جامعة أكلي محند أولحاج البويرة
قسم الشريعة
ماستر 1مقارنة الأديان 2020/2021
المقياس :علم الجدل و المناظرة الأستاذة د: أنيسة زغدود
السداسي الثاني
مقدمة :
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجدله وليّا مرشدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله.
هذه دروس في علم الجدل و المناظرة للسداسي الثاني لطلبة ماستر 1 مقارنة الأديان .و بالله التوفيق.
مفردات المقياس : محتوى المادة:
1. مداخل اصطلاحيَّة.
2. أسماء علم الجدل والمناظرة.
3. حكمه.
4. أهدافه، وغاياته.
5. أشهر التصنيفات فيه.
6. مباحثه.
7. آداب الجدل والمناظرة.
8. ثمراته.
9. نماذج من الحضارة الإسلاميَّة عن الجدل والمناظرة.
10. توظيفاته في عالمنا المعاصر في مجالات التواصل الحضاري.
11. آفاقه المستقبليَّة.
المراجع:
طاش كبري زاده: رسالة الآداب في علم آداب البحث والمناظرة.
محمَّد الأمين الشنقيطي: آداب البحث والمناظرة.
أحمد مكي: تعليق على الرسالة الموضوعة في آداب البحث.
محمَّد الفرغلي الدجوي: الخلاصة الباهرة في آداب البحث والمناظرة.
هارون عبد الرزاق: فن آداب البحث والمناظرة.
أبو الوليد الباجي: المنهاج في ترتيب الحجاج.
حسين والي: الموجز في علم آداب البحث والمناظرة.
أبو مصطفى البغدادي: الواضح في علم المناظرة – شرح وتوضيح على متن طاش كبري زاده-.
مناظرة في الرد على النصارى لفخر الدين محمد بن عمر الرازي.
1. مداخل اصطلاحيَّة.
تمهيد : علم الجدل والمناظرة مقرر في القرآن على ما يشفي ويكفي لمن تبصره، ولكن تجريد هذا العلم بمصنفات مستقلة خاصة جاء متأخرا عن عصر النبوة والصحابة.
علم الجدل
تعريفه: هوعلم باحث عن الطرق التي يقتدر بها على إبرام
ونقض.
مبادئه: بعضها مبينة في علم النظر، وبعضها خطابية، وبعضها أمور عادية،
وله استمداد من علم المناظرة المشهور بآداب البحث، وموضوعه تلك الطرق.
الغرض منه: تحصيل ملكة النقض والإبرام.
فائدته: معرفة بالقواعد من الحدود والآداب، في الاستدلال التي يتوصل
بها إلى حفظ رأي أو هدمه، كان ذلك الرأي من الفقه وغيره.
علم المناظرة:
تعريفه: - هوعلم يتوصل به إلى معرفة كيفية الاحتراز عن الخطأ في المناظرة .
-هو الضوابط والقواعد والآداب التي ينبغي أن يتقيد بها المتجادلان حول موضوع معين.
موضوعه :- مجموعة من القواعد والمسائل التي تتحدث عن الطرق والوسائل التي يمكن أن يستعملها كل من المتناظرين للدفاع عن رأيه أو الهجوم على رأي صاحبه ويبين لك أن هذه الطريقة في النقاش مقبولة سائغة أو مردودة لا يجوز استعمالها.
-الأبحاث الكلية أي الاعتراضات و الأجوبة التي تقع بين المتناظرين من حيث كونها موجهة مقبولة أو غير مقبولة .
النتيجة :المتأمل في تعريف العلمين و موضوعهما يجد أنهما شيء واحد ، و يلتقي الجدل بالمناظرة من جهة المقصود بالجدال و هو النوع المحمود الذي أمر الله به . لذلك سمي علم الجدل و المناظرة .
فعلم الجدل هو علم المناظرة : إلا
أن الجدل أخص منه.ويؤيده كلام ابن خلدون في المقدمة حيث قال: الجدل هو معرفة آداب
المناظرة التي تجري بين أهل المذاهب الفقهية وغيرهم، فإنه لما كان باب المناظرة في
الرد والقبول متسعاً، ومن الاستدلال ما يكون صواباً، وما يكون خطأ، فاحتاج إلى وضع
آداب وقواعد يعرف منه حال المستدل والسائل.
وفيه طريقتان:
1-طريقة البزدوي: وهي خاصة
بالأدلة الشرعية من النص والإجماع والاستدلال.
2- طريقة ركن الدين العميدي: وهي
عامة في كل دليل يستدل به من أي علم كان، والمغالطات فيه كثيرة، إلا أن صور الأدلة
والأقيسة فيه محفوظة مراعاة يتحرى فيها طرق الاستدلال كما ينبغي.
واضعه : ركن الدين العميدي السمرقندي الحنفي، (ت615 ه / 1218 م) توفي في بخارى، فقيه، كان أماما في فن الخلاف والجدل. هو أول من أفرده بالتصنيف ومن تقدمه كان يمزجه بخلاف المتقدمين و ذلك في كتابه (الإرشاد).
-أسماء علم الجدل والمناظرة.
يسمى علم المناظرة ، علم النظر ، علم آداب البحث ، صناعة التوجيه ، و علم الخلاف فيما يخص الفقه و أصوله .
بيان معنى المناظرة:
لفظ المناظرة يطلق ويراد به أحد
معنيين:
1-فتارة يطلق لفظ المناظرة ويراد به قواعد
هذا الفن الذي ندرسه.2- وتارة يطلق على اسم مصطلح من مصطلحات هذا العلم وهو
المحاورة بين اثنين بقصد ظهور الحق.
واحترزنا بقيد( بقصد
ظهور الحق ) عن
المجادلة والمكابرة.
فأما المجادلة فهي: المحاورة
بين اثنين لا لإظهار الصواب بل لإلزام الخصم.
فكل من المتجادلين يقصد نصرة رأيه وإبطال رأي خصمه
ولا التفات لهما لظهور الحق ولذا ترى العناد والإصرار على الرأي هو دأبهما.
وأما المكابرة فهي: المحاورة
بين اثنين بقصد إظهار العلم والفضل.
فليس قصد المتكلم لا إظهار الصواب ولا نصرة رأيه بل
أن يظهر أمام الخصم والناس سعة علمه ومقدرته على المنازعة .ولذا تراه ينازع حتى في
البديهيات الواضحات، وهي مذمومة أشد الذم فليحذر منها المسلم.
فالمحاورة تتنوع إلى
ثلاثة أقسام بحسب القصد والهدف من ذلك الحوار هي:
1- المناظرة إن
قصد ظهور الحق.
2- المجادلة إن
قصد نصرة الرأي.
3- المكابرة إن
قصد إظهار العلم.
وقد يختلف قصد المتحاورين كأن يدخل عبد الله الحوار
مع الرغبة في ظهور الحق، ويدخله أسامة بقصد نصرة رأيه فقط فتكون المحاورة بالنسبة لعبد
الله مناظرة، وبالنسبة لأسامة مجادلة.
تعريف المناظرة لغةً
واصطلاحاً :
المناظرة لغةً: يقال:
ناظر فلاناً: صار نظيراً له، وناظر فلاناً: باحثه وباراه في المجادلة،
وناظر الشّيء بالشّيء: جعله نظيراً له.فالمناظرة مأخوذة من النّظير أو من
النّظر بالبصيرة.و نظر في
الشئ أي أبصره.
قال ابن فارس في معجم مقاييس
اللغة : ( النون والظاء والراء أصل صحيح
يرجع فروعه إلى معنى واحد وهو تأمل الشيء ومعاينته ثم يستعار ويتسع فيه ).
وقال الراغب في المفردات: ( النظر :
تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته وقد يراد به التأمل والفحص وقد يراد به
المعرفة الحاصلة بعد الفحص وهو الروية. )
ويؤخذ من كلام ابن فارس والراغب أن النظر يقع في
المحسوسات والمعاني فما كان من المحسوسات فالنظر إليه بالبصر وما كان من المعاني
فالنظر إليه بالبصيرة والعقل .
فمن النظر
بالبصر قوله
تعالى : ﴿ وُجُوهٌ
يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى
رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ القيامة: 22- 23
ومن النظر
بالبصيرة وهو
التفكر والتدبر قوله : ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ
يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ الأعراف :18.
ويطلق النظر ويراد به الانتظار فيقال
: نظرت فلاناً وانتظرته ومنه قوله تعالى : ﴿يَوْمَ يَقُولُ
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ
مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ
بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ
قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ الحديد:13 وقوله:﴿مَا نُنَزِّلُ
الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَ﴾الحجر :8
وقوله ونحوها﴿ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ
لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ السحدة :29
وقال الراغب في المفردات: ( والمناظرة : المباحثة
والمباراة في النظر واستحضار كل ما يراه ببصيرته والنظر : البحث وهو أعم من القياس
لأن كل قياس نظر وليس كل نظر قياساً ) .
والمناظرة اصطلاحاً: عرّفها الآمدي بأنّها "تردد الكلام بين الشّخصين يقصد كل منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه ليظهر الحق.
وعرّفها الجرجاني بأنّها: "النّظر بالبصيرة من الجانبين في النّسبة بين الشّيئين إظهاراً للصّواب."
وعرّفها طاش كبرى زاده "هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارا للحق".
وقيل هي : تردد الكلام بين شخصين يقصد كل منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه مع رغبة كل منهما في ظهور الحق .
تعرّف المناظرة في قاموس اللغة العربية المعاصر بأنّها حوار وجدال علمي يقوم أطرافه بالتحاور حول قضيّة فيها إشكالية معينة، ويكون هناك طرف مؤيد وطرف آخر معارض.
ويظهر لنا معنى الترابط بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للمناظرة في كون المناظرة يحصل فيها التدبر والتفكر والبحث كما أن فيها معنى التقابل بين المتناظرين وبين أدلتهما وقوليهما ، وفيها معنى الانتظار لكون كلٍ من المتناظرين ينتظر صاحبه حتى يتم كلامه ثم يجيب عنه ويناظره فيه ، كما أن فيها معنى النظر الحسي فكل من المتناظرين غالباً ينظر في مناظره ليسمع كلامه ويستوعب قوله وحجته.
المصطلحات ذات الصلة : الجدل
، المحاورة ، المناقشة ، المحاجة ،المباحثة، المكابرة ، المعاندة ، المراء .
1-الجدل :
الجدل في اللغة :
المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة.مأخوذ من :جدلت الحبل إذا فتلته وأحكمت فتله؛ فإن كل واحد من المتجادلين يحاول أن يفتل صاحبه ويجدله بقوة وإحكام على رأيه الذي يراه. فإذا اشتد اعتداد أحد المتخالفين أو كليهما بما هو عليه من قول أو رأي أو موقف، وحاول الدفاع عنه، وإقناع الآخرين به أو حملهم عليه سميت تلك المحاولة بالجدل.
قال ابن فارس : ( الجيم والدال واللام أصل واحد
وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه وامتداد الخصومة ومراجعة الكلام ) .
قال ابن الأثير : الجدل : مُقابلة الحجَّة بالحجَّة
. والمجادلة : المناظرة والمخاصمة .
والجَدْل شِدَّة الفَتْل
وجَدَلْتُ الحَبْلَ أَجْدِلُه جَدْلاً إِذا شددت فَتْله وفتلته فتلاً محكماً ومنه
قيل لزمام الناقة الجَدِيل قال امرُؤ القيس : وكَشْحٍ لَطِيفٍ
كالجَدِيلِ مُخَصَّرٍ ... وساقٍ كأُنْبُوبِ السَّقِيِّ المُذَلَّلِ
ومنه :المِجْدَل : القصر المحكم .
ويقال جدل إذا اشتد وصلب ومنه قولهم غلام جادل أي
مشتد ومنه قولهم عن الأرض جدالة لشدتها والأجدل صفة الصقر لشدته وجمعه أجادل .
ويقال مجدل ومجندل إذا صرعه أرضاً والمراد صرعه على
الجدالة وهي الأرض .
ورجل جَدِل إِذا كان أَقوى في الخِصام وجادَله أَي
خاصمه مُجادلة وجِدالاً والاسم الجَدَل وهو شدَّة الخصومة . قال قتادة في قوله
تعالى : ( قوما لدَّاً ) قال : جدلا بالباطل . وقال أيضاً : الجدل الخصم .
فالجدل في اللغة إذاً يرد لأربعة معان :
الأول : الإحكام .
الثاني : الشدة والصلابة والقوة .
الثالث : الصراع وهو إسقاط الإنسان صاحبه على الأرض .
الرابع : اللدد في الخصومة .
المجادلة لغةً: المناظرة والمخاصمة.يقال: جدل الرّجل جدلاً فهو جدل من باب تعب: إذا اشتدّت خصومته. وجادل جدالاً ومجادلةً: إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحقّ ووضوح الصّواب.
أما الجدل
اصطلاحاً فعرف
بعدة تعريفات منها :
-1 تعريف ابن حزم
: ( إخبار كل واحد من المختلفين بحجته أو بما يقدر أنه حجته وقد يكون كلاهما مبطلا
وقد يكون أحدهما محقا والآخر مبطلا إما في لفظه وإما في مراده أو في كليهما ولا
سبيل أن يكونا معا محقين في ألفاظهما ومعانيهما ) .
2 – تعريف القاضي أبي يعلى:
(تردد الكلام بين اثنين إذا قصد كل واحد منهما إحكام قوله ليدفع به قول صاحبه) .
3 – تعريف
الجرجاني: (الجدل هو القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات والغرض منه إلزام الخصم
وإقحام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان). وقال أيضاً : ( دفع المرء خصمه عن
إفساد قوله بحجة أو شبهة أو يقصد به تصحيح كلامه وهو الخصومة في الحقيقة ).
4 – تعريف
أبي يحيى زكريا الأنصاري: (دفع العبد خصمه عن إفساد قوله بحجة قاصدا به تصحيح كلامه).
5 – تعريف الجويني: (هو إظهار المتنازعين
مقتضى نظرتها على التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقامها من الإشارة والدلالة)
.
6 – وقال
الفيومي في المصباح المنير: (هو مقابلة الأدلة لظهور أرجحها).
7 – وقال الراغب في المفردات: (الجدل
المفاوضة على سبيل المنازعة و المغالبة).
والمجادلة اصطلاحاً: قال الآمدي: هي المدافعة لإسكات الخصم.
وارتباط المعنى
اللغوي بالاصطلاحي يظهر في أمور :
1 - أنّ المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن
رأيه .
2 – أن الأدلة التي يستدل بها كل من
الخصمين والأجوبة التي يوردونها كلها محكمة وفيها قوة وشدة وصلابة.
3 – أن المتجادلين يحاول كل منهما أن يصرع
صاحبه ويسقطه.
4- وغالباً يكون الجدل مظنة الخصومة ولذا ورد الأمر
بالمجادلة بالتي هي أحسن.
والصّلة بين الجدل و المناظرة : أنّ كلاً من المجادلين يريد حفظ مقاله وهدم مقال صاحبه، سواء كان حقاً أو باطلاً.أما المناظران فكل منهما يريد إظهار الحقّ.
2-المحاورة أو الحوار :
المحاورة لغةً: يقال: حاوره محاورةً وحواراً: جاوبه، وحاوره: جادله، قال تعالى: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) ويقال: تحاوروا: تراجعوا الكلام بينهم وتجادلوا. قال تعالى: (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا).
أصل الحَوْرُ :الرجوع
عن الشيء وإلى الشيء .حارَ إلى الشيء وعنه حَوْراً ومَحاراً ومَحارَةً وحُؤُوراً
رجع عنه وإليه .ومنه استعاذة النبي في الحديث من " الحور بعد الكون. "
رواه مسلم .ويروى" الحور بعد الكور."
تقول : كلَّمته فما رجع إليَّ حَوَاراً
وحِواراً ومُحاورةً وحَوِيراً ومَحُورَة بضم الحاء بوزن مَشُورَة أَي جواباً.
وأَحارَ عليه جوابه ردَّه .والاسم من المُحاوَرَةِ الحَوِيرُ تقول :سمعت
حَوِيرَهما وحِوَارَهما والمُحاوَرَة المجاوبة والتَّحاور التجاوب .
وذكر بعض أهل اللغة ان الحور لغة الحبشة .
فالمحاورة إذا هي المراددة في الكلام .
والمحاورة اصطلاحا :لا تخرج عن معناها اللغوي .وبنحو هذا عرفها بعض المعاصرين فقال هي :
( مراجعة
الكلام وتداوله بين طرفين متكافئين فلا يستأثر أحدهما دون الآخر ويغلب عليه الهدوء.)
والجدال والمحاورة يجتمعان في كونهما كلاماً بين
اثنين ، وقد اجتمع اللفظان في قوله تعالى:﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي
تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ
تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.المجادلة :1
ويختلفان في كون الأغلب في الجدال الخصومة والشدة
واللدد بخلاف المحاورة فهي تميل إلى الهدوء .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ.والصّلة بين المحاورة والمناظرة أنّ كلاً منهما يراجع صاحبه في قوله.
3-المناقشة:
المناقشة لغةً: أَصل
المناقشة: من نقَش الشوكة إِذا استخرجها من جسمه وقد نَقَشَها وانْتَقَشها.
والمناقشة بين اثنين هو أن ينقش كل منهما ما عند
الآخر أي يستخرجه .يقال: نقش
الشّيء نقشاً: بحث عنه واستخرجه. ويقال: نقش الشّوكة بالمنقاش، ونقش الحقّ
من فلان، وناقشه مناقشةً ونقاشاً استقصى في حسابه. قال أبو عبيد :المناقشة الاستقصاء
في الحساب حتى لا يُتْرَك منه شيء. ومنه الحديث في البخاري :(( من نوقش الحساب عذب)).
أي من استقصى في محاسبته وحوقق .
ولا
يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ.
والصّلة بين المناقشة والمناظرة أنّ كلاً منهما يهدف إلى بيان وجه الحقّ.
4-المحاجة:
المحاجة مأخوذة من الحج وأصل
الحَجُّ: «الغلبة بالحُجَّة" يقال: حجَّه يحجُّه حجّاً إذا غلبه على حجَّته.
وفي الحديث : " فحجَّ آدمُ موسى " أَي أغلبه بالحجَّة .والحَجُّ : كثرة
الاختلاف والتردُّد ، وقد حجَّ بنو فلان فلاناً إذا أَطالوا الاختلاف إليه وتقولُ
: حججتُ فلاناً إذا أَتَيْتَه مرّةً بعد مرّة فقيل : حُجَّ البيت ؛ لأَنّهم
يأْتونه كلَّ سنة . وفي حديث الدجال في مسلم " إن يخرج وأنَا فيكم فأنا حجيجه
" أي محاججه ومغالبه بإظهار الحُجَّة .
-و عرف الراغب المحاجة : ( أن يطلب كل واحد أن يرد
الآخر عن حجته ومحجته).
- وعرفها المناوي: ( المحاجة تثبيت القصد والرأي لما يصححه).
5-البحث والمباحثة:
أصل البحث
:التفتيش والكشف والطلب يقال : بحثت عن الأمر وبحثت كذا ،قال الله تعالى: ﴿ فَبَعَثَ
اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ
أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ
فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾المائدة :31
وقيل : بحثت الناقة الأرض برجلها في السير : إذا
شددت الوطء تشبيها بذلك.والبَحْثُ أَن تَسْأَل عن شيء وتَسْتَخْبر وبَحَثَ عن
الخَبر وبَحَثَه يَبْحَثُه بَحْثاً سأَل وكذلك اسْتَبْحَثَه واسْتَبْحَثَ عنه.
وذكر صاحب تاج العروس : أن كثيراً ما يستعمله
المُصَنِّفُون مُتعَدّياً بفي فيقولون : بَحَثَ فيهِ والمشهورُ التَّعْدِيةُ بَعَنْ .
البحث اصطلاحا
: عرفه الجرجاني فقال : ( هو إثبات النسبة الإيجابية أو السلبية بين الشيئين بطريق
الاستدلال ) . وقد يراد بالبحث الاستشكال والإنكار ولذا يقولون أحيانا : هذه
المسألة فيها بحث أو محل بحث : أي أنها مشكلة أو غير مسلمة .
وذكر الراغب أن المباحثة والمناظرة بمعنى واحد فقال
: المناظرة : المباحثة والمباراة في النظر واستحضار كل ما يراه ببصيرته والنظر :
البحث وهو أعم من القياس لأن كل قياس نظر وليس كل نظر قياس .
6 – المكابرة:
المكابرة لغةً: المغالبة. يقال: كابرته مكابرةً، غالبته وعاندته.
والمكابرة اصطلاحاً: المنازعة في المسائل العلميّة مع علم المتكلّم بفساد كلامه وصحّة كلام خصمه.
-هي المنازعة لا لإظهار الصواب و لا لإلزام الخصم ، و لكن لبيان الفضل ، و ذلك كمن ينازع رجلا و هو يعلم من نفسه البعد عن الصواب و يعرف في صاحبه إصابة الجادة .
والصّلة بين المناظرة والمكابرة التّضاد من حيث الغاية والثّمرة.
7 – المعاندة :
المعاندة لغةً: من باب ضرب، يقال: عاند فلان عناداً: إذا ركب الخلاف والعصيان، وعانده معاندةً: عارضه. قال الأزهري: المعاند المعارض بالخلاف لا بالوفاق.
والمعاندة اصطلاحاً: المنازعة في المسائل العلميّة مع عدم علمه بكلامه هو وكلام صاحبه. والصّلة بين المناظرة والمعاندة التّباين.
8-المراء:
المراءلغة : الجدال. والتماري. والمماراة: المجادلة على مذهب الشكِّ والريبة، ويقال للمناظرة: مماراة، وماريته أماريه مماراة ومراء: جادلته.
المراءاصطلاحا: المراء: هو كثرة الملاحاة للشخص لبيان غلطه وإفحامه، والباعث على ذلك الترفع.
وقال الجرجاني: (المراء: طعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه، من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير. (وقال الهروي عن المراء: هو (أن يستخرج الرجل من مناظره كلامًا ومعاني الخصومة وغيرها.)
قال أبو حامد الغزالي : المراء طعنك في كلام الغير لإظهار خلل فيه ، لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مزيتك عليه .
مشروعيّة المناظرة
دليل المناظرة من القرآن
- قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴾.هود: 74
- ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾.النحل :125 قال ابن كثير في تفسيرها: "أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب".
-﴿وَلا
تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ
ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ
إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾
.العنكبوت :46
- ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ
فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.المجادلة :1
- ما ذكر الله تبارك وتعالى عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من مناظرات مع أقوامهم كنوح وشعيب وهود وصالح ولوط وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام .منها :
﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ هود :32
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ . البقرة :258
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ، قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ ، قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ ﴾ . الشعراء :23-33
-ما ذكره الله تبارك من حجج وأدلة وبراهين عقلية في الرد على المشركين واليهود والنصارى منها : ﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصار تهتدوا قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ﴾ البقرة 135
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران :64.
-ما
ورد من الآيات التي فيها ذم الجدال بغير علم فيفهم منها جواز ذلك بالعلم
ومن ذلك قوله تعالى : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي
اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾
الحج: 8.
-الآيات التي
ورد فيها استخدام الأدلة العقلية والبراهين في تقرير القول الحق ورد الأقوال
الباطلة
مما هو مستعمل في المناظرات ومن ذلك :
أ - السبر
والتقسيم كما
في قوله تعالى :﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ الطور:54
: وقوله تعالى ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ
الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾مريم :78 وقوله ﴿ آللَّهُ
أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾يونس :59
ب – التلازم كما في قوله
تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ
تَشْهَدُونَ ﴾آل عمران : 70. وقوله تعالى: ﴿لَوْ
كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَ ﴾الأنبياء :22وقوله تعالى﴿قُل لَّوْ أَنَّ
عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾الأنعام :58 .
ج – المطالبة
بالدليل على الدعوى كما
في قوله تعالى :﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ﴾ الأنعام :148
د – قياس الأولى ومنه قوله
تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ﴾ الإسراء :99 وقوله
تعالى﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾الإساراء :57 وقوله﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ
الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ الروم :27 .
دليل المناظرة من السنة
قال عليه الصلاة والسلام: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم). قال ابن حزم "وهذا حديث غاية في الصحة وفيه الأمر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله".
- مناظرة بين النبي ونصارى نجران
وقد ذكر الله أمرهم في سورة آل عمران .
- قصة
إسلام عبد الله بن سلام وقد
روى القصة البخاري في صحيحه من حديث أنس.
– مناظرة النّبيّ صلى الله عليه وسلم لطالب الإذن بالزّنا، وذلك فيما ورد عن أبي أمامة .و غيرها.
ومن عمل الصحابة
:
1 – مناظرة
علي رضي الله عنه للخوارج .
2 – مناظرة
ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج.
3 – المناظرات
بين الصحابة رضي الله عنهم في كثير من المسائل.
حكمه
:
حكمه الوجوب الكفائي في كتاب إمتاع المقل في رياض علم الجدل :
نسبته إلى العلوم عقلي *** وحكمه الوجوب عند الجل
قال الآمدي:" هذا الفن لا شكّ في استحباب تحصيله، وإنّما الشّك في وجوبه وجوباً كفائيّاً، فمن قال بوجوب معرفة مجادلات الفرق على الكفاية، قال بوجوب التّحصيل، لأنّ هذا الفنّ يعرف به كيفيّة المجادلة، وإلّا فلا."
وقال ملّا زاده تعليقاً عليه: "واعلم أنّه ذهب بعضٌ إلى أنّ معرفة مجادلات الفرق الضّالّة ليجادلوهم فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ولأنّها دفع الضّرّ عن المسلمين، إذ يخاف أن يقعوا في اعتقاداتهم المضرّة، وذا فرض كفاية على من لم يكن مظنّة الوقوع فيه، وفرض عين على من كان كذلك."
- قال ابن تيمية: " وكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان ولا حصل بكلامه شفاء الصدور والطمأنينة في النفوس ولا أفاد كلامه العلم واليقين ".
وقال أيضاً: "... وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ النساء 59. وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية، مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين... ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة ".
- يقول الإمام ابن القيم " ومنها جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته في إسلام من يرجى إسلامه منهم، وإقامة الحجة عليهم."
4- أهدافه وغاياته.
هي الوصول إلى الحق فيما ينشأ من خلاف في المسائل العلمية بين الفريقين المتناظرين ، و ذلك باتباع القواعد المنطقية و طرق الاستدلال الصحيح في إثبات الرأي بالأدلة الناصعة و الاعتراض على ما يخالفه . يقول الحافظ الذهبي : ( إنما وضعت المناظرة لكشف الحقِّ ، وإفادةِ العالِم الأذكى العلمَ لمن دونه ، وتنبيهِ الأغفلَ الأضعفَ ).
فائدة تعلّم هذا الفنّ :
١- يحفظ الذهن عن الخطأ في
المناقشات.
٢- يساعد على توليد المناقشات
الكثيرة على الدليل الواحد.
٣- يساعد على فهم كلام العلماء
ومصطلحاتهم الذين كتبوها في علوم الإسلام (أصول الفقه و أصول الدين : علم الكلام ،
الفرق ، مقارنة الأديان ).
5- أشهر التصنيفات فيه.
1. "تقرير القوانين المتداولة من علم المناظرة" ، محمد بن أبي بكر المرعشي المعروف بساجقلي زاده
2. "الوليدية في آداب البحث والمناظرة" ، محمد المرعشي
3. كتاب الكافية في الجدل للإمام الجويني
4. المنهاج في ترتيب الحجاج للباجي
5. منهج الجدل والمناظرة في تقرير مسائل الاعتقاد ، عثمان علي حسن .
6. ترجيح أساليب القرآن لابن الوزير اليماني
7. المناظرات الفقهية لابن سعدي
8. آداب البحث و المناظرة للأمين الشنقيطي
9. مناظرات ومحاورات فقهية وأصولية أبو الطيب مولود السريري السوسي
10. رسالة في آداب الجدل والمناظرة للشيخ محي الدين عبد الحميد
11. .علم البحث والمناظرة لطاش كبرى زاده.
12. علم الجذل في علم الحدل للطوفي الحنبلي وقد حققه .بعض المستشرقين الألمان
13. المعونة فى الجدل تأليف: أبو إسحق الشيرازى ، تحقيق: على عبدالعزيز
14. المنتخل فى الجدل تأليف: أبو حامد الغزالي.
15. - وقائع مناظرة الإمام الباقلاني للنصارى بحضرة ملكهم / محمد الطيب الباقلاني ؛ جمعها و نسقها محمد بن عبدالعزيز الخضيري
16. حكاية المناظرة في القرآن مع بعض أهل البدعة / تصنيف عبدالله بن أحمد بن محمد المقدسي موفق الدين بن قدامة ؛ تحقيق عبدالله بن يوسف الجديع .
17. - المناظرة الكبرى في مقارنة الأديان بين الشيخ ديدات و القس سويجارت / تقديم و دراسة و تعليق محمود علي حماية.
18. مناظرة في الرد على النصارى / فخرالدين الرازي ابو عبدالله محمد بن عمر ؛ تقديم و تحقيق عبدالمجيد النجار . 1407هـ ، 1986م .
19. المناظرة الكبرى بين الشيخ رحمت الله و الدكتور فندر : مناظرة في مسألتي النسخ والتحريف / تحقيق و تعليق محمد عبدالقادر خليل .
20. ضوابط المعرفة و أصول الاستدلال و المناظرة : صياغة للمنطق و أصول البحث متمشية مع الفكر الاسلامي / تأليف عبدالرحمن حسن حنبكة الميداني .
21. - الرشيدية على الرسالة الشريفية في آداب البحث و المناظرة للسيد الشريف الجرجاني / شرح عبدالرشيد الجونغوري .
22. - حاشية الصبان على شرح آداب البحث: للصبان محمد بن علي : ت : 1206هـ.
23. - المنتخب الجليل من تخجيل من صرف الانجيل ؛ مناظرة بين المؤلف وأحد علماء النصرانية / تأليف أبى الفضل المالكى المسعودى .
24. السؤال العجيب فى الرد على أهل الصليب / لناظمه أحمد على المليجى 1322هـ ، 1904م .
6- مباحثه.
علم المناظرة له لغته ومصطلحاته:
مباحثه : هي التقسيم و التعريف و التصديق .و بيانه :
-ما تجري فيه المناظرة :أي
ما يكون محل البحث والنقاش وهو القضية لأنها هي التي
تحتوي على نسبة خبرية تحتمل مطابقة الواقع أو عدمه، فيحصل فيها اختلاف الرأي وتسمى
القضية بالدعوى والمسألة مثل: الله واحد، أبو بكر إمام عادل، الغناء
محرم.
وأما
الإنشاء فلا تجري فيه المناظرة :نحو اكتبْ الدرس، وكذا اللفظ المفرد
:نحو زيد، والمركب :نحو غلام زيد لعدم وجود النسبة الخبرية. ولكن قد تقع
المناظرة في غير القضية كالتعريف لأنه يتضمن القضية.
-أركان المناظرة :
هما اثنان :
الركن الأول : موضوع تجري حوله المناظرة.وهو المسألة الخلافية بين المتناظرين (محل النزاع )، و تكون واضحة في ذهن كلا المتناظرين ، محدودة المعالم ، معينة الأهداف .
الركن الثاني :المتناظران و هما الطرفان اللذان يتحاوران حول موضوع المناظرة . أحدهما يتبنى صحة القضية ويدافع عنها وآخر ينفيها ويهاجمها.فـ :
المعلل :هو الشخص الذي يتكلم ابتداء و هو الذي يتولى وظيفة الجواب والدفاع .و يسمى ( المدعي و المستدل و المجيب).
السائل :هو الشخص الذي يتكلم بعد المعلل وينتقده، و يتولى وظيفة الاعتراض والهجوم ، و لذلك يسمى (المعترض).
ملاحظة : قد تتغير الأدوار أثناء المناظرة فيتكلم السائل أولا والمعلل ثانيا.
مثال: تناظر عبد الرحمن المسلم، مع جاك الملحد في وجود الله. فعبد
الرحمن يثبت وجود الله، وجاك يكذب بذلك ويعترض على عبد الرحمن.
فيسمى عبد الرحمن المدعي
لقضية وهي هنا ( الله موجود ) معلّلاً لأنه يثبتها أي يستدل ويأتي بالعلة
والسبب الذي من أجله آمن بهذه الدعوى.
ويسمى جاك الذي يعارض تلك الدعوى بالسائل لأنه هو من
يسأل ويوجه الاعتراضات والإشكالات على كلام المدعي.
-وظائف المتناظرين هي: الاعتراضات
والأجوبة التي تحدث بين المتناظرين.
وظائف السائل ثلاثة هي1- المنع 2- النقض 3- المعارضة.
المنع
هو: طلب
الدليل على مقدمة الدليل.
مثال: قال
النصراني المعلل: المسيح إلهٌ، والدليل عليه هو: أنه خلق من غير أب- وكل من
خلق من غير أب فهو إلهٌ.
فيقول
المسلم السائل: أمنع الكبرى أي كل من خلق من غير أب فهو إله.
ومعنى
أمنع الكبرى أي لا أسلمها وأطالبك بإقامة الدليل عليها.
فالمنع
إما أن يتجه على صغرى الدليل أو كبراه.
و
النقض هو: إبطال
دليل الخصم
بإثبات تخلف الدليل بأن يوجد ولا يوجد معه المدلول.
مثال:
قال النصراني المعلل: المسيح إلهٌ، والدليل عليه هو: أنه خلق من غير أب- وكل من
خلق من غير أب فهو إلهٌ.
فيقول
المسلم السائل: هذا الدليل باطل لأنه يجري مع آدم عليه السلام، فإنه خلق من غير
أب بل ومن غير أم فيلزم على دليلك أن يكون إلها مع أنه ليس كذلك بالاتفاق.
فالنقض
هو إثبات تخلف الدليل في صورة من الصور.
و
المعارضة هي: إبطال
دليل الخصم بإقامة دليل يثبت بطلان مدعاه.
مثال:
قال النصراني المعلل: المسيح إلهٌ، والدليل عليه هو: أنه خلق من غير أب- وكل من
خلق من غير أب فهو إلهٌ.
فيقول
له المسلم السائل: المسيح عبد لله، والدليل عليه هو: أنه حملت به أمه وأنجبته-
وكل من كان شأنه كذلك فهو عبد مخلوق لا إله خالق.
فهنا
أبطل المسلم دليل النصراني بإقامة دليل من عنده يثبت بطلان دعواه وهي أن
المسيح إله.
فالمعارضة
هي: أن يقابل دليل
الخصم بدليل يبطل مدعاه.
وظيفة
المعلل :
للمعلل وظيفة مقابل كل وظيفة من وظائف السائل.
وظائفه مقابل المنع هي: 1-إثبات الممنوع بالدليل أو التنبيه، 2-إبطال السند، 3-إثبات المدعى بدليل آخر.
وظائف المعلل في مقابل النقض وهي:1- نفي الشاهد.2- إثبات المدعى بدليل آخر
وظائف المعلل في مقابل المعارضة هي:1 -المنع.2- النقض.3- المعارضة.
بعض التنبيهات :
- يجب
أن يتجنب المتناظر الغصب، وهو أخذ المناظر في إبطال دعوى الخصم قبل أن يترك
له فرصة إقامة الدليل عليها .فالسائل غاصب لحق المعلل .
- يجب
أن يتجنب المتناظر المصادرة على المطلوب ، وهي أن يجعل الدعوى التي يريد أن
يستدل عليها مقدمة لدليل.
- إن كنت ناقلا فالصحة ، وإن كنت مدعيا فالدليل.
- لا يجوز بتر الدليل عن سياقه.
7-آداب
الجدل والمناظرة.
للمناظرة آداب عشرة:
الأوّل: إرادة إظهار الحقّ، قال الإمام الشّافعي : "ما ناظرت أحداً إلّا وددت أن يظهر اللّه الحقّ على يديه، وجاء في ردّ المحتار: "المناظرة في العلم لنصرة الحقّ عبادة."
الثّاني: أن يحترز المناظر عن الإيجاز والاختصار والكلام الأجنبيّ لئلّا يكون مخلاً بالفهم.
الثّالث: أن يحترز عن التّطويل في المقال لئلّا يؤدّي إلى الملل.
الرّابع: أن يحترز عن الألفاظ الغريبة في البحث.
الخامس: أن يحترز عن استعمال الألفاظ المحتملة لمعنيين.
السّادس: أن يحترز عن الدخول في كلام الخصم قبل الفهم بتمامه، وإن افتقر إلى إعادته ثانياً فلا بأس بالاستفسار عنه إذ الدّاخل في الكلام قبل الفهم أقبح من الاستفسار.
السّابع: أن يحترز عمّا لا مدخل له في المقصود بألّا يلزم البعد عن المقصود.
الثّامن: أن يحترز عن الضّحك ورفع الصّوت والسّفاهة، فإنّ الجهّال يسترون بها جهلهم.
التّاسع: أن يحترز عن المناظرة مع من كان مهيباً ومحترماً ،إذ مهابة الخصم واحترامه ربّما تزيل دقّة نظر المناظر وحدّة ذهنه.
العاشر: أن يحترز عن أن يحسب الخصم حقيراً لئلّا يصدر عنه كلام يغلب به الخصم عليه.
8-ثمراته :
الفوائد
التي يمكن أن يحصل عليها المناظر من المناظرة منها :
– القيام
بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
– تحصيل
ملكة الجدل والمناظرة والبحث والاستنباط والفهم والتعليل وتقوية الذهن وفتح نوافذ
العقل في فهم المسائل .
– الوصول إلى
الحق في المسائل العلمية و العملية .
– إبطال الباطل
وبيان الخطأ من الأقوال والمرجوح منها .
- رفع الإشكال واللبس والاشتباه الواقع
في الأدلة عند المناظر أو الشبه التي يستدل بها المخالف.
-تبادل
الفوائد ودقائق المسائل بين المتناظرين .
- تقليل الخلافات بين المسلمين في
المسائل العلمية و العملية.
– مذاكرة
المسائل العلمية وتثبيتها وتثبيت الإيمان بها و اعتقادها .
قال عمر ابن عبد العزيز " ما رأيت رجلا لاح الرجال إلا أخذ بجوامع الكلم". وقيل لإبن عباس رضي الله عنه "بما نلت العلم؟"، قال: "بقلب عقول ولسان سئـُول". ولذلك قالوا " لا يطلب العلم رجلان: مستحٍ ومستكبر، فالمستحي يمنعه حياءه أن يسأل والمستكبـر يمنعه الكبر أن يسأل".
قال الإمام المزني:"لا تعدو المناظرة إحدى ثلاث: إما تثبيت لما يديه، أو انتقال من خطأ كان عليه، أو ارتياب فلا يقدم من الدين على شك. قال: وكيف ينكر المناظرة من لم ينظر فيما به يردها."
مآل و نهاية المناظرة :
لابدّ للمناظرة من مآل. و الإخلال بوظائف السّائل والمدّعي يعجل بالانقطاع. ويكون المناظر منقطعا لأنّه (لم يتمكّن من الوفاء بإتّمام ما لزمه إتّمامه) ، ولأنّه (عجز عن بلوغ الغرض المقصود).
1-وهذه المناظرة إمّا أن تنتهي إلى عجز المعلّل وسكوته عن دفع اعتراض السّائل، وهذا يسمى إفحاماً.
2-وإمّا أن تنتهي إلى عجز السّائل عن الاعتراض على جواب المعلّل إذ لا يمكن جريان البحث بينهما إلى غير نهاية، وهذا يسمّى إلزاماً.
-تنتهي المناظرة في الأصل بعجز أحد المناظرين و انقطاعه و قبوله برأى مناظره .أو إذا توصل المناظران إلى شرعية منهجهما و أنه يسوغ لكل واحد منهما التمسك به ما دام أنه في دائرة الخلاف السائغ.
يقول ابن تيمية: ( وكان بعضهم يعذر كل من خالفه في المسائل الاجتهادية ، ولا يكلفه أن يوافقه فهمه ) .يقول ابن عقيل : ( وليقبل كل واحد منهما من صاحبه الحجة ؛ فإنه أنبل لقدره ، وأعون على إدراك الحق وسلوك سبيل الصدق .)
9-نماذج من الحضارة الإسلاميَّة عن الجدل والمناظرة.
أ ) مناظرة عبد الله بن عباس رضي الله مع الحرورية: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: " لما خَرجَتِ الحَروريَّةُ اجتَمعوا في دارٍ وهُم ستَّةُ آلافٍ أتيتُ عليًّا فقلتُ: يا أميرَ المؤمِنين ابرِد بالظُّهرِ لعَلِّي آتي هؤلاءِ القَومِ فأكلِّمَهُم قال: إنِّي أخافُ عليكَ قلتُ: كلَّا قالَ ابنُ عبَّاسٍ: فخرجتُ إليهِم ولبِستُ أحسَنَ ما يكونُ مِن حُلَلِ اليَمنِ قال أبو زُمَيلٌ: كان ابنُ عبَّاسٍ جَميلًا جَهيرًا قال ابنُ عبَّاسٍ: فأتيتُهم وهُم مُجتَمِعون في دارِهم قائلونَ فسلَّمتُ عليهِم فقالوا: مرحبًا بكَ يا ابنَ عبَّاسٍ فَما هذِهِ الحله؟ قالَ قُلتُ: ما تَعيبونَ عليَّ لقَد رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم في أحسَنِ ما يكونُ مِنَ الحُلَلِ ونزلَت: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قالوا: فما جاءَ بكَ؟ قلتُ: أتيتُكُم من عندِ صحَابَةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنَ المهاجِرينَ والأنصارِ لأبلِغَكُم ما يقولونَ المخبِرونَ بما يَقولونَ فعَليهِم نزلَ القُرآنُ وهُم أعلَمُ بالوَحيِ منكُم وفيهِم أُنزِلَ ( ولَيسَ فيكُم منهُم أحَدٌ ) فقال بعضُهم: لا تُخاصِموا قريشًا فإنَّ اللهَ يقولُ: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ قال ابنُ عبَّاسٍ: وأتيت قوما قط أشد اجتِهادًا منهُم مُسهِمَةٌ وجوهُهُم من السَّهَرِ كأنَّ أيديهِم وركبَهُم تُثني علَيهِم فمَضى مَن حضَر فقالَ بعضُهم لنُكلِّمنَّهُ ولننظُرَنَّ ما يقولُ قلتُ: أخبِروني ماذا نقِمتُم علَى ابنِ عمِّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وصِهرِهِ والمهاجرينَ والأنصارِ؟ قالوا: ثلاثًا قلتُ: ما هنَّ؟ قالوا: أمَّا إحداهُنَّ فإنَّهُ حَكَّم الرِّجالَ في أمرِ اللهِ وقالَ اللهُ تعالى إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ وما للرِّجالِ وما للحُكمِ فقُلتُ هذهِ واحدَةٌ قالوا: وأمَّا الأُخرى فإنَّهُ قاتَلَ ولم يَسبِ ولم يغنَمْ فلئِن كان الَّذي قاتلَ كفَّارًا لقد حلَّ سبيُهُم وغنيمتُهم ولئن كانوا مؤمنين ما حلَّ قتالُهم قُلتُ: هذه اثنتانِ فما الثَّالثةُ؟ قال: إنه مَحا نفسَهُ مِن أميرِ المؤمنينَ فهو أميرُ الكافرينَ قلتُ أعندَكُم سِوى هذا؟ قالوا: حَسبُنا هذَا فقُلتُ لهم: أرأيتُم إن قرأتُ عليكُم مِن كتابِ اللهِ ومِن سنَّةِ نبيَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ما يُرَدَّ به قولُكُم أتَرضَون؟ قالوا: نعَم فقلت: أمَّا قولكُم حكَّم الرجالَ في أمرِ اللهِ فأنا أتلو عليكُم ما قَد رُدَّ حُكمُهُ إلى الرِّجالِ في ثَمنِ رُبعِ دِرهَم في أرنَبٍ ونحوِها مِنَ الصَّيدِ فقالَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إلى قوله: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فنشَدتكُمُ اللهَ أَحُكمُ الرِّجالِ في أرنَبٍ ونحوِها من الصَّيدِ أفضلُ أم حكمُهم في دمائهِم وصلاحِ ذاتِ بينِهم؟ وأن تعلَموا أنَّ اللهَ لو شاءَ لحكَمَ ولم يُصيِّرْ ذلكَ إلى الرِّجالِ وفي المرأةِ وزوجِها قال اللهُ عزَّ وجلَّ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فجعلَ اللهُ حُكمَ الرِّجالِ سنَّةً مأمونَةً أخرَجتُ عَن هذِهِ قالوا: نعَم قال: وأما قولُكُم قاتَلَ ولم يَسبِ ولم يغنَم أتَسْبُونَ أمَّكمْ عائشَةَ ثم يستحلُّونَ منها ما يُستَحَلُّ مِن غيرِها فلئن فعَلتُم لقَد كفرتُم وهي أمُّكُم ولئن قلتُم ليسَت أمَّنا لقَد كفرتُم فإن كفرتُم فإنَّ اللهَ يقولُ: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ فأنتُم تَدورونَ بين ضَلالتَينِ أيُّهما صِرتُم إليها صرتُم إلى ضلالَةٍ فنظَرَ بعضُهم إلى بعضٍ قلتُ: أخرَجتُ مِن هذِهِ؟ قالوا: نعَم وأما قولُكُم: محَا اسمَهُ مِن أميرِ المؤمنينَ فأنا أتيكُم بمن ترضَونَ ورأيكم قد سمعتُم أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ يومَ الحديبيةِ كاتَبَ سهيلَ بنَ عمرٍو وأبا سُفيانَ بنَ حربٍ فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ لأميرِ المؤمنينَ: اكتُبْ يا علِيُّ هذا ما اصطَلح عليهِ مُحمَّدٌ رسولُ اللهِ فقالَ المشركونَ: لا واللَّهِ ما نَعلَمُ أنَّكَ رسولُ اللهِ لو نَعلَمُ أنَّكَ رسولُ اللهِ ما قاتَلناكَ: فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: اللهُمَّ إنَّكَ تعلَمُ أنِّي رسولُ اللهِ اكتُبْ يا عليُّ هذا ما اصطَلحَ عليه مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ فو اللَّهِ لَرسولُ اللهِ خيرٌ من عليٍّ وما أخرجَهُ من النبوَّةِ حينَ محَا نفسَهُ قال عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ: فرجع مِن القَومِ ألفانِ وقُتِلَ سائرهُمْ علَى ضلالَةٍ " ( رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم).
- الحرورية فرقة اٍسلامية ظهرت واشتد أمرها في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه. سموا الحرورية نسبة إلى بلدة حروراء في الكوفة وكانت مركز خروجهم، على الإمام علي رضي الله عنه.
ب ) مناظرة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع أحد اليهود: جاء في كتاب " عيون المناظرات " لأبي علي السكوني :"قال يهودي لعلي رضي الله عنه: " ما نفضتم أيديكم من تراب نبيكم حتى قلتم " منا أمير ومنكم أمير".فقال له علي: ما جفت أقدامكم من (فلق) البحر حتى قلتم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة.
فانقطع اليهودي ولم يجد جوابا لأن " منا أمير ومنكم أمير" ليس فيه ما يهدم الدين وإنما الطامة العظمى ما أتى به اليهود من الكفر إذ عبدوا العجل بإثر ذلك.
ج ) مناظرة أبي حنيفة النعمان مع بعض الملاحدة: يذكر أنه اجتمع طائفة من الملاحدة بأبي حنيفة، فقالوا ما الدلالة على وجود الصانع؟ فقال: دعوني فخاطري مشغول بأمر غريب. قالوا: ما هو؟ قال: بلغني أن في دجلة سفينة عظيمة مملوءة من أصناف الأمتعة العجيبة وهي ذاهبة وراجعه من غير أن يحركها أحد ولا يقودها أحد. قالوا: أمجنون أنت؟! قال: وما ذاك؟ قالوا: إن هذا لا يصدقه عاقل !! فقال لهم: فكيف صدقت عقولكم أن هذا العالم بما فيه من الأنواع والأصناف والحوادث العجيبة، وهذا الفلك الدوار السيار يجري ويحدث هذه الحوادث من غير محدث، وتتحرك هذه المتحركات بغير محرك؟ فرجعوا إلى أنفسهم بالملامة.
دـ ) مناظرة علي بن وافد لأحد النصارى في مجلس هارون الرشيد: جاء في " عيون المناظرات ": " روي أن هارون الرشيد كان له علج طبي، له فطنة وأدب، فود الرشيد أن لو أسلم فقال له يوما: " ما يمنعك عن الإسلام؟ " فقال: آية في كتابكم حجة على ما أَنْتَحِلُه ". قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى عن عيسى (( وروح منه )) . النساء :171. وهو الذي نحن عليه. فعظم ذلك على الرشيد وجمع له العلماء فلم يحضرهم جواب ذلك حتى ورد قوم من خراسان فيهم علي بن وافد من أهل علم القرآن، فأخبره الرشيد بالمسألة فاستعجم عليه الجواب ثم خلا بنفسه وقال " ما أجد المطلوب إلا في كتاب الله ". فابتدأ القرآن من أوله وقرأ حتى بلغ سورة الجاثية إلى قوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ الجاثية: 13. فخرج إلى الرشيد وأحضر العلج فقرأها عليه وقال له: إن كان قوله تعالى (( روح منه )) وجب أن يكون عيسى بعضا منه تعالى وجب ذلك في السموات والأرض. فانقطع النصراني ولم يجد جوابا، فأسلم النصراني وسر الرشيد بذلك وأجزل صلة ابن وافد. فلما رجع ابن وافد إلى بلده صنف كتاب النظائر في القرآن.
وهناك العديد من المناظرات على مر العصور صال فيها دعاة الحق وجالوا وفندوا مزاعم دعاة الباطل وأساطينهم.
ه) كتب الشاه اسماعيل الصفوي الرافضي للسلطان بايزيد العثماني :
نحن أناس قد غدا طبعنا **** حب علي بن أبي طالب
يعيبنا الناس على حبه **** فلعنة الله على العائب
فأجابه السلطان :
ما عيبكم هذا ولكنه **** بغض الذي لقب بالصاحب
وكذبكم عنه وعن بنته **** فلعنة الله على الكاذب
10- توظيفاته في عالمنا المعاصر في مجالات التواصل الحضاري.
-اهتم علماء الإسلام بالمناظرة قديما و حديثا ، و سجلت كتب التاريخ المناظرات بين الفرق ، بين المسلمين و أهل الكتاب ، بين المسلمين و الوثنيين و المجوس و غيرهم ...
-وبسبب تشجيع خلفاء وسلاطين وملوك الدولة الإسلامية للمناظرات ، كان للمناظرات العلمية دور حضاري في النهوض بالفكر الإسلامي و إثراء كثير من العلوم و المعارف، إلى جانب الدفاع عن الدين الإسلامي و الردعلى أهل الكفر و الزندقة و الملل الفاسدة .
-وكانت المناظرات بين المسلمين و غيرهم نموذجا للتفتح و الحوار و حسن تدبير الاختلاف بين المذاهب و العقائد ، في اعتدال و توازن و نموذج للجدل ينسجم مع مكونات البيئة الاجتماعية و تحدياتها .
-و في حياتنا المعاصرة هناك دعوة إلى الحوار بين المسلمين و النصارى ، و خلفية هذ الحوار( حوار الأديان ) ليست بريئة بل تخفي خوفا شديدا من انتشار الإسلام ، من خلال نتائج دراسات قام بها الغرب .
- أغراض الحوار بالنسبة للغرب: خلفية الحوار ذات أغراض صليبية صهيونية ، تحارب الإسلام خفية و علانية .
-و أهدافه :
-التهجين أي الخلط بين الثقافات و الديانات أي إفسادها .و المقصود إفساد الدين الإسلامي.
-تخدير القيادات و النخبة الإسلامية ( العلماء و المفكرون و طلبه العلم ...)، و إضعاف مقاومتهم للتبشير و التغريب و التهويد و الاستشراق ...
-إفساد عقيدة المسلمين و شريعتهم في كل مجالاتها ، بتقديم تنازلات من المسلمين .
- تحسين صورة الكنيسة بوصفها جامعة للديانات .
-ترويض الشباب المسلمين من خلال جمعهم في مخيمات إسلامية نصرانية و بمنطلق مقولة ( المغلوب مولع بالغالب ) فإن النتيجة هي تمييع شباب المسلمين .
- تكريس الانقسامات بين المسلمين و منع قيام وحدة بينهم ، من خلال نشر الفتن و الأحقاد .
11- مستقبل الحوار :
الحوار مطلوب و لكن:
الدعاة المسلمون يرحبون بكل حوار هادئ هادفٍ يقوم بينهم وبين أهل سائر الملل والنحل.و لكن :
-مع تميز العقيدة الإسلامية : سورة الكافرون .و رفعة الإسلام و هيمنته على ما سبقه.و بيان انحرافات أهل الكتاب و فساد الملل و المذاهب الأخرى و الفلسفات .مع الإقرار بحرية المعتقد و أن لا إكراه في الدين .
أمثلة للتدبر:
كثيرةٌ هي اللقاءات بين الإسلام والنصرانية؛ نذكُر بعضًا منها، :
أ- في شهر رجب سنة 1270 هـ ، عُقدت مناظرة في مدينة كلكتا بالهند بين نفر من علماء المسلمين ومبشِّري النصرانية الذين درَجوا على الطعن في الإسلام، واستدراج الجهَلة من عوامِّ الناس.
وتحدَّدت لها موضوعاتٌ خمسة؛ هي:1) التحريف.2) والنَّسخ.3) والتَّثليث.4) وحقيقة القرآن.5) ونبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد استطاع علماء المسلمين - بتوفيق من الله - إظهارَ الحق بمجرد مناقشة الموضوعين الأوَّلين؛ وهما: التحريف، والنسخ.
وآنذاك لم يملك مناظروهم من علماء النصارى سوى الانسحاب؛ اعترافًا بإخفاقهم، وقد شاع خبر هذه المناظرة في العالم الإسلاميِّ الذي كان أغلبه يئنُّ آنذاك تحت سطوة حكم الدول النصرانية، وطلب كثيرٌ من المسلمين الاطِّلاع على ما دار في تلك المناظرة؛ مما دعا شيخ علماء المسلمين فيها، وهو رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي، إلى إصدار كتابه النفيس (إظهار الحق)، الذي لا يزال مرجعًا فريدًا في مجال المناظرة بين المسلمين والنصارى.
ب- بناءً على الرغبة التي أبداها بعض كبار رجال القانون والفكر في أوربَّا عن طريق السفارة السعودية في باريس، للاجتماع بالعلماء في المملكة العربية السعودية؛ للتعمق في مفاهيم حقوق الإنسان في الإسلام - فقد نظَّمت وزارة العدل السعودية ثلاث ندوات لهذا الغرض في الرياض، ابتداء من يوم الأربعاء 7 من صفر سنة 1392 هـ، الموافق 22 من مارس 1972 م.
وعلى إثر ذلك تعاقبَ خطباء الوفد الأوربي، وفي مقدمتهم السيد الأستاذ (ماك برايد) الأستاذ في جامعة دبلن، ووزير خارجية أيرلندا السابق، والرئيس السابق لاتحاد المجلس الأوربي، والسكرتير العام سابقًا في اللجنة التشريعية الدولية، فقال: "مِن هنا ومن هذا البلد الإسلاميِّ يجب أن تُعلَن حقوق الإنسان، لا من غيره من البُلدان، وإنه يجب على العلماء المسلمين أن يعلنوا هذه الحقائقَ المجهولةَ على الرأي العامِّ العالمي - والتي كان الجهل بها سببًا لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين والحكم الإسلامي - عن طريق إعلاء الإسلام والمسلمين".
ج- في يونيه سنة 1976 م، عُقد في جنيف بسويسرا مؤتمر بين المسلمين والنصارى، دعا إليه مجلسُ الكنائس العالمي حول موضوع: (نظرة الأديان السماويَّة إلى الإنسان وإلى تطلعه نحو السلام)، وفي ذلك المؤتمر أبدى مجلس الكنائس العالميُّ أسفه الشديد؛ لأن الواقع أثبت أن إرساليات التبشير النصرانيةَ في ديار المسلمين قد تسبَّبت في إفساد الروابط بين المسلمين والنصارى، كما اعترف بأن تلك الإرساليَّات كان طابع نشاطاتها في خدمة الدول الأوربية المستعمرة، وأنها كانت تستخدم التعليم وسيلة لإفساد عقائد المسلمين، وقد تعهَّد الجانب النصراني في هذا المؤتمر بإيقاف جميع الخدمات التعليمية والصحية التي تُستخدم لتنصير المسلمين.( ؟؟؟؟؟؟).
د- في عام 1979م، عُقد في قرطبة بإسبانيا المؤتمر الثاني للمناظرة بين المسلمين والنصارى، وقد ألقى كلمةَ الافتتاح (الكاردينال ترانكون) رئيس أساقفة إسبانيا، فكان مما قاله:
"إني كأسقُفٍّ أود أن أنصح المؤمنين المسيحيين بنسيان الماضي، كما يريد المجمع البابوي منهم، وأن يُعربوا عن احترامهم لنبيِّ الإسلام.إن هذا شيء هام جدًّا بالنسبة للمسيحي؛ إذ كيف يستطيع أن يقدِّر الإسلام والمسلمين دون تقدير نبيهم والقيم التي بثَّها ولا يزال يبثها في حياة أتباعه؟"
وفي ذلك المؤتمر ألقى الدكتور (يبحيل كروث) بحثًا عن (الجذور الاجتماعية والسياسية للصورة المزيفة التي كونتها المسيحية عن النبي محمد)، وقد جاء فيه قولُه:
"لا يوجد صاحب دعوة تعرَّض للتجريح والإهانة ظلمًا على مدى التاريخ مثل محمد... ولقد سبق لي أن أكَّدتُّ في مناسبة سابقة ... الاستحالةَ من الوجهة التاريخية والنفسية، لفكرة النبي المزيف التي تُنسب لمحمد؛ ما لم نرفضها بالنسبة لإبراهيم وموسى وأصحاب النبوات الأخرى من العبرانيين، الذين اعتُبروا أنبياء..".
ه-كان ديدات رحمه الله يوافق على دعوة البابا يوحنا بولس كلما دعا إلى حوار المسلمين لكنه لا يجد جدية في قبول الدعوة من النصارى .و مرة وافقوه بشرط أن يكون الحوار في الفاتيكان ( إيطاليا ) ، فوافقهم بشرط أن يبث على الهواء مباشرة فرفضوا .(؟؟؟؟؟؟)
-و مرة ألح أحمد ديدات على البابا ، فما كان من البابا إلا أن أرسل صورة له و هو يضع يديه على عينيه ، على هيئة من ينظر إلى المنظار .فلما وصلت الصورة إلى أحمد ديدات ، طبع منها 200الف نسخة في هيئة لاصق و كتب تحتها :" أيها النصارى هذه رسالة البابا إلي، وإذا أردتم أن تعرفوا لماذا يضع البابا يديه على عينيه ، اتصلوا بنا ." ووضع رقم مكاتبه الدعوية .فانهالت عليه الاتصالات ، و اتخذ منها أحمد ديدات وسيلة لبيان ما حصل و دعوة الناس إلى دين الإسلام .
- معلم: ZEGHDOUD ANISSA