-البويرة-
-كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية-
-قسم الشريعة -
ملخص دروس أصول الاستدلال في العقيدة الإسلامية
ماستر1 مقارنة الأديان
الدكتورة أنيسة زغدود
السنة الجامعية: 2020/2021م الموافق لـ 1441/1442ه
الدرس رقم 01
تعريفات
تمهيد: لم يفرد السلف الأوائل مؤلفات خاصة في قواعد الاستدلال على مسائل الاعتقاد، بل اكتفوا بما ورد في ثنايا كتب العقائد من تقعيدات وتأصيل، ومناظرات ورد للشبه والأباطيل.و تظهر أهمية العناية بأصول الاستدلال العقدي في ربط طلاب العلم بالقرآن والسنة وضرورة العودة إليهما في جميع شؤون الحياة.
-تعريف أصول: فأصول جمع أصل وهو ما يبنى عليه غيرُه؛ كأساس البيت، ويأتي بمعنى الدليل، نقول: أصل تحريم الخمر قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ المائدة: 90.
وفي الموسوعة الفقهية: كثيرا ما يضاف لفظ الأصول إلى أسماء العلوم، ويراد به - حينئذ - القواعد العامة التي يتبعها أصحاب ذلك العلم في دراسته، والتي تحكم طرق البحث والاستنباط في ذلك العلم، وقد تكون تلك الأصول علما مستقلا. فمن ذلك أصول التفسير، وأصول الحديث، وأصول الفقه.
تعريف الاستدلال:
عرفه التهانوي قائلا:" الاستدلال في اللغة طلب
الدليل" .والدليل في
اللغة هو:" المرشد إلى المطلوب".
يقال استدل فلان على الشيء: طلب دلالة عليه، واستدل
بالشيء على الشيء: اتخذه دليلا عليه، واستدل على الأمر بكذا: وجد فيه ما يرشده
إليه.
وإذا كانت الدلالة في اللغة تعني الإرشاد والدليل هو ما يرشد ويوصل إلى المطلوب، فالاستدلال هو طلب الإرشاد والاهتداء إلى المطلوب.
وعرفه الباقلاني بقوله:" فأما الاستدلال فقد
يقع على النظر في الدليل والتأمل، المطلوب به العلم بحقيقة المنظور فيه. وقد يقع
أيضا على المساءلة عن الدليل والمطالبة به ".
- تعريف العقيدة : أصل العقيدة في اللغة مأخوذ من الفعل عقد، نقول عقد البيع واليمين والعهد
أكّده ووثّقه. وعقد حكمه على شيء لزمه. ومنه الفعل اعتقد بمعنى صدّق. يقال اعتقد
فلان الأمر إذا صدّقه وعقد عليه قلبه أي آمن به. ويفهم من هذا أن العقيدة في اللغة
تأتي بمعنيين الأول: العقيدة بمعنى الاعتقاد، فهي التصديق والجزم دون شك،
أي الإيمان. الثاني: العقيدة بمعنى ما يجب الاعتقاد به. مثل الإيمان بالله
وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره و شره.
قال ابن تيمية: (إن أصول الدين إما أن
تكون مسائل يجب اعتقادها، ويجب أن تذكر قولاً، أو تعمل عملاً، كمسائل التوحيد
والصفات، والقدرة والنبوة والمعاد، أو دلائل هذه المسائل) ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/27).
أهمية الاستدلال في علم العقيدة :
-الاستدلال الصحيح يفضي إلى تصور عقدي صحيح والعكس صحيح .
- كما أن الاستدلال في العقائد واجب لأنه ليس للإنسان أن يعتقد شيئا دون دليل .
أغراض الاستدلال في العقائد:
- البرهنة على صحة المطلوب ( تقرير صحة الاعتقاد ).
- محاجة الخصم ودحض عقائده الباطلة .
- الابتعاد عن الهوى وإزالة الشك .
مصادر الاستدلال في العقيدة :
المصدر الأول : النقل و هو القرآن و السنة و الإجماع .
المصدر الثاني : العقل .
المصدر الأول : -القرآن : القرآن الكريم حجة على الناس كافة لأنه كلام الله عز وجل فنصوصه قطعية الثبوت بسبب نقلها بالتواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
-السنة : ما صدرعن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقريرو هي حجة ،ودلالة القرآن الكريم على حجية السنة من وجوه :الأول - قال الله تعالى : ﴿ مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾النساء :80، فجعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من طاعته .ثم قرن طاعته بطاعة رسوله ، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾النساء : 59
الثاني - حذر الله عز وجل من مخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتوعد من عصاه بالخلود في النار ، قال تعالى : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ النور: 63
الثالث - جعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من لوازم الإيمان ، ومخالفته من علامات النفاق ، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ النساء :65
الرابع :- أمر سبحانه وتعالى عباده بالاستجابة لله والرسول ، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ الأنفال :24
الخامس : - ثم أمرهم سبحانه برد ما تنازعوا فيه إليه ، وذلك عند الاختلاف ، قال تعالى : ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ النساء :59
الإجماع: وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها لقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(لا تجتمع أمتي على ضلالة) رواه الترمذي وغيره.والإجماع حجة على العصر الثاني ومن بعده وفي أي عصر كان من عصر الصحابة ومن بعدهم.لقوله تعالى : ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ النساء :115
المصدر الثاني :العقل عند المتكلمين وهو قولهم بوجوب النظر العقلي، وحكم إيمان المقلد، ومن اجتهد في البحث عن التوحيد ولم يصل إلى الحق، أو من لم تبلغه الدعوة أصلًا، ومسألة التحسين والتقبيح العقليين.
أنواع الأدلة
من حيث المادة
:نوعان، أدلة نقلية وأدلة عقلية.
ومن حيث الدلالة:
أي ما يؤول إليه الدليل من العلم ؛ فالدليل إما أن يكون مفيدا للعلم الجـازم
أو الظني. وهو نوعان، أدلة: أدلة قطعية، وأدلة ظنية
.
الأدلة القطعية :
هي آيات القرآن الكريم قطعية الدلالة، والأحاديث
المتواترة قطعية الدلالة .
والأدلة القطعية تفيد القطع والجزم واليقين، ويجب
أخذها في العقائد والأحكام الشرعية، ويكفر منكرها، سواء أكانت عقائد ، أم أحكاما
شرعية.
الأدلة الظنية : هي آيات القرآن
الكريم ظنية الدلالة،وأحاديث الآحاد الصحيحة والحسنة، سواء أكانت قطعية الدلالة،
أم ظنية الدلالة.
والأدلة الظنية تفيد غلبة الظن ، ولا تفيد القطع
والجزم ولا اليقين، ويجب أخذها في الأحكام الشرعية، لأن الأحكام الشرعية تؤخذ من
الأدلة القطعية ومن الأدلة الظنية، وتصدق العقائد التي جاءت بها الأدلة الظنية
بغلبة الظن ، ولكن لا يجب الجزم بها، ولا يجوز أن تعتقد، لأن الاعتقاد قطع وجزم،
وهي لا تفيد القطع ولا الجزم، ولكن لا يجوز تكذيبها، لأنه لو جاز تكذيبها لجاز
تكذيب جميع الأحكام الشرعية المأخوذة من الأدلة الظنية . ولم يقل بذلك أحد من المسلمين.
ومع عدم جواز تكذيبها فإن منكرها لا يكون كافرا، ولكن يكون آثما.
الدليل
العقلي : هو:"ما يتوقف على النظر والاستدلال" وأكثر من يستخدمه علماء الكلام في العقائد
،والعقائد أصول الدين وأدلة الأصول غير أدلة الفروع
( الفقه ) . ذلك أن أدلة الأصول هي أدلة إثبات، أما أدلة الفروع فهي أدلة على أن
الحكم موجود فيها.
فالمناظران ينصب كل منهما الدليل على مسألة معينة،
ولكن الفقيه يبحث عن الدلائل من جهة دلالتها على المسألة المعينة،ومن يقيم الدليل
على العقيدة إنما يقيم البرهان عليها فدليل الوحدانية هو البرهان على أن
الله واحد، ودليل وجود الله هو البرهان أن الله موجود، ودليل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هو البرهان على أن
محمد
صلى الله عليه وسلم نبي، وهكذا
فهو إقامة البرهان على المسألة المعينة، بخلاف من يقيم الدليل على الحكم
الشرعي،فإنه إنما يأتي بخطاب الشارع ليستدل به على أن الحكم المراد إقامة الدليل
عليه موجود فيها ليثبت أنه حكم شرعي، فهو دليل على وجود الحكم في النص. فدليل وجوب
الصلاة هو النص الذي تضمن الحكم .
أما الدليل العقلي فهو الذي يأتي به العقل من عنده إيجاداًو إنشاء كقولنا في الدلالة على حدوث العالم : العالم مؤلـف ،وكل مؤلف حادث ، فيلزم عنه العالم حادث.أو العالم متغير و كل متغير حادث إذن العالم حادث . يوصل إلى معرفة الأصول الكبرى للاعتقاد على وجه الإجمال كالإقرار بالخالق، ووجوب إفراده بالعبادة، والتأليه، وإثبات الكمال كما قد يدرك وجوب الجزاء الأخروي، والبعث بعد الموت إلا أن ذلك لا يدركه على سبيل التفصيل، إذ التفصيل وظيفة السمع وهي مما لا طاقة للعقل به.
خلاصة :
-الدارس لمناهج الاستدلال على العقائد عند الفرق الإسلامية، من أهل السُّنة والجماعة، والمعتزلة، والزيدية، والإمامية، والإباضية، يجد أنَّ مدار أصول الاستدلال على العقيدة عندهم يرجع إلى: الدليل السمعي ، والدليل العقلي ، كما يجد أنّ كلمتهم تكاد تتفق على أنّ أصول الاستدلال السمعية على العقائد، هي: الكتاب، والسنة، والإجماع.
-دلّت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والعقل، على وجوب يقينية العقائد وقطعيتها، ولا يصحُّ أن تكون ظنّيـَّةً
أو قابلة للخطأ والصواب.
-يجب أن يكون الدليل الذي يُحتج به على
العقيدة قطعيّاً يقينيّاً، من حيث حُجِّـيَّـته، ومن حيث دلالته، وإذا كان سمعياً،
فمن حيث طريق ثبوته ، ولا يصحُّ أن يكون دليل العقيدة ظنّيّاً فيه للشَّكّ مدخل.
- تتفق الفرق الإسلامية على أنَّ الخبر المتواتر، يفيد العلم اليقيني، أما خبر الآحاد فجمهور العلماء من جميع الفرق على أنَّه لايفيد إلا الظَّنّ، ولكنه قد يفيد اليقين إذا اعتضد بقرائن قطعية.
-اتفقت الفرق الإسلامية، على حُجِّـيَّة الدليل العقلي في العقائد من حيث الإجمال.
- لاتوجد علاقة تعارض بين الدليل العقلي والدليل السمعي، على التحقيق والواقع فلا يمكن أن يتعارض النقلُ الصحيح مع العقل الصريح.إلا على رأي المعتزلة ومن وافقها بالقول بالوجوب العقلي، وترتب الثواب والعقاب قبل وُرود السمع.
- طريق إثبات العقائد لابُدَّ فيه من مراعاة أمرين: الأول: إرشاد الوحي إلى طريق ثبوت المسألة، والثاني: واقع المسألة، فإذا كانت مما يقع تحت الإدراك، بحيث يمكن إجراء العملية العقلية فيه كاملة، جاز الخوض فيها بالعقل، وإلا فلا.
الدرس رقم 02
منهج القرآن في البرهنة على مـسائل العقيدة :
يستطيع من يتدبر آي القرآن الكريم أن يتبين أنه قد
تـضمن منهجا ً واضحا للبرهنة العقلية على
أمهات مسائل العقيدة، تلـك حقيقة يؤكدها جمهور علماء المسلمين، بل حكـى الـبعض
إجمـاع مفكري المسلمين من جميع الطوائف على تـضمن القـرآن لجميـع الأدلة التي
يحتاج إليها في إثبات مسائل العقيدة وأصولها. وأشهر المسالك التي سلكها القرآن
الكـريم في البرهنـة عـلى مـسائل العقيـدة، نوجزها فيما يلي:
-مسلك الأقيسة العقلية :
تعريف
القياس : القياس
لغة مصدر لقاس ؛ بمعنى : قدر الشيء بالشيء ؛ يقال : قاس الثّوب بالذراع إذا قدّره
به.
واصطلاحًا
يطلق على معنيين : أحدهما : قياس التّمثيل ؛ وهو حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما ؛ ويسمى القياس الفقهيّ ؛ لأنّ الفقهاء يحتجّون
به في إثبات الأحكام الشرعيّة .
والثّاني : قياس الشّمول ؛ وهو قول مؤلّف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر . و عني بِهِ أهل المنطق .
أما مُفادهما من يقين أو ظنّ فتبع لمادّة القياس لا لصورته ؛ فإن كانت المادّة يقينيّة أفاد اليقين وإلاّ أفاد الظنّ تمثيلاً كان أو شمولاً .
بيـان الأقيـسة العقليـة التي وردت في القرآن وهي :
-القياس الاقتراني( الحملي ):
وهو كما عرفه ابن سـينا" قـول
مؤلـف مـن أقـوال، إذا سلمت لزم عنها قول آخـر، بالذات اضـطرارا". وهو
استخلاص نتيجة من مقدمتين .
ومنـه قولـه تعـالى: ﴿ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ ص: 26مقـدمتان ونتيجـة: اتبـاع الهـوى يوجـب الـضلال،والضلال يوجب سوء العذاب، فأنتج أن اتباع الهـوى يوجـب سوء العذاب.و القياس هو : اتباع الهوى يضل عن سبيل الله ، الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ، إذن النتيجة : من يتبع الهوى له عذاب شديد .القياس حملي من الشكل الرابع( الحد الأوسط محمول موضوع ).
ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ
لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ الأنعام :76 فالقياس : الكوكب أفل، وربي ليس
بآفل، إذن النتيجة :فالكوكب لـيس بـربي. قياس اقتراني جلي من الشكل
الثـاني ( الحد الأوسط محمول محمول).
-القياس الاستثنائي ( الشرطي ):
وهذا النوع يختلف عن سابقه في أن أحد
الأمرين النتيجـة أو نقيضها يكون مصرحا به في المقدمات، ومن أمثلته في القرآن
الكريم قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا
مِنْ حَوْلِكَ﴾ آل عمران : 159 وقد شهد الحس والعيان على أنهم ما انفضوا من
حوله، فانتفى عنه صلى
الله عليه وسلم أنه كان فظا غلـيظ القلب.و
القياس شرطي متصل : ولوكنت فظا غليظ القلب انفضوا من حولك ، لكنك لست فضا غليظ
القلب، إذن النتيجة :لم ينفضوا من حولك .
-القياس المضمر:
هـو قياس يـصرح فيـه بالمقدمـة الـصغرى
فقـط. وتحـذف الكبرى مع وجود ما ينبئ عن المحـذوف.
ومما ورد
في القرآن من هذا النوع من الاستدلال قـول الله تعالى في إبطال قول النصارى أن
المسيح ابن الله لأنه خلـق مـن غير أب. ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى
عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ ﴾آل
عمران: 59
فهذا دليل واضح على بطـلان قـولهم، وهـو في الوقت
نفسه لم تذكر فيه سوى مقدمة واحدة: هي إثبات مماثلة آدم لعيسى وسياق الدليل هكذا:
إن آدم خلـق مـن غـير أب كعيسى، فلو كان عيسى ابنا بـسبب ذلـك لكـان آدم أولى،لكن
آدم ليس ابنا لله باعترافكم فعيسى ليس ابنا
لله أيضا.و القياس هو :
إن آدم خلق من تراب من غير أب و أم و هو ليس إلاها ، و عيسى خلق من تراب من غير أب
مثل آدم .إذن النتيجة :عيسى ليس إلاها مثل آدم.
-قياس الخلف:
وهو -كما عرفه ابن سينا- ذلك الاستدلال
"الـذي
تبـين فيه المطلوب من جهـة تكـذيب نقيـضه"
. و هو إثبات
القضية من خلال إبطال نقيضها .ويـسمى برهان التفنيد، وقد عـرف عند المتكلمين بدليل
التمانع.
وقد سلك القرآن الكريم هذا المسلك في الاستدلال
عـلى العديـد مـن مهـمات الـدين وأصـوله، ففـي الاسـتدلال عـلى وحدانية الله تعالى
جاء قوله سبحانه: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ
فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾الأنبياء :22
هذه الآية استدلال على المطلوب بإثبات كذب نقيضه ،فالمطلوب في الآية هو إثبات وحدانية االله عز وجل، ونقيضه هو تعدد الآلهة، وقد أثبت البرهان في الآيـة فساد هذا النقيض على أساس أنـه "لـو كـان للعـالم صـانعان" لكان لا يجرى تـدبيرهما عـلى نظـام، ولا يتـسق عـلى إحكـام ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما، وذلك لأنه لو أراد أحـدهما إحيــاء جــسم، وأراد الآخــر إماتتــه، فإمــا أن تنفــذ إرادتهــما فيتناقض، لاستحالة تجزئة الفعل إن فرض الاتفاق، أو لامتناع اجتماع الضدين إن فرض الاخـتلاف، وإمـا ألا تنفـذ إرادتهـما فيؤدي إلى عجزهما، أو لا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدي إلى عجزه،والإله لا يكون عاجزا.
وقوله سبحانه: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ المؤمنون :91
كذلك تقصد هذه الآية إلى إثبات الوحدانية، وقد أثبت
البرهان الذي تضمنته فساد التعـدد، وهـو نقـيض المطلـوب،فثبت المطلوب.و كما يقول
الزركشي : وهذه حجة عقلية، تقديرها أنه لو كان خالقان لاستبد كل منهما بخلقه، فكان
الذي يقدر عليه أحدهما لا يقدر عليه الآخـر، ويـؤدي إلى تنـاهي مقـدوراتهما، وذلك
يبطل الإلهية، فوجب أن يكون ً إلها ً واحدا.و نعبر عن وجه الدلالة هنا في صورة "قياس استثنائي" على النحو التالي:
لو كان فيهما آلهة إلا الله ( المقدم ) لفسدتا (
التالي )، ولكنهما لم تفسدا ( نفي التالي)و هو نفي النقيض و إبطاله والنتيجة :
إذن ليس مع الله آلهة غيره.( إثبات المقدم ) . وهـذا إثبـات التوحيـد،
وهـوالمطلوب.
قياس التمثيل: وهـو أن يقـيس المـستدل الأمـر
الـذي يدعيـه عـلى أمـر معروف، ويبين الجهة الجامعة بينهما، ومعناه أن
يوجد حكم في جزئي معين واحد فينتقل حكمه إلى جزئي آخر يشابهه بوجه ما.
وقد سلك القرآن الكريم في استدلاله هذا الطريق على أدق وجه أحكمه مقربا مـا بـين
الحقائق القرآنية والبداهة العقلية.
ومن ذلك قياس الإعادة للخلق يوم القيامـة عـلى
الخلـق الأول : ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾الأنبياء :104
﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾الأعراف : 29. ففي هذه الآيات احـتج القـرآن الكـريم على منكري الإعادة بابتداء الخلق. و نعبر عنه صورة قياس تمثيل :الله الذي قدر على الخلق الأول هو أيضا قادر على الخلق الثاني أي إعادة الخلق .ووجه الشبه بين الجزئي والجزئي هو قدرة الله وعلمه .
ومنه أيضا قياس الإعادة على إحياء الأرض بعـد موتهـا بـالمطر والنبـات : ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ الروم : 19.
ومنه قياس الإعادة على إخراج النار من الشجر الأخضر: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ﴾يس : 80. فبين أنـه أخـرج النار الحارة اليابسة من البارد الرطب، وذلك أبلـغ في المنافـاة، لأن اجــتماع الحــرارة والرطوبــة أيــسر مــن اجــتماع الحــرارة واليبوسة، إذ الرطوبة تقبل من الانفعال ما لا تقبله اليبوسة. فتكــون الحيــوان مــن العنــاصر أولى بالإمكان من تكون النار من الشجر الأخضر، فالقادر عـلى أن يخلق من الشجر الأخضر نارا أولى بالقدرة أن يخلق من التراب حيوانا.
الدرس رقم 03
- مسلك الاستدلال العقلي بالنظر في الملكوت:
هـو أحـد مـسالك البرهنة المشهورة في القرآن الكريم،
فهو يقوم على النظر والتفكر في الفعل المعجـز، والتـدبير
المحكـم الـذي يدل العقل ويقوده إلى الإقرار بالفاعل الحكيم، والخالق المدبر .
ويتفكر فيه من جانبين هما
:
1-جانب الإنسان وما يعرض له في حياته من
أحـوال، ومـايعتريه من أطوار في الخلق. فكل
عاقل يعرف من أحـوال نفسه أنه كان نطفة ثم علقة ثم مـضغة ثم لحما وعـصبا وعظاما
وآلات وحواس موافقة لمصالحه، وأنه بعد ذلـك تعاقبت عليه الأحوال من صغر وكـبر،
وضـعف وقـوة،وجهل وعقل، ومرض وصحة، وتـدبر ذلـك كلـه يـدل دلالة واضحة على وجود
الخالق سبحانه .
2-والجانب المشاهد لنا في هذا الكـون ومـا ينطـوي
عليـه ويكشف عنه من آثار القدرة والتـدبير، ففـي عالمنـا هـذا
نـرى أقـمارا وكواكـب وأفلاكـا دائـرة ونجومـا
سـائرة،ونلمس اختلاف الليل والنهار، والفـصول والأحـوال،
وتباين القمر بين حـرارة وبـرودة، مـع علمنـا
باسـتمداد القمر لنوره من الشمس، وهي دائما متوقدة، مـع أنهـا في
أرفع الأجواء الرطبة الباردة، وفيه كذلك ما نـشاهد
مـن سماء مرفوعة وأرض مبسوطة وجبال منصوبة ونعلـم أن
ذلك كله معلق في الفضاء محفوظ من السقوط.كل ذلك وغـيره ممـا كـشف العلـم
فيـه عـن تفاصـيل لاتحصى إذا تفكرت فيه العقول فإنه يدلها دون عناء على أن لهذه الآيات
خالقا ً قادرا ً ومدبرا ً حكيما.
ومن أمثلته في القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ البقرة : 164﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ. إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ. فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ الطارق : 5- 7﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ النحل :72. ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ﴾ النحل: 66 .
والأدلة العقلية القرآنيـة القائمـة عـلى أسـاس التفكـر في الملكوت تنحصر -فيما يرى ابن رشد- في طريقين أحدهما هـو ما أسماه دليل العناية والثاني: دليل الاختراع ( الخلق ).
-مسلك السبر والتقسيم
والـسبر والتقـسيم كـما عرفـه الجرجـاني
"هـو حـصرالأوصاف في الأصل، وإلغاء بعضها ليتعين الباقي للعلية، كـما يقال
علة حرمة الخمر إما الإسـكار، أو كونـه مـاء العنـب، أو مجموعهما، وقد بطل الأخيران
فتعين الإسكار للعلة " . ويستخدم هذا المـسلك للاسـتدلال عـلى إبطـال
دعـوى المعارض بحصر الأوصاف الممكنة لهذه الدعوى، ثم بيـان أنـه ليس في أحد هذه
الأوصاف وصفا يـسوغ قبولهـا فيـه، فتبطـل الدعوى بذلك.
ومن أمثلة هذا الاستدلال في القرآن قول الله تعالى : ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۖ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ الأنعام : 143- 144
وقد بين السيوطي وجه الاستدلال بقوله :[فإن الكفار لما حرموا ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى، رد تعالى ذلك عليهم بطريق السبر والتقسيم فقال: إن الخلق الله خلق من كـل زوج مما ذكر ذكرا وأنثى فمم جاء تحريم ما ذكـرتم؟ ومـا علتـه؟ لا يخلو إما أن يكون من جهة الذكورة أو الأنوثة أو اشتمال الرحم الشامل لهما، أو لا يدري له علة، وهو التعبدي، بأن أخذ ذلـك عن االله، والأخذ عن االله إما بوحي، أو إرسال رسول، أو سماع كلامه، ومشاهدة تلقي ذلـك عنـه. فهذه وجوه التحريمن لا تخـرج عـن وجـه منهـا. والأول يلزم عليه أن تكون جميع الذكورحراما، والثاني يلـزم عليـه أن تكون جميع الإناث حراما، والثالث يلزم عليه تحريم الـصنفينً معا. فبطل ما فعلوه من تحريم بعض في حالة وبعض في حالـة;لأن العلة على ما ذكر تقتضي إطلاق التحريم، والأخذ عـن االله بلا واسطة باطل، ولم يدعوه، وبواسطة رسول كذلك; لأنـه لم يأت إليهم رسول قبل النبي -صلى االله عليه وسلم- وإذا بطـل جميع ذلـك ثبـت المـدعى، وهـو أن مـا قـالوه افـتراء عـلى االله وضلال.]
-مسلك التسليم الجدلي للخصم
وأسـاس التـسليم هـو أن يفـرض المحـال: إمـا منفيـا أو مشروطا بحرف الامتناع ليكون المدعى ممتنع الوقـوع لامتنـاع وقوع شرطه، ثم يسلم وقوعه تسليما ً جدليا. مثل قوله تعالى: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ المؤمنون :91
فالاستدلال في الآية الكريمة يهدف إلى إثبـات وحدانيتـه تعالى وأنه ليس معه إله، ولو سلم جدلا أن مع الله تعالى إلهـا،لزم مع ذلك التسليم ذهاب كل إله من الاثنين بما خلق، وعلوابعضهم على بعض، ويترتب على ذلك أنه لا يتم في العالم أمـر،ولا ينفذ حكم، ولا تنـتظم أحوالـه، والواقـع خـلاف ذلـك،ففرض إلهين فصاعدا محال لما يلزم عنه من المحال.
-الاستفهام التقريري:
وهو الاستفهام عن المقدمات الجلية
الواضحة التي يمنـع جلاؤها ووضـوحها أن يجحـدها أحـد أو يـماري فيهـا. ومـن أمثلته
في القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ
مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾ يس :81 ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ
يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾الأحقاف: 33
وبهذا- وغيره في القرآن كثير- تـبرهن الآيات عـلى المعـاد بطريقة لا يمكن معارضتها "فإنه من المعلوم ببداهـة العقـول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك."
الدرس رقم 04
خصائص منهج القرآن :
أولاً: البراهين القرآنية تتميز بالسهولة والوضوح،والخلو من التعقيدات التي ينطوي عليها الاستدلال الكلامي .وقد أكد هذه الحقيقة علماء المـسلمين مـن مختلـف الفـرق والطوائف، ومنهم -عـلى سـبيل المثـال- مـن أئمـة الاعتـزال القاضي عبد الجبار الذي قال في المجلد الرابع من "المحيط" في النبوات في ذكر إعجاز القرآن ما لفظه: "واتفق فيـه القـرآن أيضا استنباط الأدلة التي توافق العقول، وموافقـة مـا تـضمنه لأحكام العقل على وجه يبهر ذوي العقول ويحـيرهم، فـإن الله سبحانه ينبه على المعاني التـي يـستخرجها المتكلمـون بمعانـاة وجهد بألفاظ سهلة قليلة تحتوي على معان كثيرة."
ويقرر الغزالي أن براهين القرآن هي براهين واضحة جلية تسبق إلى الأفهام "ببادئ الرأي مـن أول النظر، ويسهل فهمهـا، وإدراكهـا عـلى كافـة النـاس"، "فأدلـة القرآن مثل الغذاء ينتفع به كل إنـسان، وأدلـة المتكلمـين مثـل الدواء ينتفع به آحاد الناس، ويتضرر بـه الأكثـرون، بـل أدلـة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبي الرضـيع والرجـل القـوي،وســائر الأدلــة كالأطعمــة التــي ينتفــع بهــا الأقويــاء مــرة،ويمرضون بها أخرى ولا ينتفع بها الصبيان أصلا."
وإنما تميزت أدلة القرآن بالوضوح والجلاء لأنه -كما يقول الرازي -القرآن يسعى في تسليم العظمة والجـلال بالكليـة الله تعـالى.و قـرر الكنـدي أنـه لـيس لأدلـة القـرآن نظـير في الوجازة والبيان وقـرب الـسبيل، وذلـك هـو المعنـى الـذي أفاض ابن رشد في بيانه في كتابيه "فصل المقـال" و "الكـشف عن مناهج الأدلة".
ثانيا: أن البراهين القرآنية توافق الفطـرة، وتناسـب جميـع العقول،:فالقرآن الكريم هو كتاب دعوة وهدايـة، وهـو وحـي الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم لتبليغه لجميع البـشر في كـل مكان وزمان، ولما كانـت طبـائع النـاس متفاوتـة ومـشاربهم متباينة، وقدراتهم على النظر والتفكر مختلفة، وكان مـن النـاس بسبب هذا التفاوت من لا يقنعه إلا البرهان أو القيـاس التـام، ومنهم من لا يقنعه غير الجدل كأتباع المذاهب الذين يتعصبون لمذاهبهم ويجادلون عنها، ومنهم من ليسوا من هذين الصنفين،وهم الجمهور الأعظم من الناس، وهؤلاء أقرب في تفكـيرهم إلى الفطرة السليمة،لما كان الناس من حيث الطبائع والعقول عـلى هـذا التباين، وكان القرآن شريعة الله إلى الناس كافة، فإنه قد تضمن من البراهـين العقليـة، وأسـاليب الإقنـاع مـا يـصلح لجميـع العقول، ويناسب جميع الطبائع، فخاطب العقل، في قمة وعيـه وعلمه، وفي أدنى درجاته في البساطة، وخاطب القلب، وأثـار العاطفة والوجدان، واتجـه إلى الإنـسان في كليتـه، أو في كامـل كينونته، فـسلك معـه طـرق الإقنـاع العقـلي تـارة، والتوجيـه والإرشاد تارة ثانية، واستعمل طرق الجدل والإلزام تارة ثالثة، فكان بذلك موافقا للطباع المختلفة، والعقول المتباينة ، يجد فيه الكل غاياتهم. وبين ابن رشـد أن الأدلـة القرآنيـة بأنواعهـا تولـد التصديق اليقيني لـسائر النـاس، ومـن لم يتحـصل لديـه منهـا اليقين فهو أحد شخصين: إما جاحد معاند لهـا بلـسانه، وإمـا شخص لم يعرفها أو لم تقرر عنده، فـسبب عـدم التـصديق في الحالتين لا يرجع إلى طبيعة الأدلة.
ثالثا: من خصائص المنهج القرآني كذلك أن أدلته برهانية يقينية ومعنى أنها برهانيـة هـو أنهـا مبنيـة عـلى قواعـد البرهنـة العقلية السليمة، فمقدماتها صحيحة، ونتائجها بالتـالي يقينيـة،فليس هناك ما هو أوضح من دلالة الأثر على المـؤثر، والفعـل على الفاعل. وإنما وصف دليله بأنه برهاني يقينـي معناه أنه يجرى وفق قواعد العقـل الـسليم وفطرتـه ومنطقـه،ذلك العقل الذي هو خلق الله تعالى، وهو نعمته الكـبرى عـلى الإنسان، وبها تميز الإنسان على غيره من المخلوقات.
رابعا : إنَّ المنهج العقلي الذي يسلكه القرآن الكريم في بيان العقيدة وغرسها في النفوس يأتي متسقاً مع المنهج الفطري ومتكاملاً معه؛ ولذلك فإنَّ القرآن الكريم لم يكن مقصوراً على مجرد الخبر عن وجود الله تعالى ووحدانيته وسائر أركان العقيدة، وإنما أقام البراهين العقلية التي بها تُعْلَم العلوم الإلهيَّة؛ فكان منهجه ومنهج جميع الأنبياء عليهم السلام الجمع بين الأدلة العقلية والسمعية (الشرعية). و الأدلـة الـشرعية كما قـرر ابـن رشـد تجمـع بـين وصفين: أنها يقينية وأنها بـسيطة لا تركيـب فيهـا وفي ذلـك يقول:"وذلك أن الطرق الشرعية إذا تؤملت وجدت في الأكثـر قد جمعت بين وصفين: أحدهما أن تكـون يقينيـةن والثـاني: أن تكون بسيطة غير مركبة.أعني قليلة المقدمات، فتكون نتائجها قريبة من المقـدمات الأولى."
الدرس رقم 05
منهج المتكلمين في الاستدلال على مسائل العقيدة :
تعريف علم الكلام
عرَّفه عضد الدين الإيجي (ت 756 هـ) في
كتابـه "المواقف" بقوله:"هو علم يقتدر معه على إثبات العقائد
الدينيـة بإيراد الحجـج ودفـع الشبه."
2- وعرفه ابن خلدون (ت 808هـ) في مقدمته بقوله:"
هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعين
المنحرفين في الاعتقادات عن مذهب السلف وأهل السنة."
3- وعرفه الشريف الجرجاني (ت 816 هـ) في كتابه
"التعريفات" بأنه: "علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته وأحوال
الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام."
ويستفاد من هذه التعريفات أمور أربعة
1- أن علم الكلام يُعنى
بالدفاع عن عقائد الإسلام عموماً مقابل البدع والشبهات.
2- أنه يستخدم أسلوب المحاججة الكلامية، فقد يعتمد على
أدلة عقلية، وقد تكون أدلته نقلية.
3- أن وظيفته محددة في مجالي إثبات العقائد ونفي
الشبهات بالأدلة المشار إليها، وردِّ آراء المبتدعة.
4- أن المنهج المتبع في ذلك هو منهج الجدل على ما
تفيده كلمة المحاججة، وهو منهج قائم على إسكات الخصم وإفحامه.
موضوع علم الكلام
ويفهم من التعريفات أن
موضوعه الذي تدور حوله بحوثه كان في البداية مسائل محددة كالجبر والاختيار والقدر
وكلام الله تعالى ثم توسع فيما بعد ليشمل كل صفاته عز وجل، ثم شمل لاحقاً مجمل
العقائد الإسلامية.و التي تشمل
ثلاثة مباحث : الإلاهيات وما فيه من مسائل وجود الله وأسمائه وصفاته ومسائل
الإيمان والكفر والجبر و الاختيار والقدر .والنبوات وما فيها من مسائل النبوة
وطبيعة الوحي وعصمة الأنبياء ودلائل النبوة. والسمعيات أي الغبيات :البعث واليوم
الآخر و ما فيه من أحداث والجزاء . فموضوعه ما يعرف بأصول الدين وأركانه التي
ينتفي الإسلام بانتفائها أو بانتفاء واحد منها.
دارت بحوث المتكلمين حول عدة عناوين رئيسية، من
قبيل:
1- التوحيد وما يرتبط بذلك من الحديث عن الذات والصفات
الإلهية الذاتية والفعلية الثبوتية والسلبية وما يتفرع عنه من التجسيم والتنزيه.
2- خصوص صفة العدل الإلهي وما يرتبط بذلك من التحسين
والتقبيح العقليين.
3- خصوص صفة الكلام وما يترتب عليها من القول بخلق
القرآن وأزليته.
4- الإيمان والكفر وأسسهما.
5- النبوة وثبوتها بالمعجزة وما يرتبط بها من العصمة.
6 - الإمامة وما يتفرع عنها.
7- إثبات يوم القيامة.
وبما أن كل فرقة من الفرق الكلامية ترى أن الإسلام
يقوم على أسس معينة ثبتت عندها، فقد قامت بإدراج مجموعة عقائد ضمن ما يسمى بأصول
الدين. فمثلاً أصول الدين عند المعتزلة خمسة، هي: التوحيد والعدل والوعد والوعيد
والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وقد درج علماء الكلام الشيعة على عدها خمسة أصول
هي: التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد.
الغاية من هذا العلم
والغاية القصوى من علم الكلام هي الدفاع عن الدين
من الناحية الفكرية وحفظ العقيدة من شبهات أهل البدع والضلالة. فموضوع علم الكلام محدد سلفا إذ هو عند
أهله:" العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل
عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه من تلك العقائد." وأما
وظيفته فتتكشف باعتباره " يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة
العقلية." فهي وظيفة دفاعية عن العقائد الإيمانية تعتمد أساسا أدلة
العقل.
و قد تجلت مظاهر الدفاع عن العقيدة الإسلامية في جهود المعتزلة في القرون الأولى ،و على رأسهم إبراهيم بن سيار النظام ( 231ه) ، الذي تصدى للرد على مذهب انباذوقليس و على أرسطو وعلى القائلين بقدم حركة الكواكب و الثانوية .و كذلك أبو هذيل العلاف ( 135ه- 226ه) الذي تصدى للنصارى و اليهود و الفلاسفة . و كان ذلك في مواجهة " الأسلوب الفلسفي القائم على الأدلة العقلية التجريدية و قواعد المنطق الصوري الذي استعمله المسيحيون في شرح قضية الأقانيم و استعمله المجوس في شرحهم لمبدأ الأثنينية و الديانات الهندية كالبراهمة في إثبات عقيدتهم و إنكار النبوة."
و الشاهد على البعد الدفاعي لحماية العقائد عند الأشاعرة ما نسجله على سبيل المثال من ملاحظات على كتاب التمهيد للباقلاني حيث تتكرر عبارة:( فإن قال قائل... قلنا ) وكذلك الأبواب التي حررها الباقلاني بعناوين : الكلام على القائلين بفعل الطبائع ، الكلام على المنجمين ، الكلام على أهل التثنية ، الكلام على المجوس ، الكلام على النصارى...
طرق المنهج في علم الكلام :ضبط العلماء طرق منهج المتكلمين كما يلي :
1- طريقة القياس .2 – طريقة الاستقراء .3- طريقة الاستدلال على انتفاء المدلول لانتفاء دليل.4- طريقة الجدل .
الدرس رقم 06
قراءة موضوعية في علم الكلام :
عناصر القوّة: ونذكر على سبيل المثال - لا الحصر - نماذج أربعة هي:
أ ــ الدقّة والشموليّة في معالجة الأفكار، فالمتكلّم القديم عندما يشتغل بمسألةٍ كلامية نراه يتفحّصها تفحصاً دقيقاً ويعالجها معالجةً فاحصة، والتراث الكلامي المدوّن شاهدٌ ناطق عندنا اليوم على حجم الجهود التي بذلها المتكلّمون في دراساتهم المدوّنة إن في نفس المصنفات الكلامية أو في علم الأصول.وطريقة الفنقلة أو «إن قلتَ: قلتُ» واحدةٌ من أبرز الطرق الشاهدة على هذا الأمر.
ب ــ المواكبة الدائمة للمستجدات الفكرية في المجتمع الإسلامي، وهذه ميزةٌ مهمةٌ في علم الكلام. فلا تكاد تسمع بطرح أو كتاب أو نقد أو نظرية حتى ينبري المتكلّمون لتقييمها والردّ عليها أو تأييدها.
ج ــ اتسم علم الكلام بإجاباته الحاسمة والمطمئنة
لأنه كان يعمل في جو من الحرية الفكرية ، أشاعت الطمأنينة والاستقرار في نفوس
المناصرين للاتجاهات الكلامية. والمتكلم كان يفكّر من موقع الفعل والصنع
والإبداع؛ لأنه كان منتصراً من الناحية السياسية والعسكرية، والأهم من الناحية
الحضارية، ولذلك فلم يكن في تفكيره ملاحَقاً لا زماناً ولا واقعاً؛ أي لم يكن هناك
ما يفرض عليه العجلة في التوصّل إلى نتائجه أو يفرض عليه ــــ لضرورات الواقع ــــ
إنتاج فكرٍ معين.
د ــ أصالة علم الكلام لأنّ نشأته كانت بعوامل داخلية
منها الاختلاف حول الخلافة ، و الاختلاف في فهم بعض آيات القرآن الكريم مثل آيات
القدر و المشيئة .و بعدها ظهرت تأثيرات العوامل الخارجية بسبب الفتوحات الإسلامية
و الترجمة . و تتمثل
العوامل الخارجية التي ساهمت في إضفاء الصبغة العقلية على علم الكلام في أن المتكلمين كانوا في وسط فلسفي و أمام هجمات فلسفية من
أديان مختلفة و عقائد فلسفية متعددة ومذاهب شرقية منتشرة في البلاد التي فتحها
المسلمون.
عناصر الضعف: ويمكن ذكر ما يلي:
أ ــ النـزعة التجريدية : وهي إغراق علم الكلام في الصبغة العقلية شرحا و تعريفا و تحليلا و نقدا ، فأدّى ذلك إلى الانشغال بأمور ومسائل لا ترجع بالفائدة المتناسبة مع حجم الجهود المبذولة، كما أدّى ذلك إلى تولّد عقلٍ فرضيٍّ يحاكي الصور والاحتمالات من دون أن يلحظها وانعكاساتها في أفق الواقع، مما أحدث عزلةً نسبية للعقل الكلامي عن الواقع العملي؛ و بسبب هذه النزعة التجريدية صار علم الكلام صعبا على أهل الاختصاص و مستعصيا على عامة الناس بعيدا عن الواقع.
ب ــ النـزعة اليقينية حيث ساهم المنطق الأرسطي وغيره أيضاً فيها، فإنه وفق تصوره لليقين ووسائل الإثبات أيضاً ساهم في تكوين عقلٍ دوغمائي جزمي .إذ يعتقد المتكلمون أن أدلتهم برهانية تفيد اليقين . وهذه النـزعة الدوغمائية تلاحظ في المتون الكلامية سيما تلك التي ذات طابع مذهبي خالص.
ج ــ النـزعة المذهبية ونقصد بها الفرق الكلامية
معتزلة وأشاعرة وماتريدية وغيرهم، وما بينها من اختلاف وجدال .
ولو أن علماء الكلام ركزوا على الأصول العقدية
الجامعة لأبدعوا في وضع أصول الاستدلال على العقائد ومقاصد العقيدة و علم
الكلام المقارن و غيرها و لو انشغلوا بعالم الشهادة لأبدعوا في اكتشاف السنن في
الآفاق وفي الأنفس ، لأنه كانت لهم عقول ذكية وقادة كالباقلاني والجويني وغيرهما كما
يقول البشير الإبراهيمي .
د - اعتمادهم على المنطق الصوري ، فتاريخ علم الكلام يكشف عن اعتماده على المنطق الأرسطي منطقاً وحيداً وحَكَماً متفرّداً في الجدل العلمي، حيث قُدم هذا المنطق على أنه حقائق ثابتة عامة شاملة كلية ويقينية،
وهو أحد طرق الاستدلال وليس كلها ووجهت له كثير من الانتقادات، فكان عليهم الاهتمام بالمنهج التجريبي والاستقراء والمنهج الرياضي .
الخلاصة :تعرض المتكلمون لانتقادات كثيرة نذكر منها ما يلي :
1-سلكوا طريق القياس في مطالب الإلاهيات ( قياس الخالق بالمخلوق ) فلم يصلوا إلى اليقين فعطلوا الصفات أو نفوهاأو نفوا بعضها أو أولوها . فلا يصح أن يستدلّ على الخالق بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع ، ولا بقياس شمولي يستوي أفراده ؛ لأنّ الله لا مثل له ؛ فلا يجوز أن يمثّل بغيره ، ولا أن يدخل تحت قضيّته كليّة يستوي أفرادها .
وطريقة قياس الأولى المذكورة في القرآن هي الأصح .وقياس الأولى : هو أن يكون الغائب أولى بالحكم من الشّاهد.لقوله تعالى :﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾الشورى:11، فكلّ ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال المطلق فإنّ الخالق أولى به ، وكل ما تنزّه عنه المخلوق من صفات النّقص فإنّ الخالق أولى بالتنزّه عنه.
و ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ . وَإذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ . يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ . لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ النّحل : 57 – 60. فإذا كانت الأنوثة نقصًا وعيبًا لا يرضاه المشرك لنفسه ، ويكره أن يضاف إليه ، فإنّ الخالق أولى بالنزاهة عن الولد النّاقص المكروه ؛ لأنّ الله تعالى له المثل الأعلى المشتمل على كلّ كمال وللمشرك مثل السّوء المشتمل على كلّ نقص .
وقوله تعالى : ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ فصّلت : 15. فجعل ما في المخلوق من قوّة وشدّة يدلّ بطريق الأولى على قوّة الخالق وشدّته ؛ لأنّ الخالق أحقّ بالكمال من المخلوق.
2- فساد طريقة الاستدلال على انتفاء المدلول لانتفاء دليل.فقد يكون الدليل غير صحيح و المدلول صحيحا .و قد يكون العكس فساد المدلول و صحة الدليل .مثل استدلال النصراني على عقيدته في عيسى عليه السلام ( وهي باطلة فاسدة ) بقول الله تعالى (( وروح منه)) .و كذلك ما ادعاه وفد نجران لما عرض عليهم النبي صلى الله عليه و سلم الإسلام ، فرفضوا، وقالوا: كنا مسلمين قبلكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: "يَمْنَعُكُمْ مِنَ الإِسْلاَمِ ثَلاَثٌ: عِبَادَتُكُمُ الصَّلِيبَ، وَأَكْلِكُمْ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَزَعْمُكُمْ أَنَّ لِلِّهِ وَلَدًا." وكثر الجدال بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثر إلقاء الشبهات والردّ عليها، ووصلت المحاورة إلى طريق مسدود؛ ومن ثَمَّ دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة، ولكنهم رفضوا لعلمهم أنه نبي مرسل .وصالحَهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية.
3- و من أخطائهم أن مقدماتهم فيها اختلاف ، وعلى رأي أبي حامد الغزالي فإن المتكلمين "اعتمدوا على مقدمات تسلموها من خصومهم من أجل استخراج مناقضاتهم و مؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم،و تشوفوا إلى محاولة الذب عن السنة بالبحث عن حقائق الأمور ، فخاضوا في البحث عن الجوهر والأعراض و أحكامها."و عموما فقد ابتعدوا عن منهج القرآن في الاستدلال على العقائد و الرد على المخالفين ، و في إبطال العقائد الفاسدة .و قد وصف ابن رشد طرق المتكلمين بأنها لا برهانية تفيد اليقين ولا شرعية.
4- ومما يعاب عليهم التأويل في باب الصفات .فقد ينتهي إلى تعطيل الصفات( النفي ) مع اختلاف بينهم ومنها نفي رؤية الله تعالى يوم القيامة . والصواب قياس الأولى ؛ فإنّ الرؤية في ذاتها وجود محض فلا تستلزم أمرًا عدميًّا ، وشروط صحّتها أمور وجوديّة محضة ؛ وهي القيام بالنّفس ، وكون المرئي بجهة من الرائي ، وقوّة البصر . وآخر الشّروط منتف الآن ؛ ولهذا لا نراه سبحانه في الدّنيا ، وإذا كانت الرؤية وجودًا محضًا من كلّ جهةٍ فإنّ الله أحقّ بها من كلّ موجود ؛ لكمال وجوده .
انتهى بحمد الله تعالى و توفيقه
- Enseignant: ZEGHDOUD ANISSA