماني :

نحن أناس قد غدا طبعنا **** حب علي بن أبي طالب

يعيبنا الناس على حبه **** فلعنة الله على العائب

فأجابه السلطان :

ما عيبكم هذا ولكنه **** بغض الذي لقب بالصاحب

وكذبكم عنه وعن بنته **** فلعنة الله على الكاذب

10- توظيفاته في عالمنا المعاصر في مجالات التواصل الحضاري.

إن الإسلام دينٌ مفتوحُ النوافذ على النور والخير، وإن حقائقه واضحة، ومعقولة، وصريحة، وهادية، وإنسانية، وعالمية، وخالدة.

ولهذا؛ فإن الإسلام وإن الدعاة المسلمين ليرحبون بكل حوار هادئ هادفٍ يُدعى إليه، أو يقوم بينهم وبين من عداهم من أهل سائر الملل والنحل.

إن الدعاة المسلمين يعتبرونها فرصة سانحة لعرض دعوتهم على القلوب والعقول والضمائر، وهم يعتقدون اعتقادًا صادقًا أن دعوتهم حينما تُصادف آذانًا واعية، وقلوبًا مخلصة، وعقولاً فاهمة... فإنها ستجد القَبول والإيمان والإذعان! وهذا ما حدث ويحدث في هذا الزمان، وفي كل زمان.

لقاءات فكريَّة هنا وهناك؛ في الشرق والغرب، في الماضي والحاضر، تبدأ في جوٍّ من الغموض والشكوك والتوجس يحيط برؤوس الذين لا يعرفون الإسلام ولا يفقهونه، ثم تنتهي بالإيمان والتقدير والإعجاب بعد أن يزولَ الضباب، وتمحى الجهالات، ويظهر الحق لكل ذي عينين.

إننا ندعو بني الإنسان حيث كانوا من أرض الله أن يُقيموا جسورًا للتفاهم بينهم وبين العقيدة الإسلامية الصحيحة، وعلى كل صاحب ملَّة ونِحلة ألا يخاف ولا يجبُن؛ فإنه في نهاية (اللقاءات العلميَّة المخلصة) لن يصحَّ إلا الصحيح.

••••

كثيرةٌ هي اللقاءات بين الإسلام والنصرانية؛ فكم من لقاءاتٍ تمت في الماضي! وكم من اللِّقاءات يُنتظر أن تتمَّ في المستقبل! ومن لقاءات الماضي نذكُر بعضًا منها، مكتفين بما حدَث في الماضي القريب.

أفي شهر رجب سنة 1270 هـ - أي: منذ حوالي 130 عامًا - عُقدت مناظرة في مدينة كلكتا بالهند بين نفر من علماء المسلمين ومبشِّري النصرانية الذين درَجوا على الطعن في الإسلام، واستدراج الجهَلة من عوامِّ الناس.

وتحدَّدت لها موضوعاتٌ خمسة؛ هي:

1) التحريف.

2) والنَّسخ.

3) والتَّثليث.

4) وحقيقة القرآن.

5) ونبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم.

 وقد استطاع علماء المسلمين - بتوفيق من الله - إظهارَ الحقِّ بمجرد مناقشة الموضوعين الأوَّلين؛ وهما: التحريف، والنسخ.

وآنذاك لم يملك مناظروهم من علماء النصارى سوى الانسحاب؛ اعترافًا بإخفاقهم، وقد شاع خبر هذه المناظرة في العالم الإسلاميِّ الذي كان أغلبه يئنُّ آنذاك تحت سطوة حكم الدول النصرانية، وطلب كثيرٌ من المسلمين الاطِّلاع على ما دار في تلك المناظرة؛ مما دعا شيخ علماء المسلمين فيها، وهو رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي، إلى إصدار كتابه النفيس (إظهار الحق)، الذي لا يزال مرجعًا فريدًا في مجال المناظرة بين المسلمين والنصارى.

 ببناءً على الرغبة التي أبداها بعض كبار رجال القانون والفكر في أوربَّا عن طريق السفارة السعودية في باريس، للاجتماع بالعلماء في المملكة العربية السعودية؛ للتعمق في مفاهيم حقوق الإنسان في الإسلام - فقد نظَّمت وزارة العدل السعودية ثلاث ندوات لهذا الغرض في الرياض، ابتداء من يوم الأربعاء 7 من صفر سنة 1392 هـ، الموافق 22 من مارس 1972 م.

وعلى إثر ذلك تعاقبَ خطباء الوفد الأوربي، وفي مقدمتهم السيد الأستاذ (ماك برايد) الأستاذ في جامعة دبلن، ووزير خارجية أيرلندا السابق، والرئيس السابق لاتحاد المجلس الأوربي، والسكرتير العام سابقًا في اللجنة التشريعية الدولية، فقال: "مِن هنا ومن هذا البلد الإسلاميِّ يجب أن تُعلَن حقوق الإنسان، لا من غيره من البُلدان، وإنه يجب على العلماء المسلمين أن يعلنوا هذه الحقائقَ المجهولةَ على الرأي العامِّ العالمي - والتي كان الجهل بها سببًا لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين والحكم الإسلامي - عن طريق إعلاء الإسلام والمسلمين".

 جفي يونيه سنة 1976 م، عُقد في جنيف بسويسرا مؤتمر بين المسلمين والنصارى، دعا إليه مجلسُ الكنائس العالمي حول موضوع: (نظرة الأديان السماويَّة إلى الإنسان وإلى تطلعه نحو السلام)، وفي ذلك المؤتمر أبدى مجلس الكنائس العالميُّ أسفه الشديد؛ لأن الواقع أثبت أن إرساليات التبشير النصرانيةَ في ديار المسلمين قد تسبَّبت في إفساد الروابط بين المسلمين والنصارى، كما اعترف بأن تلك الإرساليَّات كان طابع نشاطاتها في خدمة الدول الأوربية المستعمرة، وأنها كانت تستخدم التعليم وسيلة لإفساد عقائد المسلمين، وقد تعهَّد الجانب النصراني في هذا المؤتمر بإيقاف جميع الخدمات التعليمية والصحية التي تُستخدم لتنصير المسلمين.

 دفي عام 1979م، عُقد في قرطبة بإسبانيا المؤتمر الثاني للمناظرة بين المسلمين والنصارى، وقد ألقى كلمةَ الافتتاح (الكاردينال ترانكون) رئيس أساقفة إسبانيا، فكان مما قاله:

"إني كأسقُفٍّ أود أن أنصح المؤمنين المسيحيين بنسيان الماضي، كما يريد المجمع البابوي منهم، وأن يُعربوا عن احترامهم لنبيِّ الإسلام.إن هذا شيء هام جدًّا بالنسبة للمسيحي؛ إذ كيف يستطيع أن يقدِّر الإسلام والمسلمين دون تقدير نبيهم والقيم التي بثَّها ولا يزال يبثها في حياة أتباعه؟!

لن أحاول هنا تَعدادَ قيم نبيِّ الإسلام الرئيسيَّة؛ الدينية منها والإنسانية، فليست هذه مهمتي، وسوف يلقيها عليكم المختصون واللاهوتيون المسيحيون بالمؤتمر، غير أني أريد أن أبرز جانبين إيجابيين - ضمن جوانب أخرى عديدة - وهما: إيمانه بتوحيد الله، وانشغاله بالعدالة".

وفي ذلك المؤتمر ألقى الدكتور (يبحيل كروث) بحثًا عن (الجذور الاجتماعية والسياسية للصورة المزيفة التي كونتها المسيحية عن النبي محمد)، وقد جاء فيه قولُه:

"لا يوجد صاحب دعوة تعرَّض للتجريح والإهانة ظلمًا على مدى التاريخ مثل محمد... ولقد سبق لي أن أكَّدتُّ في مناسبة سابقة - وأظن أنني قد قررتُ ذلك عدة مرات - الاستحالةَ، من الوجهة التاريخية والنفسية، لفكرة النبي المزيف التي تُنسب لمحمد؛ ما لم نرفضها بالنسبة لإبراهيم وموسى وأصحاب النبوات الأخرى من العبرانيين، الذين اعتُبروا أنبياء.

إنه لم يحدث أن قال نبيٌّ منهم بصورة بينة وقاطعة: إنَّ عالم النبوة قد أُغلق... وفيما يتعلَّق بالشعب اليهودي فإنَّ عالم النبوة ما يزال مفتوحًا، ما داموا ينتظرون المسيح المخلِّص.

أما فيما يتعلق بالحركة المسيحية، فإنه لا يوجد أي تأكيد قطعي يدلُّ على انتهاء عالم النبوَّة".

 هـثم كان لقاء الخرطوم؛ لقاء العائدين إلى الله بعد أن بحثوا عن الحق زمنًا طويلاً، وساروا في سراديب ودهاليز لا أول لها ولا آخر.

لعل فيه درسًا للمبشرين بالكفِّ عن إفساد عقائد المسلمين؛ فإن الحق دائمًا غلاَّب.

11- آفاقه المستقبليَّة.

قال الإمام أبو حامد الغزالي - رحمه الله - في شروط المناظرة: " أن يكون كل طرف من طرفي المناظرة في طلب الحق كناشد ضالة، لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه، فهو يرى في رفيقه معيناً وساعداً في الوصول للحق لا خصماً، فلذلك يشكره إذا نبهه لموضع الخطأ، وأظهر له الحق، كما لو سلك طريقاً خطأ في طلب ضالته، فنبهه صاحبه إلى أن ضالته سلكت الطريق الآخر فإنه يسر به ويشكره.. ثم قال:.. واعلم أن المناظرة لقصد الغلبة والتظاهر بالعلم والفضل والتشدق عند الناس وقصد المباهاة هي: منشأ جميع الأخلاق المذمومة عند الله، المحمودة عند عدو الله إبليس، ونسبتها للفواحش من الكبر والعجب والحسد وحب الجاه وغير ذلك كنسب شرب الخمر للفواحش الظاهرة من الزنا، والقتل والسرقة ".

 5- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان ولا حصل بكلامه شفاء الصدور والطمأنينة في النفوس ولا أفاد كلامه العلم واليقين ".

 • وقال في " مجموع الفتاوى " أيضاً: ".. وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: " ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [ النساء 59 ]. وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية، مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين... ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة ".

 ويقول أيضاً: " فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين ".

 6- يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله - في كتاب " زاد المعاد " ومنها جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته في إسلام من يرجى إسلامه منهم، وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة، فليول ذلك إلى أهله، وليخل بين المطية وحاديها، والقوس وباريها ".