محاضرات حول النظام التربوي
المحاضرة الأولى: مفهوم النظام التربوي
تمهيد:
النظام
التربوي: هو مجموعة من التنظيمات والأساليب والقواعد التي تتفاعل وتعمل معاً
لتنظيم عملية التربية والتعليم، وتسيير شؤون التعليم، لإنماء القيم والمبادئ لدى
المجتمع وترسيخها في الأفراد، والارتقاء بالشخصية المحلية ضمن إطار فلسفة الدولة والمجتمع.
ويُعتبر النظام التربوي ذات استقلالية في كيفية اتخاذ الإجراءات والأنشطة المناسبة
في تحقيق الأهداف المرجوة.
1ـ
مفهوم النظام التربوي :
النظام التربوي في أي بلد هو عبارة عن مجموع القواعد والتنظيمات والاجراءات التي تتبعها الدولة في تنظيم وتسيير شؤون التربية والتعليم من جميع الجوانب . وهذه النظم التربوية عامة هي: انعكاس للفلسفة مصرحاً بها، ومعلناً عنها أم لا. وتتأثر النظم التربوية في العالم بمجموعة من العوامل الرئيسية وهي :
العوامل العلمانية ، والعوامل الدينية ، والعوامل الطبيعية.
أولاً : العوامل العلمانية :
تقسم العوامل العلمانية إلى مجموعتين هما : مجموعة النظم النمطية ومجموعة النظم التنوعية .
أـ مجموعة النظم النمطية : وتهدف إلى تشكيل نمط موحد من الأفراد بإخضاعهم لمؤثرات تربوية واحدة، وتنقسم إلى نوعين، نوع عقائدي أيدولوجي، ونوع ثقافي حضاري، فالنظم العقائدية الأيدولوجية تهدف إلى تحقيق أغراض عقائدية أيدولوجية كما هو الحال في النظم التعليمية في الدول ذات النظم الاشتراكية، إذ تلعب الفلسفة الماركسية اللينينية فيها دوراً أساسياً في تشكيل النظرية التربوية فيها.
أما النظم النمطية الحضارية: فهي تلك النظم التي تركز على الأسس الثقافية والحضارية من منطلقات قومية، كما هو الحال في نظام التعليم في فرنسا. وتقوم النظم النمطية على أسس مركزية حيث تقوم السلطة المركزية فيها بالمسؤولية الكبرى في الإدارة والإشراف وتوجيه التعليم على المستوى القومي .
ب ـ مجموعة النظم التنوعية: وخير مثال عليها ، نظام التعليم في الولايات المتحدة الامريكية وفي انكلترا. وهذه النظم تنطلق من الإيمان بالتعدد والتنوع على أساس المبادئ الديمقراطية التي تقوم على حرية الاختيار. والإيمان بقيمة الفرد في ذاته، وتنمية قدرات وميول واستعدادات الأفراد بغض النظر عن العنصر أو الدين أو الجنس .
ثانياً : العوامل الدينية :
تؤثر العوامل الدينية بصورة مباشرة في النظم التربوية والتعليمية. بل إن فكرة إنشاء المدارس عبر التاريخ أول ما نشأت مرتبطة بالدين ومؤسساته. ويصدق هذا القول على الديانة المسيحية والديانة الإسلامية على حد سواء. فقد كانت قراءة القرآن والانجيل، وكذلك نشر التعاليم الدينية من أهم الدوافع لإنشاء المؤسسات التعليمية. بل إن المدارس نفسها اتخذت أحياناً وسيلة للدعاية لمذاهب دينية معينة، كما هو الحال في الجامع الأزهر، والمدارس النظامية، والمدرسة المستنصرية. وقد شهدت العلاقة بين الدولة والكنيسة صرعاً طويلاً ومريراً، انتهى بانفصال الكنيسة عن الدولة. أما في الإسلام فالعلاقة قوية وتختلف عنها في الديانة المسيحية، إلا أن النتيجة واحدة في الديانتين، وهو وجود نظامين تعليميين مستقلين، أحدهما مدني والآخر ديني وتقوم المدارس الدينية على أساس ديمقراطي، قوامه الاعتراف بحق كل طائفة في إنشاء المدارس الدينية الخاصة بها، و إذا كانت مسألة التعليم الديني لا تطرح مشكلة بالنسبة لنظام التعليم الديني بحد ذاته، إلا أّنها تفرض بعض المشكلات بالنسبة لنظام التعليم العام. وقد عالجت النظم التعليمية المعاصرة هذه القضية بأساليب متعددة، فبعضها أخذ بمبدأ عدم اعتبار التعليم الديني من مسؤوليات النظام التعليمي العام، كما هو الحال في النظامين الأمريكي والفرنسي .
أما النظم الأخرى كالنظام الانجليزي، فقد أخذ بمبدأ إدخال التعليم الديني ضمن مناهج الدراسة إذ لجأ إلى أسلوب التوفيق والحل والوسط لمواجهة هذه المشكلات، حيث إنّ هناك لجنة مشتركة رسمية تضم الأطراف المعنية مهمتها وضع منهج التربية الدينية .
أما ما يتعلق بالدول التي تنص دساتيرها أو تشريعاتها على دين رسمي معين، كما هو الحال في الدول العربية والإسلامية، فإن التعليم العام يلتزم بتعليم الدين الرسمي، مع الاعتراف بحقوق الأقليات أو المجموعات الدينية غير المسلمة في تعليم أبنائها الدين الذي تريده .
ثالثاً : العوامل الطبيعية :
وتشمل العامل اللغوي، وعامل الجنس أو السلالة ، والعوامل الاقتصادية والجغرافية ، ولها دور هام في تشكيل النظم التعليمية .
المحاضرة الثانية:
مراحل تطور النظام التربوي في الجزائر
ـ التعليم الجزائري قبل الاستقلال
كان واقع التربية والتعليم في الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي بخير, حيث كان العلم مقياس كل شيئ , وكانت المدارس والكتاتيب منتشرة عبر أرجاء الوطن لكن الاستعمار الفرنسي طبق سياسة التجهيل والفرنسة من أجل طمس الهوية وجعل الجزائريين دون مبدإ ولا عقيدة يعتزون بها . ورغم محاولات 132 سنة احتلال كانت المقاومة السياسية والثقافية على أشدها حيث أنشئت الجمعيات ومن بينها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كما فتحت كتاتيب القرآن وكذا مدارس التربية التي تبنتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ تأسيسها سنة 1931 م .
كما نشير أن العثمانيين في الجزائر لم يهتموا بميدان التعليم فلم تكن لهم وزارة للتعليم ولا أية مؤسسة مكلفة بهذا القطاع بل ترك الميدان مغتوحا للأفراد والجماعات يقيمون ما يشاؤون من مؤسسات دينية أو تعليمية . وقد قامت بهذا الدور الزوايا والمساجد التي كان يتعلم بها أبناء الجزائريين اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم إلى جانب العلوم الأخرى كالعلوم الشرعية وقواعد اللغة والنحو والسير والأخبار وغير ذلك. وإلى جانب ذلك كانت العائلات تقيم المدارس لأبنائها في القرى ةالدواوير وتكلف معلمين بتعليمهم وتوفر لهم كل وسائل عيشهم .
ويعترف الجنرال الفرنسي (( فاليزي )) عام 1834 م بأن وضعية التعليم في الجزائر كانت جيدة قبل التواجد الفرنسي لأن أغلبية العرب (الجزائريون) يعرفون القراءة والكتابة , إذ تنتشر المدارس في أغلبية القرى والدواوير . وصرح (( ديشي )) المسؤول عن التعليم العمومي في الجزائر : كانت المدارس بالجزائر والمدن الداخلية وحتى في أوساط القبائل كثيرة ومجهزة بشكل جيد وزاخرة بالمخطوطات . ففي مدينة الجزائر هناك مدرسة بكل مسجد يجري فيها التعليم مجانيا ويتقاضى أساتذتها أجورهم من واردات المسجد واكن من بين مدرسيها أساتذة لامعون تنجذب إلى دروسهم عرب القبائل
السياسة التربوية في العهد الاستعماري:
انتهج الاستعمار الفرنسي أسلوبين في ذلك هما: محاربة اللغة العربية وإنشاء مدارس فرنسية
: محاربة اللغة العربية
رأى الفرنسيون أن اللغة العربية هي إحدى أبرز مقومات الشخصية الجزائرية, وأن بقاء هذه اللغة، يعني بقاء الشخصية الوطنية للجزائريين, التي تناقض حضارتهم وتعرقل أهدافهم ومشاريعهم, لهذا بذلوا جهودا كبيرة للقضاء عليها بمختلف الطرق لتفكيك المجتمع الجزائري وفصله عن ماضيه ليسهل ضمه وابتلاعه. وكانت الميادين التي خاضتها السلطات الفرنسية للقضاء على اللغة العربية هي ثلاث: -المدارس –الصحافة –الكتب
المدارس: استولى الفرنسيون على بعض البنايات المدرسية، بدعوى استغلالها وفق حاجاتهم, وحولوها إلى مكاتب إدارية مدنية أو عسكرية
وقد تم منع فتح المدارس لتدريس اللغة العربية طبقا للقانون الصادر في 18 اكتوبر 1892 الذي يقضي بعد فتح أي مدرسة إلا برخصة من السلطات الفرنسية ولكي تُسلم هذه الرخصة تم وضع عدة إجراءات منها:
- الاستعلام عن صاحب الطلب, أي معرفة كل ما يرتبط بحياته وانتماءاته
- قبول عدد محدود جدا من التلاميذ في هذه المدارس
وفي سنة 1904 صدر قانون يمنع فتح أية مدرسة لتعليم القرآن إلا برخصة من السلطات, وإذا ما سمح بفتحها تبعا للشروط السابقة فإنه يمنع عليها تدريس تاريخ الجزائر وجغرافيتها ولكي تُسلم هذه الرخصة تم وضع عدة إجراءات.
إجراءات منها:
-الاستعلام عن صاحب الطلب, أي معرفة كل ما يرتبط بحياته وانتماءاته
-قبول عدد محدود جدا من التلاميذ في هذه المدارس.
جاء في أحد التقارير الفرنسية (لجنة القروض الاستثنائية سنة1847): "لقد تركنا المدارس تسقط وشتتناها, لقد أُطفئت الأنوار من حولنا, أي أننا حولنا المجتمع المسـلم
إلى مجتمـع أكثر جهلا وبربرية مما كان عليه قبل معرفتنا / وفي المدن الكبرى منع تعليم
اللغة العربية والقرآن الكريم, أما في الجهات التي لم تمس فيها مدارس القرآن البسيطة,
فقد منع عليها فتح أبوابها خلال أوقات عمل المدارس الفرنسية .
* إنشاء مدارس فرنسية: عرف الفرنسيون أن تعليم لغتهم لأبناء الجزائريين هو السبيل السهل للسيطرة عليهم, لهذا دعا الكثير من عسكرييهم ومدنييهم إلى الاهتمام بتعليم الأهالي اللغة الفرنسية, ومن أشهر هؤلاء نجد الجنرال بيجو(BUGEAUD ) الذي كان يرفع شعار: السيف والمحراث والقلم, وكان الدوق دومال DUC D'AUMALEهو أيضا من المطالبين بهذا, حيث يقول: "إن فتح مدرسة في وسط الأهالي يعد أفضل من فيلق عسكري لتهدئة البلاد لهذا قاموا بفتح مدارس لتعليم اللغة الفرنسية بهدف القضاء على ما يسمونه بالتعصب الديني, وغرس الوطنية الفرنسية في أذهان الناشئة, وتسهيل التآلف مع الأوربيين وكسب الأجيال الصاعدة إلى جانبهم ليخدموا مصالحهم بين مواطنيهم .
في هذه المدارس يتعلم الطفل اللغـة الفرنسيـة وقواعدها والتاريخ الفرنسي والحضارة .
وقد تم تكوين فئة من الجزائريين، خدموا في المؤسسات الرسمية الفرنسية كمترجمين وقضاة وكتّاب إداريين بسطاء وغير ذلك.
* نهب الكتب والمخطوطات الجزائرية:
في الوقت الذي كان التوسع العسكري على أشده في مختلف جهات الوطن الجزائري، كان الفرنسيون من مدنيين وعسكريين يستولون على ما تحتويه المكتبات العامة والخاصة في المساجد والزوايا والدور. وقد لقيت مكتبة الأمير المصير نفسه بعد سقوط عاصمته المتنقلة "الزمالة" سنة 1843. وتلت هذه العملية، عمليات نهب وسطو على مختلف المخطوطات في مختلف المجالات. وكان الكثير من الفرنسيين, من صحفيين وعسكريين أو هواة أو غيرهم يتنقلون بين المدن والقرى وفي المؤسسات الثقافية يجمعون هذه الكنوز الثمينة بطريقة أو بأخرى لدراستها أو بيعها لدور الوثائق والمخطوطات في فرنسا نفسها أو غيرها من البلاد الأوربية.
وقد قام الكاردينال "لافيجري"LAVIGERIE بتأسيس جمعية "الآباء البيض", التي انتشرت في شمالي إفريقيا, حيث تقوم بفتح المدارس والمصحات ومراكز التكوين المهني للتوغل بين السكان, في محاولة لتقريبهم من النصرانية إن لم تستطع تنصيرهم كليا, وقد جذبت إليها أعداداً هامة من الأطفال في المدارس, واهتمت بالبنات في مراكز التكوين المهني, وقدمت الدواء للمرضى والمشردين والعجزة, تحت ستار المساعدة والأعمال الخيرية, بينما كان الهدف تنصير الجزائريين "بالتعليم ذي البرنامج التمسيحي الصريح، أو برنامج لهدم العقيدة والأخلاق الإسلامية, وبث التقديس للأمة الفاتحة، ولحضارتها وثقافتها." وقد اشتركت في هذه الأعمال مدارس المبشرين والمدارس العمومية الأخرى على السواء، لتفكيك تماسك الأسرة الجزائرية عن طريق تربية دينية تخالف تعاليم أسرهم المتوارثة.
وقد كان هناك تيار معارض لتعليم الأهالي وبخاصة من قبل المعمرين في الجزائر وفي فرنسا نفسها. وكان المعمرون أكثر تشددًا في هذا المجال, إذ أنهم كانوا يرون أن تعليم الجزائريين يعني نشر الوعي بينهم ليخرجوا للمطالبة بحقوقهم كمواطنين, فينافسون الأوربيين ويشاركونهم السلطة والنفوذ. وبدلا من ذلك طالبوا بتعليم أبناء الفلاحين تعليما فلاحيا "Ecoles Fermes" لخدمة مصالحهم ومصالح المستعمرة, لتكوين يد عاملة محلية رخيصة لمواجهة اليد العاملة الأوربية، التي تطلب أجورا أعلى, وإبقاء الجزائريين في الأرياف بعيدا عن الحواضر, حتى لا ينافسوا الأوربيين في الوظائف, إذا ما تابعوا التعليم العادي.
*أهداف الفرنسيين من سياستهم التعليمية: كان الهدف المعلن والخفي من السياسة التعليمية الفرنسية التي طبقتها في الجزائر هو : دعوى نشر الحضارة – و- الإدماج
أ-دعوى نشر الحضارة: لقد تم رسم سياسة أوربية مشتركة، مؤداها أن الغرب, باعتباره
مشروعا حضاريا, عليه أن ينقذ الأمم التي هي دونه تحضرا بمساعدتها على الارتـقاء إلى درجة المدنية في تجلياتها العامة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
هكذا أدعى الفرنسيون أنهم جاؤوا لنشر الحضارة والتمدن بين أوساط الشعب الجزائري
المتخلف, والذي يعيش حياة جمود وخمول, أي أن فرنسا جاءت إلى هذه البلاد وهي تحمل رسالة حضارية "وأنها بهذا العنوان تتحمل مسؤولية التنوير والتحرير والتقدم. وكان مدنيوها وعسكريوها ورجال دينها ومستوطنوها يرددون هذا الشعار آناء الليل وأطراف النهار / وعندما جهز الفرنسيون الحملة العسكرية على الجزائر سنة 1830 أفهموا بقية الأوربيين أنهم ذاهبون للقضاء على القرصنة الهمجية, التي هي النقيض للتحضر والتمدن. وقد وعد الجنرال قائد الحملة الفرنسية الشعب الجزائري بالقضاء على النظام الدكتاتوري التركي, واستبداله بنظام ديموقراطي عادل, يسمح للناس بالدخول إلى عالم أكثر عدلا وتفتحا وتحضرا. لقد ادعى الفرنسيون أن استعمالهم للتعليم هو من أجل إخراج الأهالي من ظلمات الجهل والبربرية إلى نور العلم والمدنية, وتحبيب الحضارة الغربية لدى الناشئة. وأخَذَ المعلم الفرنسي دور الريادة في هذا المجال, لإبراز مزايا الحضارة الغربية وتوجيه الجيل الجديد للامتثال بالأوربيين، والتنصل من تراثهم الذي ينتمي في نظرهم إلى أمة متعصبة. وقد اتضح للفرنسيين أن التعليم هو السبيل الأول للتآلف معهم, وبواسطة هذا التعليم يمكن "تكوين عناصر قيادية, تعمل على تثبيت وجودهم والعمل تحت سلطتهم... تقوم مقامهم ليكون الجزائريون أتباعا وعبيدا للأسياد, يحترمون الحضارة الأوربية ويتبعونها .وقد وظف الاستعمار كل إمكانياته، من أجل الإستراتيجية الاستعمارية لإظهار غموض تاريخ الشعب الجزائري، وفقر إسهاماته الحضارية وسلبيتها, وفي المقابل أظهر للمتعلمين قوة الحضارة الأوربية وعظمتها , ووجوب تقليدها والعمل على منوالها . الجزائري المتخلف, والذي يعيش حياة جمود وخمول, أي أن فرنسا جاءت إلى هذه البلاد وهي تحمل رسالة حضارية "وأنها بهذا العنوان تتحمل مسؤولية التنوير والتحرير والتقدم. الإدمـاج: كانت السياسة العامة لفرنسا هي إلحاق الجزائر بفرنسا أرضا وسكانا, تحت
شعارات متعددة, منها: أن "البحر الأبيض المتوسط يقسم فرنسا كما يقسم نهر السين مدينة باريس", أو: "من دانكرك إلى تامنراست". وإذا كان إلحاق الأرض سهلا -وتم بعد الانتصار العسكري ميدانيا-فإن دمج المجتمع الجزائري هو العقبة الكأداء. كان على الفرنسيين إتباع
أساليب مختلفة لتحويل هذا المجتمع ليصبح أوربيا أو ملحق بالأوربي. وكان لابد من اتباع سياسة الفرنسة والتنصير لإذابة الشعب الجزائري في الكيان الفرنسي. فقد جعلت السلطات الفرنسية من اللغة الفرنسية وسيلة لتحقيق الغزو الفكري والروحي للشعب الجزائري، استكمالا لاحتلال الأرض. وبهذا كانت "الهيمنة الثقافية, وهي أشد ما تكون مكرا وخداعا, لا يمكن إلا أن تكون أشد ضررا وأكثر فسادا, وأعمق أثرا من السيطرة السياسية والعسكرية. لقد كان تأسيس المدارس من قبل السلطات الفرنسية يهدف إلى دمج المجتمع الجزائري المسلم بالمجتمع الفرنسي, والقضاء على مقدسات الشعب الأساسية، عن طريق نشر اللغة الفرنسية، والقضاء على اللغة العربية, ذلك ما صرح به أحد الضباط الفرنسيين "روفيغو" ROVIGO في رسالة نشرها "فيرو" في كتابه "المترجمون في الجيش الفرنسي", حيث يقول: "إن إيالة الجزائر لن تكون حقيقة من الممتلكات الفرنسية إلا بعد أن تصبح لغتنا لغة قومية فيها, وحتى تتأقلم فيها الفنون والعلوم التي يقوم عليها مجد بلادنا... والمعجزة التي ينبغي تحقيقها هي إحلال اللغة الفرنسية محل اللغة العربية تدريجيا, ومتى كانت اللغة الفرنسية لغة السلطة والإدارة فإنها سوف لا تلبث أن تنتشر بين الأهالي, ولا سيما إذا وجدت مدارسنا إقبالا من الجيل الجديد."
وفي إطار سياسة فرق تسد, ومن أجل الوصول إلى نتائج أسرع, ركز الفرنسيون جهودهم على منطقة القبائل, وظهرت كتابات عديدة منذ السنوات الأولى للاحتلال, مؤداها أن سكان
هذه المنطقة هم أقرب إلى الأوربيين منهم إلى العرب, وعليه يجب فرنستهم وإعادتهم إلى النصرانية التي كانت سائدة بينهم خلال العهد الروماني. وفي 12 فيفري 1873 اقترح الضابط العسكري قائد دائرة الأربعاء ناث إيراثن في تقريره للحاكم العام دي قيدون De Gueydon مخططا لفرنسة المنطقة, يتضمن إلغاء المدارس "العربية الفرنسية"
FRANCO-MUSULMAN نهائيا, وخلق مدارس بلدية فرنسية, واستعمال كل الوسائل لإبعاد تأثير الزوايا، من أجل جعل المنطقة تحت السلطة الكاملة للفرنسيين . وقد مَنح الحاكم العام هذا كل التسهيلات للكاردينال لافيجري، من أجل فتح مدارس حرة في هذه المنطقة.
وهكذا أنشأ الآباء البيض مدارس عديدة في المنطقة, ودعا بعض
القساوسة الحاكم العام إلى أن تتولى الحكومة العامة نفسها الإشراف على هذه المدارس. وبعد شد ورد فيمن يتكفل بهذه المدارس, هل هي البلديات أم الحكومة العامة أم الوزارة, صدر مرسوم 9 نوفمبر 1881, الذي قرر إنشاء ثمان مدارس في منطقة القبائل تابعة لوزارة التعليم الفرنسية .وقد تخرج فعلا من هذه المدارس المختلفة جزائريون تِباعا, مختصون في الصحافة والتعليم والترجمة والقضاء والإمامة وغيرها, أي أن تلك الدراسات لم يكن التعليم بها "تثقيفيا بل لتحضير بعض الإداريين والمترجمين في الإدارة الجزائرية قصد التعجيل بالاندمـاج." قد كان الإدماج معناه جعل الجزائريين متساوين مع الأوربيين في كل المجالات, والتمتع بحق التعليم وتولي الوظائف بالطرق التي يخولها القانون الفرنسي أصلا, وأن يكون إقليم الجزائر جزء من الأراضي الفرنسية، منقسم إلى مديريات ومقاطعات، بالتقسيم نفسه الذي تخضع له الأراضي الفرنسية. ونظرا لمعارضة المعمرين، وبعض الساسة الفرنسيين, لم تطبق سياسة الدمج الكاملة بين الجزائريين والفرنسيين, بل طبقت عليهم سياسة عنصرية، كان الهدف منها القضاء على العنصر الأهلي، أو طرده نحو الأراضي الفقيرة والصحراوية لأنه منحط ومتخلف. كما طبقت عليه سياسة سميت بقانون الأهالي الذي صدر بعد اندلاع مقاومة 1871 ووسع مجاله بعد اندلاع مقاومة 1881 طبقا لقانون 28/6 الذي أعقبه إنشاء المحاكم الردعيةTribunaux répressives بناء
على مرسوم 29-3-1902 وقد أدت السياسة الفرنسية إلى تغيير أسماء بعض المدن والقرى, إلى جانب تسمية الشوارع بأسماء فرنسيين كان لهم البون الكبير في إخضاع الجزائر واحتلالها, كما أن السجل المدني الذي أنشئ سنة 1882أفضى إلى تزويد الجزائريين بألقاب جديدة لزمتهم آخر الأمر.
نتائج هذه السياسة :
استطاعت المدرسة الفرنسية, عن طريق سياستها التعليمية, التي شوهت تاريخ الجزائر, وقدمت التاريخ الفرنسي على أنه التاريخ الوطني, أن تكوّن فئة من الجزائريين انفصلت
عن شعبها, وتنكرت لأمتها, واندمجت في الحضارة الأوربية, وتجنست بالجنسية الفرنسية, ودافعت عنها دفاعا مستميتا, وبخاصة منذ مطلع القرن العشرين.ورغم هذا فإن هذه الفئة التي دعيت بـ "النخبة" لم تجد مكانها بين الفرنسيين, لأن هؤلاء لم يكونوا ينظرون إليهم كفرنسيين حقيقيين, بل كرعايا أو مواطنين من الدرجة الثانية.
المحاضرة الثالثة:
التعليم الجزائري بعد الإستقلال:
تطور النظام التربوي الجزائري بعد الاستقلال:فقد قسمت الفترة من 1962 إلى 2008 إلى 4 مراحل هي:
1/مرحلة 1962 إلى 1970
- تنصيب لجنة إصلاح التعليم
- التوظيف المباشر للممرنين والمساعدين
- توسيع شبكة المرافق التربوية
- اللجوء إلى عقود التعاون مع الأشقاء والأصدقاء لسد الحاجة
- تأليف الكتب وتوفير الوثائق التربوية
2/ مرحلة 1970 إلى1980
- صدور أمرية 76/35 المتعلق بتنظيم التربية والتكوين في الجزائر
- تجديد مضامين المناهج وتعميم التعليم المتعدد الشعب
- تنصيب امتحان شهادة التعليم المتوسط
- استحداث ميكانيزمات فعالة في توجيه التلاميذ
- سياسة الجزأرة
مرحلة 1980 إلى 2003 3/
- تعميم المدرسة الأساسية
- إصلاح التعليم الثانوي وإعادة هيكلته
- تعديل مناهج التعليم
- صدور القانون الأساسي الخاص لعمال قطاع التربية
4/ مرحلة 2003 إلى 2006
- تنصيب اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم
- دخول الإصلاح حيز التنفيذ
- تنصيب اللجان المتخصصة لإصلاح المناهج
التطور الهيكلي :
أهمية الهيكلة : أن الهيكلة التنظيمية لأية وزارة أو قطاع أو مؤسسة ، تهدف إلى تحقيق غايات عديدة نوجزها فيما يلي :
- الحكمة والتحكم في التسيير .
- تحديد المسؤولية في إطار المهام المسندة للموظف .
- تقسيم المهام حسب الكفاءات والتخصصات .
- التنسيق بين مختلف المديريات سوء كانت مركزية أو فرعية .
- التكفل بجميع القضايا المتعلقة بالجانب التربوي والتعليمي عندما يتعلق الأمر بالمؤسسة ذات الطابع التربوي .
- تمكين المديرين والمسيرين من الإلمام الشامل بمختلف القضايا في حدود اختصاصاتهم وصلاحياتهم .
مراحل هيكلة النظام التربوي : مر بعدة مراحل وهي :
1/المرحلة الأولى من 1962 إلى 1976 : " المرحلة التأسيسية "
* من سنة 1962 إلى سنة 1976 : - مرحلة التعليم الابتدائي: بــ 06 سنوات ويختم بامتحان في السنة السادسة ويمر التلميذ إلى التعليم العام .
*مرحلة التعليم العام : مدته 04 سنوات ويختم بشهادة التعليم العام والأهلية BEG et AHLIA
2/ المرحلة الثانية من 1976 إلى 2002 :
* من سنة 1976 إلى سنة 2002: مرحلة التعليم المتوسط : مدته 04 سنوات ويختم بشهادة التعليم المتوسط .
3/ المرحلة الثالثة من 2002 إلى اليوم
أ/ من سنة 1981 إلى سنة 2002 : مرحلة التعليم الأساسي مدته 03 سنوات ويختم بشهادة التعليم الأساسي .
ب/ من سنة 2002 إلى اليوم :مرحلة التعليم المتوسط مدته 04 سنوات ويختم بشهادة التعليم المتوسط .
التطور الكمي والنوعي :
قامت الجزائر بعد الاستقلال بمجهودات جبارة في مقدمتها الاهتمام بالمشاريع التعليمية وذلك:
- تمكين أطفال الجزائر من التعليم وبناء الأجيال الصاعدة على أسس جديدة فأصبح عدد الطلاب في المدارس الأساسية والثانوية أكثر من ثمانية ملايين ونصف مليون تلميذ يشرف عليهم أكثر من نصف مليون مدرس وإداري ، تحتضنهم 23الف مدرسة منها 1500 مدرسة خاصة بالتعليم الثانوي .
- أما مؤسسات التعليم فهي موجودة على مستوى كل بلديات القطر، وفي جميع القرى وحتى التجمعات السكانية البسيطة تتمتع بمدارسها الخاصة ولا توجد منطقة في الجزائر لا يستطيع أطفالها الالتحاق بالمدرسة فأصبح التعليم إلزامياً ومجانياً للجميع .
لقد تضاعف التعداد العام بــ 10 مرات منذ 1962 ليصل 8500.000 تلميذ وهذا يعني أن 4/1 سكان الجزائر هم حاليا في المدرسة, حيث وصلت نسبة التمدرس 97 بالمائة وهذا بفضل فترة التمدرس الإجباري من 06 إلى 09 سنوات بالإضافة إلى ذلك فإن الجزائر قد تبنت مبدأ ديمقراطية التعليم ومجانيته وإلزاميته زفي الوقت ذاته عملت على تجسيد خيار تعريب التعليم وجزأرة التأطير في مختلف المستويات . غير أن النمو الكمي للتربية قد واجهته صعوبات واختلالات أثرت على نوعية التعليم الممنوح وكذا على مردود المنظومة التربوية ككل , مما أدى إلى ضعف وتدني النتائج والمكاسب المحصل عليها بفضل مجهودات الدولة.
لكن الاتجاهات والتغيرات العالمية في المجال الاقتصادي والمعرفي وغيرها من التطورات ، أوجبت أن تجرى بعض الإصلاحات في القطاعات الثقافية والتربوية ، للتماشي مع معطيات العصر ، فالنجاح في تحقيق التعليم للجميع في الجزائر لم يعد كافياً ، بل لا بد من الاهتمام أكثر بالجانب النوعي للتعليم .
الآفاق المستقبلية للنظام التربوي في الجزائر
مر النظام التربوي في الجزائر بمراحل عدة من الاستقلال إلى اليوم تخللته عدة إصلاحات مست عدة جوانب تربوية بيداغوجية مهنية . وهذه الآفاق تسطر وتخطط على ضوء الواقع الميداني والحقيقي وما يطرح المجتمع من اهتمامات وقضايا تساهم في التمسك بالهوية الوطنية والشخصية الوطنية .بالإضافة إلى الاستجابة للوضع الجديد المتمثل في التحولات الداخلية والعالم الخارجي .
• تعزيز دور المدرسة كعنصر لإثبات الشخصية الجزائرية وتوطيد وحدة الشعب الجزائري
• ضمان ترقية القيم ذات العلاقة بالإسلام والعروبة والأمازيغية والمحافظة عليهاوتتمثل في :
1/ الإسلام كدين وثقافة وحضارة
2/ العروبة كلغة , كحضارة , كثقافة
3/ الأمازيغية كلغة وكثقافة وكتراث
أما في الميدان التربوي فتتمثل الآفاق في :
1/ تعميم الرقمنة في ميدان التسيير لجميع المجالات
2/ تعميم مخابر اللغات
3/ تعميم استعمال تقنيات الإعلام والاتصال
4/ منح التلاميذ ثقافة علمية وتكنولوجية حقيقية
5/ تعزيز مكانة تدريس اللغات الأجنبية في النظام التعليمي الجزائري سواء للتحكم فيها كلغات حية أو باعتمادها لغات تدريس في المواد العلمية والتكنولوجية خصوصا حتى يمكن للطالب من الاطلاع على المعلومات والمعارف من مصادرها الأصلية وفي وقت اكتشافها .
6/ تطوير تعليم اللغات الأجنبية لتمكين التلميذ الجزائري من التحكم الحقيقي في لغتين أجنبيتين عند نهاية التعليم الأساسي.
7/ القضاء على نظام الدوامين في كل مدارس التراب الوطني .
8/ تحسين نسب النجاح في الامتحانات المدرسية بقدرمعتبر ما بين 70 إلى 80 بالمائة.
9/ العمل على تجانس وتحسين معايير التمدرس داخل الولاية الواحدة وبين ولايات الوطن والتقليص من نسب التسرب المدرسي.
المحاضرة الرابعة:
المبادئ التربوية وتنظيم المسار الدراسي
حدد الدستور الجزائري المبادئ التي تحكم النظام التربوي الجزائري:
المادة 53 من الدستور جعلت من التعليم حقا مضمونا ومجانيا لكل طفل في سن التمدرس إلى أن يبلغ من العمر 16 سنة.
التعليم من صلاحيات الدولة وحدها حيث ترصد له جزءا كبيرا من ميزانيتها.
لا تتحمل العائلات نفقات تمدرس أبنائها ما عدا ما يتعلق بالكتب المدرسية التي تباع بسعر مدعم من الدولة.
يستفيد التلاميذ من منحة خاصة بالدخول المدرسي.
يتميز النظام التعليمي بالمركزية فيما يتعلق بالبرامج والمناهج والمواقيت التعليمية.
بيد أنه يتميز باللامركزية في تسيير المؤسسات والمستخدمين.
أقر القانون رقم 08-04 المؤرخ في 23 يناير، المتضمن القانون التوجيهي للتربية الوطنية، من خلال مواده 10، 11، 12، 13 و14 الحق في التعليم:
“المادة 10 : تضمن الدولة الحق في التعليم لكل جزائرية وجزائري دون تمييز قائم على الجنس أو الوضع الاجتماعي أو الجغرافي.
المادة 11 : يتجسد الحق في التعليم بتعميم التعليم الأساسي وضمان تكافؤ الفرص في ما يخص ظروف التمدرس ومواصلة الدراسة بعد التعليم الأساسي.
المادة 12 : التعليم إجباري لجميع الفتيات والفتيان البالغين من العمر ست (6) سنوات إلى ست عشرة (16) سنة كاملة.
غير أنه يمكن تمديد مدة التمدرس الإلزامي بسنتين (2) للتلاميذ المعوقين كلما كانت حالتهم تبرر ذلك.
تسهر الدّولة بالتعاون مع الآباء على تطبيق هذه الأحكام.
يتعرض الآباء أو الأولياء الشرعيون المخالفون لهذه الأحكام إلى دفع غرامة مالية تتراوح من خمسة آلاف (5.000) دج إلى خمسين ألف (50.000) دج.
تحدد كيفيات تطبيق هذه المادة عن طريق التنظيم.
المادة 13 : التعليم مجاني في المؤسسات التابعة للقطاع العمومي للتربية الوطنية، في جميع المستويات.
تمنح الدولة، علاوة على ذلك، دعمها لتمدرس التلاميذ المعوزين بتمكينهم من الاستفادة من إعانات متعددة، لاسيما فيما يخص المنح الدراسية والكتب والأدوات المدرسية والتغذية والإيواء والنقل والصحة المدرسية
تنظيم أطوار التعليم
إن إصلاح المنظومة التربوية أعاد تنظيم التعليم الإلزامي بإقامة كيانين متمايزين بوضوح يتمثلان في: المدرسة الابتدائية ومؤسسة التعليم المتوسط.
وهكذا، تم تخفيض مدة طور التعليم الابتدائي من 6 إلى 5 سنوات مع إدخال مرحلة التربية التحضيرية والعمل على تعميمها بالتدرج، وتمديد مدة طور التعليم المتوسط من 3 إلى 4 سنوات.
التربية التحضيرية
تشكل التربية التحضيرية مقوّما قاعديا في تربية الأطفال وتحضيرهم للالتحاق بالتعليم الابتدائي، بإتاحة الفرصة لهم للتعلم وتطوير قدراتهم البدنية والذهنية والابتكارية والنفسية الاجتماعية. إنها ترمي كذلك إلى تطوير شخصيتهم وإيقاظ حسهم الجمالي وجعلهم يكتسبون المهارات الحسية الحركية وكذا العادات الحميدة التي تعدهم للحياة الجماعية كما ترمي أيضا إلى إكسابهم العناصر الأولى للقراءة والكتابة والحساب.
المحاضرة الخامسة:
الأهداف العامة في نظام التعليم:
كل نظام تربوي من الأنظمة التربوية على وجه الأرض له أهدافه الخاصة والعامة التي يسعى لتحقيقها. والتي يستمدها من المرجعية الفلسفية والاجتماعية التي يقوم عليها هذا المجتمع بما تحمله من موروث ثقافي يمتد في عمق تاريخها الحضاري والإنساني. غير أن هناك أهداف عامة يسعى كل نظام تربوي إلى تحقيقها رغبة في تحقيق التربية المثالية للفرد والمجتمع وعلى كافة المستويات المعرفية والنفسية والوجدانية والمهارية. تكون محصلة ذلك النمو والتطور المنشود, ويمكن تحديد هذه الأهداف فيما يلي:
1ــ التكيف الاجتماعي للفرد :
إن التربية تعد الوسيلة الفعالة للتنشئة الإجتماعية سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة لذلك كان للتربية عند القدامى أو المحدثين أهمية كبيرة. حيث نظر إليها العديد من الفلاسفة والمفكرين على أنها القائد لحياة ناجحة وفعالة بل هي الحياة نفسها. فهي تضمن للفرد القدرة على التكيف مع المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه.
فالتربية هي عملية رعاية الطفل وإنماء قابليته بإشراف الكبار. والكبار حين يفعلون ذلك إنما يضعون نصب أعينهم المجتمع الذي يعيش فيه ذلك الطفل. الذي سوف يعيش فيه وإلى شروط الحياة الإجتماعية فيه وعاداته وتقاليده وثقافته.
ان الأجيال المتعاقبة بحاجة إلى تربية لتحقيق الانسجام والتكيف والتوافق مع مجتمعاتها وكذلك مع المجتمعات الأخرى. فعملية التواصل والمثاقفة ضرورة كمضادات مناعية لتحصين جسم الأمة من الانحلال والاضمحلال في الآخر لان هذا لا يتحقق إذا لم يؤدي النظام التربوي دوره كاملاً في هذه العملية.
2 ــ اكتساب المهارات الأساسية:
يسعى أي نظام تربوي من خلال مناهجه التربوية وآلياته المستعملة في النطاق المدرسي من أجل تزويد المتعلمين بالقدرة على القيام بمجموعة من المهارات التي تعينهم في مزاولة الأنشطة المختلفة للحيا., داخل المدرسة وخارجها حسب المرحلة العمرية والقدرات العقلية التي يتمتعون بها, إلى جانب الجوانب المعرفية التي يحصلون عليها.
فقد حددت منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم (اليونيسكو) جملة من الأهداف يسعى النظام التربوي لتحقيقها ليتمكن الأفراد من أداء وظائفهم على أكمل وجه. لكي يكون الأفراد قادرين على القيام بالوظائف المطلوبة منهم في المجتمع لابد من إدخال تحسينات على نوعية تعليمهم من حين لآخر. فالنظام التربوي يسعى من خلال التربية لتحقيق جملة من الأهداف تتمحور حول عدة محاور أهمها (التعليم للمعرفة, التعليم للعمل, تعلم لتكون, التعليم للتكيف البيئي).
كما يساهم ويساعد في توجيه المتعلمين مع مراعاة التلاؤم بين كل مرحلة عمرية والمناهج المعدة لها. بما يتوافق مع النضج الجسمي والعقلي والاجتماعي يتم ذلك عن طريق معرفة معدل نمو الأطفال في الجوانب المختلفة. وتوجيههم نحو المهنة أو الدراسة الملائمة لمستوى هذا النضج حتى لا يواجه هذا المتعلم إحباطات نتيجة فشله في أداء عمله أو في عدم النجاح في الدراسة. إذا كانت غير ملائمة لنموه الجسمي أو العقلي, أو لا تتفق وميوله واتجاهاته.
جديد المنطلقات :
- إدراج البعد الأمازيغي في النظام التربوي
- التخلي عن الاختيار الاشتراكي
*جديد التنظيم :
- فتح مجال للخواص لإنشاء المدارس
- تحديد فترة التعليم ألإكمالي إلى أربع سنوات
- تقليص مدة التعليم الابتدائي بسنة واحدة
المحاضرة السادسة:
العوامل المؤثرة في نظام التعليم في الجزائر:
يتأثر النظام التعليمي في أي دولة من الدول بمجموعة من العوامل الناجمة عن الأوضاع الداخلية لهذه الدولة، وقد يكون بعضها قادماً من الخارج، وهذه العوامل قد تكون جغرافية أو اقتصادية أو عرقية أو فلسفية أو لغوية أو أخلاقية أو دينية بالإضافة إلى عوامل أخرى يفرضها الأخذ بالأساليب العلمية في معالجة قضايا التعليم.
وقد اتفق جميع دارسي التربية المقارنة على أهمية العوامل المتقدمة وأثرها الكبير في نشأة وتطور النظم التعليمية وسيرها في اتجاه معين وأخذها بحلول معينة في مواجهة مشكلاتها التعليمية، وتتفاعل هذه العوامل فيما بينها في تأثيرها على النظم التعليمية، كما تؤثر النظم في تلك العوامل أيضاً، وفيما يلي بيان لأهم العوامل التي تؤثر في النظم التعليمية:
1- العامل الجغرافي: تؤثر العوامل الجغرافية تأثيراً كبيراً على مستوى الثقافة والحضارة والتعليم بصفة عامة، فعلى سبيل المثال فإن الدولة الزراعية تؤكد على مبادئ التعليم الزراعي في أنظمتها التعليمية، كما تعنى الدول الصناعية بدراسة التكنولوجيا والصناعة، كما يؤثر المناخ على النظام التعليمي من حيث طول الإجازة صيفاً وشتاءاً.
2- العامل الاقتصادي: ينبع النظام الاقتصادي في أي دولة من ظروفها الخاصة حيث يتحدد في ضوء النظام الاقتصادي طبيعة النظام التعليمي وأهدافه ففي الدول الاشتراكية سابقاً كانت الدولة هي المالك للنشاط الاقتصادي بأكمله ومن ثم أثر هذا الأمر على توجهات النظم التعليمية في تلك البلاد من حيث ملكية الدولة لكل شيء وضرورة حماية الأفراد لهذه الملكية، أما في البلاد الرأسمالية التي تسود فيها الملكية الفردية ويؤكد فيها على حقوق الأفراد بالدرجة الأولى فإن التعليم يسعى إلى التأكيد على هذا التوجه ويترجمه بصورة عملية كالتنوع في المدارس من عامة إلى خاصة.
ويمكن القول بأن هناك علاقة تبادلية بين النظام الاقتصادي والنظام التعليمي فتنظيم التعليم ومحتواه وانتشاره وتطوره يتأثر بالعوامل الاقتصادية السائدة في المجتمع كما يؤثر التعليم من حيث نوعه ودرجته على مستوى معيشة الفرد ورفاهية المجتمع، فالتطور التعليمي سمة من سمات المجتمعات المتقدمة مادياً ومتطلب رئيس من متطلباتها بينما يعتبر التخلف التعليمي سمة من سمات المجتمعات المتخلفة اقتصادياً، كما تقوم الدول المتقدمة اقتصادياً بتخصيص نسبة من دخلها القومي للإنفاق على التعليم بما يحقق لأفرادها المزيد من التقدم والرفاهية.
3- العامل العرقي: يؤثر العامل العرقي على الأنشطة التعليمية في كثير من الأحيان ولاسيما عند سيطرة عرق ما على مقاليد الأمور في بلد ما، ومن أمثلة ذلك: فرضت الدول الاستعمارية أنظمتها التعليمية على البلاد التي استعمرتها بحجة تفوقها العرقي بالإضافة إلى أسباب أخرى والتي تكون في كثير من الأحوال وراء فرض تلك الدول لنظمها التعليمية على الآخرين.
4- العامل الاجتماعي: يتأثر النظام التعليمي بالنظرة السائدة للعلاقة بين الفرد والمجتمع.
ففي المجتمعات الرأسمالية يعتبر تحقيق حاجات ورغبات وميول الأفراد غاية في ذاتها انطلاقاً من اعترافها بحرية الفرد وحقه في التعبير عن اختلافاته عن الآخرين، وباعتبار أن إتاحة المجتمع الفرص لنمو أفراده سوف يؤدي إلى رفاهية المجتمع وبالتالي لا يملك المجتمع الرأسمالي الحق في الضغط على أفراده لتوجيههم إلى مسارات تعليمية تتعارض مع ميولهم.
أما في المجتمعات الاشتراكية فقيمة الفرد فيها تستمد من الوظيفة التي يؤديها للمجتمع ولا قيمة له إذا انفصل عنه، ومن ثم يصبح لأهداف المجتمع الأولية على أهداف الفرد وميوله وحاجاته، ونظام التعليم في المجتمع الاشتراكي يحرص على تربية المواطن المنتمي للمجتمع أكثر من تربية الفرد، ومن ثم يربى الأفراد منذ نعومة أظفارهم على تقديم أهداف المجتمع، أما عند الاختلاف بينهما فإن على الفرد أن يتنازل عن أهدافه من أجل تحقيق أهداف المجتمع.
5- العامل الديني: كان للعامل الديني وما زال أثره الواضح على التعليم، فقد كان لظهور المسيحية ثم الإسلام أثره الكبير على انتشار التعليم، ففي أوربا المسيحية قبل عصر الإصلاح الديني كان المحور الأساس للتعليم بالنسبة لفئات المثقفين من رجال الدين والمحامين والأطباء والمعلمين هو الدين المسيحي وفقاً للمذهب الكاثوليكي، كما أدى ظهور المذهب البروتستانتي إلى توسيع أكثر في التعليم.
6- العامل السياسي: تؤثر البيئة السياسية في المجتمع على نطاق التعليم فيه ويمكن النظر إلى البيئة السياسية فيه من منظورين رئيسيين:
المنظور الأول: وضع السلطة السياسية في المجتمع والتي يمكن أن تكون في يد حاكم مطلق أو في يد أقلية أو في يد غالبية أفراد الشعب ممثلة في الحزب السياسي ولكل حالة من الحالات الثلاثة أثرها الواضح على النظام التعليمي.
المنظور الثاني: النظام السياسي، وهو إما أن يكون نظاماً ديموقراطياً يتميز بالتعدد الحزبي ومن أمثلته النظم السياسية الموجودة في الغرب،وإما أن يكون نظاماً جماعياً يقوم النظام السياسي فيه على فكرة الحزب الواحد وتمثل هذه السياسات المجتمعات الاشتراكية، ولكل من هذه النظم السياسية أثارها الكبيرة في النظام التعليمي.
7- العوامل المتصلة بالإنسانية: ويقصد بها الدعوة إلى تحرير الإنسان من الخرافات في تفسير أحداث الحياة واللجوء إلى الأسلوب العلمي،وقد انتشر هذا المذهب في القرون الأخيرة وهو يؤكد أن الإنسان هو المستهدف في كل الأشياء وهو مقياس كل شيء، وقد أدى انتشار هذا المذهب إلى فصل الدولة عن الكنيسة، وقد اتضح هذا العامل في فرنسا في القرن السابع عشر ميلادي حيث أصبحت الدولة منوطة بالتعليم ومسؤولة عنه، كما ظهر أثره في بريطانيا في تغيرات المناهج ثم تطورت نظرة الدول لعامل الإنسانية وقد اتضح في هذه الأيام أثر هذا العامل في تطوير وتحديث النظم التعليمية في بلدان المختلفة.
8- العامل التاريخي: فبالرغم من أن التربية المقارنة تركز اهتمامها على دراسة نظم التعليم أو المشكلات التربوية المعاصرة إلا أن فهم هذه المشكلات والتوصل إلى حلول لها يتطلب تتبع جذورها التاريخية القريبة والبعيدة، فالإنجازات أو أوجه القصور في الماضي تمثل الوسيلة الأساسية لفهم الحاضر، والصلة الوثيقة بين مشكلات الحاضر وجذورها التاريخية تعد أساساً لفهم هذه المشكلات والتعامل معها.
- Teacher: ATTAB HAMIMI
محاضرات حول النظام التربوي
المحاضرة الأولى: مفهوم النظام التربوي
تمهيد:
النظام
التربوي: هو مجموعة من التنظيمات والأساليب والقواعد التي تتفاعل وتعمل معاً
لتنظيم عملية التربية والتعليم، وتسيير شؤون التعليم، لإنماء القيم والمبادئ لدى
المجتمع وترسيخها في الأفراد، والارتقاء بالشخصية المحلية ضمن إطار فلسفة الدولة والمجتمع.
ويُعتبر النظام التربوي ذات استقلالية في كيفية اتخاذ الإجراءات والأنشطة المناسبة
في تحقيق الأهداف المرجوة.
1ـ
مفهوم النظام التربوي :
النظام التربوي في أي بلد هو عبارة عن مجموع القواعد والتنظيمات والاجراءات التي تتبعها الدولة في تنظيم وتسيير شؤون التربية والتعليم من جميع الجوانب . وهذه النظم التربوية عامة هي: انعكاس للفلسفة مصرحاً بها، ومعلناً عنها أم لا. وتتأثر النظم التربوية في العالم بمجموعة من العوامل الرئيسية وهي :
العوامل العلمانية ، والعوامل الدينية ، والعوامل الطبيعية.
أولاً : العوامل العلمانية :
تقسم العوامل العلمانية إلى مجموعتين هما : مجموعة النظم النمطية ومجموعة النظم التنوعية .
أـ مجموعة النظم النمطية : وتهدف إلى تشكيل نمط موحد من الأفراد بإخضاعهم لمؤثرات تربوية واحدة، وتنقسم إلى نوعين، نوع عقائدي أيدولوجي، ونوع ثقافي حضاري، فالنظم العقائدية الأيدولوجية تهدف إلى تحقيق أغراض عقائدية أيدولوجية كما هو الحال في النظم التعليمية في الدول ذات النظم الاشتراكية، إذ تلعب الفلسفة الماركسية اللينينية فيها دوراً أساسياً في تشكيل النظرية التربوية فيها.
أما النظم النمطية الحضارية: فهي تلك النظم التي تركز على الأسس الثقافية والحضارية من منطلقات قومية، كما هو الحال في نظام التعليم في فرنسا. وتقوم النظم النمطية على أسس مركزية حيث تقوم السلطة المركزية فيها بالمسؤولية الكبرى في الإدارة والإشراف وتوجيه التعليم على المستوى القومي .
ب ـ مجموعة النظم التنوعية: وخير مثال عليها ، نظام التعليم في الولايات المتحدة الامريكية وفي انكلترا. وهذه النظم تنطلق من الإيمان بالتعدد والتنوع على أساس المبادئ الديمقراطية التي تقوم على حرية الاختيار. والإيمان بقيمة الفرد في ذاته، وتنمية قدرات وميول واستعدادات الأفراد بغض النظر عن العنصر أو الدين أو الجنس .
ثانياً : العوامل الدينية :
تؤثر العوامل الدينية بصورة مباشرة في النظم التربوية والتعليمية. بل إن فكرة إنشاء المدارس عبر التاريخ أول ما نشأت مرتبطة بالدين ومؤسساته. ويصدق هذا القول على الديانة المسيحية والديانة الإسلامية على حد سواء. فقد كانت قراءة القرآن والانجيل، وكذلك نشر التعاليم الدينية من أهم الدوافع لإنشاء المؤسسات التعليمية. بل إن المدارس نفسها اتخذت أحياناً وسيلة للدعاية لمذاهب دينية معينة، كما هو الحال في الجامع الأزهر، والمدارس النظامية، والمدرسة المستنصرية. وقد شهدت العلاقة بين الدولة والكنيسة صرعاً طويلاً ومريراً، انتهى بانفصال الكنيسة عن الدولة. أما في الإسلام فالعلاقة قوية وتختلف عنها في الديانة المسيحية، إلا أن النتيجة واحدة في الديانتين، وهو وجود نظامين تعليميين مستقلين، أحدهما مدني والآخر ديني وتقوم المدارس الدينية على أساس ديمقراطي، قوامه الاعتراف بحق كل طائفة في إنشاء المدارس الدينية الخاصة بها، و إذا كانت مسألة التعليم الديني لا تطرح مشكلة بالنسبة لنظام التعليم الديني بحد ذاته، إلا أّنها تفرض بعض المشكلات بالنسبة لنظام التعليم العام. وقد عالجت النظم التعليمية المعاصرة هذه القضية بأساليب متعددة، فبعضها أخذ بمبدأ عدم اعتبار التعليم الديني من مسؤوليات النظام التعليمي العام، كما هو الحال في النظامين الأمريكي والفرنسي .
أما النظم الأخرى كالنظام الانجليزي، فقد أخذ بمبدأ إدخال التعليم الديني ضمن مناهج الدراسة إذ لجأ إلى أسلوب التوفيق والحل والوسط لمواجهة هذه المشكلات، حيث إنّ هناك لجنة مشتركة رسمية تضم الأطراف المعنية مهمتها وضع منهج التربية الدينية .
أما ما يتعلق بالدول التي تنص دساتيرها أو تشريعاتها على دين رسمي معين، كما هو الحال في الدول العربية والإسلامية، فإن التعليم العام يلتزم بتعليم الدين الرسمي، مع الاعتراف بحقوق الأقليات أو المجموعات الدينية غير المسلمة في تعليم أبنائها الدين الذي تريده .
ثالثاً : العوامل الطبيعية :
وتشمل العامل اللغوي، وعامل الجنس أو السلالة ، والعوامل الاقتصادية والجغرافية ، ولها دور هام في تشكيل النظم التعليمية .
المحاضرة الثانية:
مراحل تطور النظام التربوي في الجزائر
ـ التعليم الجزائري قبل الاستقلال
كان واقع التربية والتعليم في الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي بخير, حيث كان العلم مقياس كل شيئ , وكانت المدارس والكتاتيب منتشرة عبر أرجاء الوطن لكن الاستعمار الفرنسي طبق سياسة التجهيل والفرنسة من أجل طمس الهوية وجعل الجزائريين دون مبدإ ولا عقيدة يعتزون بها . ورغم محاولات 132 سنة احتلال كانت المقاومة السياسية والثقافية على أشدها حيث أنشئت الجمعيات ومن بينها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كما فتحت كتاتيب القرآن وكذا مدارس التربية التي تبنتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ تأسيسها سنة 1931 م .
كما نشير أن العثمانيين في الجزائر لم يهتموا بميدان التعليم فلم تكن لهم وزارة للتعليم ولا أية مؤسسة مكلفة بهذا القطاع بل ترك الميدان مغتوحا للأفراد والجماعات يقيمون ما يشاؤون من مؤسسات دينية أو تعليمية . وقد قامت بهذا الدور الزوايا والمساجد التي كان يتعلم بها أبناء الجزائريين اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم إلى جانب العلوم الأخرى كالعلوم الشرعية وقواعد اللغة والنحو والسير والأخبار وغير ذلك. وإلى جانب ذلك كانت العائلات تقيم المدارس لأبنائها في القرى ةالدواوير وتكلف معلمين بتعليمهم وتوفر لهم كل وسائل عيشهم .
ويعترف الجنرال الفرنسي (( فاليزي )) عام 1834 م بأن وضعية التعليم في الجزائر كانت جيدة قبل التواجد الفرنسي لأن أغلبية العرب (الجزائريون) يعرفون القراءة والكتابة , إذ تنتشر المدارس في أغلبية القرى والدواوير . وصرح (( ديشي )) المسؤول عن التعليم العمومي في الجزائر : كانت المدارس بالجزائر والمدن الداخلية وحتى في أوساط القبائل كثيرة ومجهزة بشكل جيد وزاخرة بالمخطوطات . ففي مدينة الجزائر هناك مدرسة بكل مسجد يجري فيها التعليم مجانيا ويتقاضى أساتذتها أجورهم من واردات المسجد واكن من بين مدرسيها أساتذة لامعون تنجذب إلى دروسهم عرب القبائل
السياسة التربوية في العهد الاستعماري:
انتهج الاستعمار الفرنسي أسلوبين في ذلك هما: محاربة اللغة العربية وإنشاء مدارس فرنسية
: محاربة اللغة العربية
رأى الفرنسيون أن اللغة العربية هي إحدى أبرز مقومات الشخصية الجزائرية, وأن بقاء هذه اللغة، يعني بقاء الشخصية الوطنية للجزائريين, التي تناقض حضارتهم وتعرقل أهدافهم ومشاريعهم, لهذا بذلوا جهودا كبيرة للقضاء عليها بمختلف الطرق لتفكيك المجتمع الجزائري وفصله عن ماضيه ليسهل ضمه وابتلاعه. وكانت الميادين التي خاضتها السلطات الفرنسية للقضاء على اللغة العربية هي ثلاث: -المدارس –الصحافة –الكتب
المدارس: استولى الفرنسيون على بعض البنايات المدرسية، بدعوى استغلالها وفق حاجاتهم, وحولوها إلى مكاتب إدارية مدنية أو عسكرية
وقد تم منع فتح المدارس لتدريس اللغة العربية طبقا للقانون الصادر في 18 اكتوبر 1892 الذي يقضي بعد فتح أي مدرسة إلا برخصة من السلطات الفرنسية ولكي تُسلم هذه الرخصة تم وضع عدة إجراءات منها:
- الاستعلام عن صاحب الطلب, أي معرفة كل ما يرتبط بحياته وانتماءاته
- قبول عدد محدود جدا من التلاميذ في هذه المدارس
وفي سنة 1904 صدر قانون يمنع فتح أية مدرسة لتعليم القرآن إلا برخصة من السلطات, وإذا ما سمح بفتحها تبعا للشروط السابقة فإنه يمنع عليها تدريس تاريخ الجزائر وجغرافيتها ولكي تُسلم هذه الرخصة تم وضع عدة إجراءات.
إجراءات منها:
-الاستعلام عن صاحب الطلب, أي معرفة كل ما يرتبط بحياته وانتماءاته
-قبول عدد محدود جدا من التلاميذ في هذه المدارس.
جاء في أحد التقارير الفرنسية (لجنة القروض الاستثنائية سنة1847): "لقد تركنا المدارس تسقط وشتتناها, لقد أُطفئت الأنوار من حولنا, أي أننا حولنا المجتمع المسـلم
إلى مجتمـع أكثر جهلا وبربرية مما كان عليه قبل معرفتنا / وفي المدن الكبرى منع تعليم
اللغة العربية والقرآن الكريم, أما في الجهات التي لم تمس فيها مدارس القرآن البسيطة,
فقد منع عليها فتح أبوابها خلال أوقات عمل المدارس الفرنسية .
* إنشاء مدارس فرنسية: عرف الفرنسيون أن تعليم لغتهم لأبناء الجزائريين هو السبيل السهل للسيطرة عليهم, لهذا دعا الكثير من عسكرييهم ومدنييهم إلى الاهتمام بتعليم الأهالي اللغة الفرنسية, ومن أشهر هؤلاء نجد الجنرال بيجو(BUGEAUD ) الذي كان يرفع شعار: السيف والمحراث والقلم, وكان الدوق دومال DUC D'AUMALEهو أيضا من المطالبين بهذا, حيث يقول: "إن فتح مدرسة في وسط الأهالي يعد أفضل من فيلق عسكري لتهدئة البلاد لهذا قاموا بفتح مدارس لتعليم اللغة الفرنسية بهدف القضاء على ما يسمونه بالتعصب الديني, وغرس الوطنية الفرنسية في أذهان الناشئة, وتسهيل التآلف مع الأوربيين وكسب الأجيال الصاعدة إلى جانبهم ليخدموا مصالحهم بين مواطنيهم .
في هذه المدارس يتعلم الطفل اللغـة الفرنسيـة وقواعدها والتاريخ الفرنسي والحضارة .
وقد تم تكوين فئة من الجزائريين، خدموا في المؤسسات الرسمية الفرنسية كمترجمين وقضاة وكتّاب إداريين بسطاء وغير ذلك.
* نهب الكتب والمخطوطات الجزائرية:
في الوقت الذي كان التوسع العسكري على أشده في مختلف جهات الوطن الجزائري، كان الفرنسيون من مدنيين وعسكريين يستولون على ما تحتويه المكتبات العامة والخاصة في المساجد والزوايا والدور. وقد لقيت مكتبة الأمير المصير نفسه بعد سقوط عاصمته المتنقلة "الزمالة" سنة 1843. وتلت هذه العملية، عمليات نهب وسطو على مختلف المخطوطات في مختلف المجالات. وكان الكثير من الفرنسيين, من صحفيين وعسكريين أو هواة أو غيرهم يتنقلون بين المدن والقرى وفي المؤسسات الثقافية يجمعون هذه الكنوز الثمينة بطريقة أو بأخرى لدراستها أو بيعها لدور الوثائق والمخطوطات في فرنسا نفسها أو غيرها من البلاد الأوربية.
وقد قام الكاردينال "لافيجري"LAVIGERIE بتأسيس جمعية "الآباء البيض", التي انتشرت في شمالي إفريقيا, حيث تقوم بفتح المدارس والمصحات ومراكز التكوين المهني للتوغل بين السكان, في محاولة لتقريبهم من النصرانية إن لم تستطع تنصيرهم كليا, وقد جذبت إليها أعداداً هامة من الأطفال في المدارس, واهتمت بالبنات في مراكز التكوين المهني, وقدمت الدواء للمرضى والمشردين والعجزة, تحت ستار المساعدة والأعمال الخيرية, بينما كان الهدف تنصير الجزائريين "بالتعليم ذي البرنامج التمسيحي الصريح، أو برنامج لهدم العقيدة والأخلاق الإسلامية, وبث التقديس للأمة الفاتحة، ولحضارتها وثقافتها." وقد اشتركت في هذه الأعمال مدارس المبشرين والمدارس العمومية الأخرى على السواء، لتفكيك تماسك الأسرة الجزائرية عن طريق تربية دينية تخالف تعاليم أسرهم المتوارثة.
وقد كان هناك تيار معارض لتعليم الأهالي وبخاصة من قبل المعمرين في الجزائر وفي فرنسا نفسها. وكان المعمرون أكثر تشددًا في هذا المجال, إذ أنهم كانوا يرون أن تعليم الجزائريين يعني نشر الوعي بينهم ليخرجوا للمطالبة بحقوقهم كمواطنين, فينافسون الأوربيين ويشاركونهم السلطة والنفوذ. وبدلا من ذلك طالبوا بتعليم أبناء الفلاحين تعليما فلاحيا "Ecoles Fermes" لخدمة مصالحهم ومصالح المستعمرة, لتكوين يد عاملة محلية رخيصة لمواجهة اليد العاملة الأوربية، التي تطلب أجورا أعلى, وإبقاء الجزائريين في الأرياف بعيدا عن الحواضر, حتى لا ينافسوا الأوربيين في الوظائف, إذا ما تابعوا التعليم العادي.
*أهداف الفرنسيين من سياستهم التعليمية: كان الهدف المعلن والخفي من السياسة التعليمية الفرنسية التي طبقتها في الجزائر هو : دعوى نشر الحضارة – و- الإدماج
أ-دعوى نشر الحضارة: لقد تم رسم سياسة أوربية مشتركة، مؤداها أن الغرب, باعتباره
مشروعا حضاريا, عليه أن ينقذ الأمم التي هي دونه تحضرا بمساعدتها على الارتـقاء إلى درجة المدنية في تجلياتها العامة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
هكذا أدعى الفرنسيون أنهم جاؤوا لنشر الحضارة والتمدن بين أوساط الشعب الجزائري
المتخلف, والذي يعيش حياة جمود وخمول, أي أن فرنسا جاءت إلى هذه البلاد وهي تحمل رسالة حضارية "وأنها بهذا العنوان تتحمل مسؤولية التنوير والتحرير والتقدم. وكان مدنيوها وعسكريوها ورجال دينها ومستوطنوها يرددون هذا الشعار آناء الليل وأطراف النهار / وعندما جهز الفرنسيون الحملة العسكرية على الجزائر سنة 1830 أفهموا بقية الأوربيين أنهم ذاهبون للقضاء على القرصنة الهمجية, التي هي النقيض للتحضر والتمدن. وقد وعد الجنرال قائد الحملة الفرنسية الشعب الجزائري بالقضاء على النظام الدكتاتوري التركي, واستبداله بنظام ديموقراطي عادل, يسمح للناس بالدخول إلى عالم أكثر عدلا وتفتحا وتحضرا. لقد ادعى الفرنسيون أن استعمالهم للتعليم هو من أجل إخراج الأهالي من ظلمات الجهل والبربرية إلى نور العلم والمدنية, وتحبيب الحضارة الغربية لدى الناشئة. وأخَذَ المعلم الفرنسي دور الريادة في هذا المجال, لإبراز مزايا الحضارة الغربية وتوجيه الجيل الجديد للامتثال بالأوربيين، والتنصل من تراثهم الذي ينتمي في نظرهم إلى أمة متعصبة. وقد اتضح للفرنسيين أن التعليم هو السبيل الأول للتآلف معهم, وبواسطة هذا التعليم يمكن "تكوين عناصر قيادية, تعمل على تثبيت وجودهم والعمل تحت سلطتهم... تقوم مقامهم ليكون الجزائريون أتباعا وعبيدا للأسياد, يحترمون الحضارة الأوربية ويتبعونها .وقد وظف الاستعمار كل إمكانياته، من أجل الإستراتيجية الاستعمارية لإظهار غموض تاريخ الشعب الجزائري، وفقر إسهاماته الحضارية وسلبيتها, وفي المقابل أظهر للمتعلمين قوة الحضارة الأوربية وعظمتها , ووجوب تقليدها والعمل على منوالها . الجزائري المتخلف, والذي يعيش حياة جمود وخمول, أي أن فرنسا جاءت إلى هذه البلاد وهي تحمل رسالة حضارية "وأنها بهذا العنوان تتحمل مسؤولية التنوير والتحرير والتقدم. الإدمـاج: كانت السياسة العامة لفرنسا هي إلحاق الجزائر بفرنسا أرضا وسكانا, تحت
شعارات متعددة, منها: أن "البحر الأبيض المتوسط يقسم فرنسا كما يقسم نهر السين مدينة باريس", أو: "من دانكرك إلى تامنراست". وإذا كان إلحاق الأرض سهلا -وتم بعد الانتصار العسكري ميدانيا-فإن دمج المجتمع الجزائري هو العقبة الكأداء. كان على الفرنسيين إتباع
أساليب مختلفة لتحويل هذا المجتمع ليصبح أوربيا أو ملحق بالأوربي. وكان لابد من اتباع سياسة الفرنسة والتنصير لإذابة الشعب الجزائري في الكيان الفرنسي. فقد جعلت السلطات الفرنسية من اللغة الفرنسية وسيلة لتحقيق الغزو الفكري والروحي للشعب الجزائري، استكمالا لاحتلال الأرض. وبهذا كانت "الهيمنة الثقافية, وهي أشد ما تكون مكرا وخداعا, لا يمكن إلا أن تكون أشد ضررا وأكثر فسادا, وأعمق أثرا من السيطرة السياسية والعسكرية. لقد كان تأسيس المدارس من قبل السلطات الفرنسية يهدف إلى دمج المجتمع الجزائري المسلم بالمجتمع الفرنسي, والقضاء على مقدسات الشعب الأساسية، عن طريق نشر اللغة الفرنسية، والقضاء على اللغة العربية, ذلك ما صرح به أحد الضباط الفرنسيين "روفيغو" ROVIGO في رسالة نشرها "فيرو" في كتابه "المترجمون في الجيش الفرنسي", حيث يقول: "إن إيالة الجزائر لن تكون حقيقة من الممتلكات الفرنسية إلا بعد أن تصبح لغتنا لغة قومية فيها, وحتى تتأقلم فيها الفنون والعلوم التي يقوم عليها مجد بلادنا... والمعجزة التي ينبغي تحقيقها هي إحلال اللغة الفرنسية محل اللغة العربية تدريجيا, ومتى كانت اللغة الفرنسية لغة السلطة والإدارة فإنها سوف لا تلبث أن تنتشر بين الأهالي, ولا سيما إذا وجدت مدارسنا إقبالا من الجيل الجديد."
وفي إطار سياسة فرق تسد, ومن أجل الوصول إلى نتائج أسرع, ركز الفرنسيون جهودهم على منطقة القبائل, وظهرت كتابات عديدة منذ السنوات الأولى للاحتلال, مؤداها أن سكان
هذه المنطقة هم أقرب إلى الأوربيين منهم إلى العرب, وعليه يجب فرنستهم وإعادتهم إلى النصرانية التي كانت سائدة بينهم خلال العهد الروماني. وفي 12 فيفري 1873 اقترح الضابط العسكري قائد دائرة الأربعاء ناث إيراثن في تقريره للحاكم العام دي قيدون De Gueydon مخططا لفرنسة المنطقة, يتضمن إلغاء المدارس "العربية الفرنسية"
FRANCO-MUSULMAN نهائيا, وخلق مدارس بلدية فرنسية, واستعمال كل الوسائل لإبعاد تأثير الزوايا، من أجل جعل المنطقة تحت السلطة الكاملة للفرنسيين . وقد مَنح الحاكم العام هذا كل التسهيلات للكاردينال لافيجري، من أجل فتح مدارس حرة في هذه المنطقة.
وهكذا أنشأ الآباء البيض مدارس عديدة في المنطقة, ودعا بعض
القساوسة الحاكم العام إلى أن تتولى الحكومة العامة نفسها الإشراف على هذه المدارس. وبعد شد ورد فيمن يتكفل بهذه المدارس, هل هي البلديات أم الحكومة العامة أم الوزارة, صدر مرسوم 9 نوفمبر 1881, الذي قرر إنشاء ثمان مدارس في منطقة القبائل تابعة لوزارة التعليم الفرنسية .وقد تخرج فعلا من هذه المدارس المختلفة جزائريون تِباعا, مختصون في الصحافة والتعليم والترجمة والقضاء والإمامة وغيرها, أي أن تلك الدراسات لم يكن التعليم بها "تثقيفيا بل لتحضير بعض الإداريين والمترجمين في الإدارة الجزائرية قصد التعجيل بالاندمـاج." قد كان الإدماج معناه جعل الجزائريين متساوين مع الأوربيين في كل المجالات, والتمتع بحق التعليم وتولي الوظائف بالطرق التي يخولها القانون الفرنسي أصلا, وأن يكون إقليم الجزائر جزء من الأراضي الفرنسية، منقسم إلى مديريات ومقاطعات، بالتقسيم نفسه الذي تخضع له الأراضي الفرنسية. ونظرا لمعارضة المعمرين، وبعض الساسة الفرنسيين, لم تطبق سياسة الدمج الكاملة بين الجزائريين والفرنسيين, بل طبقت عليهم سياسة عنصرية، كان الهدف منها القضاء على العنصر الأهلي، أو طرده نحو الأراضي الفقيرة والصحراوية لأنه منحط ومتخلف. كما طبقت عليه سياسة سميت بقانون الأهالي الذي صدر بعد اندلاع مقاومة 1871 ووسع مجاله بعد اندلاع مقاومة 1881 طبقا لقانون 28/6 الذي أعقبه إنشاء المحاكم الردعيةTribunaux répressives بناء
على مرسوم 29-3-1902 وقد أدت السياسة الفرنسية إلى تغيير أسماء بعض المدن والقرى, إلى جانب تسمية الشوارع بأسماء فرنسيين كان لهم البون الكبير في إخضاع الجزائر واحتلالها, كما أن السجل المدني الذي أنشئ سنة 1882أفضى إلى تزويد الجزائريين بألقاب جديدة لزمتهم آخر الأمر.
نتائج هذه السياسة :
استطاعت المدرسة الفرنسية, عن طريق سياستها التعليمية, التي شوهت تاريخ الجزائر, وقدمت التاريخ الفرنسي على أنه التاريخ الوطني, أن تكوّن فئة من الجزائريين انفصلت
عن شعبها, وتنكرت لأمتها, واندمجت في الحضارة الأوربية, وتجنست بالجنسية الفرنسية, ودافعت عنها دفاعا مستميتا, وبخاصة منذ مطلع القرن العشرين.ورغم هذا فإن هذه الفئة التي دعيت بـ "النخبة" لم تجد مكانها بين الفرنسيين, لأن هؤلاء لم يكونوا ينظرون إليهم كفرنسيين حقيقيين, بل كرعايا أو مواطنين من الدرجة الثانية.
المحاضرة الثالثة:
التعليم الجزائري بعد الإستقلال:
تطور النظام التربوي الجزائري بعد الاستقلال:فقد قسمت الفترة من 1962 إلى 2008 إلى 4 مراحل هي:
1/مرحلة 1962 إلى 1970
- تنصيب لجنة إصلاح التعليم
- التوظيف المباشر للممرنين والمساعدين
- توسيع شبكة المرافق التربوية
- اللجوء إلى عقود التعاون مع الأشقاء والأصدقاء لسد الحاجة
- تأليف الكتب وتوفير الوثائق التربوية
2/ مرحلة 1970 إلى1980
- صدور أمرية 76/35 المتعلق بتنظيم التربية والتكوين في الجزائر
- تجديد مضامين المناهج وتعميم التعليم المتعدد الشعب
- تنصيب امتحان شهادة التعليم المتوسط
- استحداث ميكانيزمات فعالة في توجيه التلاميذ
- سياسة الجزأرة
مرحلة 1980 إلى 2003 3/
- تعميم المدرسة الأساسية
- إصلاح التعليم الثانوي وإعادة هيكلته
- تعديل مناهج التعليم
- صدور القانون الأساسي الخاص لعمال قطاع التربية
4/ مرحلة 2003 إلى 2006
- تنصيب اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم
- دخول الإصلاح حيز التنفيذ
- تنصيب اللجان المتخصصة لإصلاح المناهج
التطور الهيكلي :
أهمية الهيكلة : أن الهيكلة التنظيمية لأية وزارة أو قطاع أو مؤسسة ، تهدف إلى تحقيق غايات عديدة نوجزها فيما يلي :
- الحكمة والتحكم في التسيير .
- تحديد المسؤولية في إطار المهام المسندة للموظف .
- تقسيم المهام حسب الكفاءات والتخصصات .
- التنسيق بين مختلف المديريات سوء كانت مركزية أو فرعية .
- التكفل بجميع القضايا المتعلقة بالجانب التربوي والتعليمي عندما يتعلق الأمر بالمؤسسة ذات الطابع التربوي .
- تمكين المديرين والمسيرين من الإلمام الشامل بمختلف القضايا في حدود اختصاصاتهم وصلاحياتهم .
مراحل هيكلة النظام التربوي : مر بعدة مراحل وهي :
1/المرحلة الأولى من 1962 إلى 1976 : " المرحلة التأسيسية "
* من سنة 1962 إلى سنة 1976 : - مرحلة التعليم الابتدائي: بــ 06 سنوات ويختم بامتحان في السنة السادسة ويمر التلميذ إلى التعليم العام .
*مرحلة التعليم العام : مدته 04 سنوات ويختم بشهادة التعليم العام والأهلية BEG et AHLIA
2/ المرحلة الثانية من 1976 إلى 2002 :
* من سنة 1976 إلى سنة 2002: مرحلة التعليم المتوسط : مدته 04 سنوات ويختم بشهادة التعليم المتوسط .
3/ المرحلة الثالثة من 2002 إلى اليوم
أ/ من سنة 1981 إلى سنة 2002 : مرحلة التعليم الأساسي مدته 03 سنوات ويختم بشهادة التعليم الأساسي .
ب/ من سنة 2002 إلى اليوم :مرحلة التعليم المتوسط مدته 04 سنوات ويختم بشهادة التعليم المتوسط .
التطور الكمي والنوعي :
قامت الجزائر بعد الاستقلال بمجهودات جبارة في مقدمتها الاهتمام بالمشاريع التعليمية وذلك:
- تمكين أطفال الجزائر من التعليم وبناء الأجيال الصاعدة على أسس جديدة فأصبح عدد الطلاب في المدارس الأساسية والثانوية أكثر من ثمانية ملايين ونصف مليون تلميذ يشرف عليهم أكثر من نصف مليون مدرس وإداري ، تحتضنهم 23الف مدرسة منها 1500 مدرسة خاصة بالتعليم الثانوي .
- أما مؤسسات التعليم فهي موجودة على مستوى كل بلديات القطر، وفي جميع القرى وحتى التجمعات السكانية البسيطة تتمتع بمدارسها الخاصة ولا توجد منطقة في الجزائر لا يستطيع أطفالها الالتحاق بالمدرسة فأصبح التعليم إلزامياً ومجانياً للجميع .
لقد تضاعف التعداد العام بــ 10 مرات منذ 1962 ليصل 8500.000 تلميذ وهذا يعني أن 4/1 سكان الجزائر هم حاليا في المدرسة, حيث وصلت نسبة التمدرس 97 بالمائة وهذا بفضل فترة التمدرس الإجباري من 06 إلى 09 سنوات بالإضافة إلى ذلك فإن الجزائر قد تبنت مبدأ ديمقراطية التعليم ومجانيته وإلزاميته زفي الوقت ذاته عملت على تجسيد خيار تعريب التعليم وجزأرة التأطير في مختلف المستويات . غير أن النمو الكمي للتربية قد واجهته صعوبات واختلالات أثرت على نوعية التعليم الممنوح وكذا على مردود المنظومة التربوية ككل , مما أدى إلى ضعف وتدني النتائج والمكاسب المحصل عليها بفضل مجهودات الدولة.
لكن الاتجاهات والتغيرات العالمية في المجال الاقتصادي والمعرفي وغيرها من التطورات ، أوجبت أن تجرى بعض الإصلاحات في القطاعات الثقافية والتربوية ، للتماشي مع معطيات العصر ، فالنجاح في تحقيق التعليم للجميع في الجزائر لم يعد كافياً ، بل لا بد من الاهتمام أكثر بالجانب النوعي للتعليم .
الآفاق المستقبلية للنظام التربوي في الجزائر
مر النظام التربوي في الجزائر بمراحل عدة من الاستقلال إلى اليوم تخللته عدة إصلاحات مست عدة جوانب تربوية بيداغوجية مهنية . وهذه الآفاق تسطر وتخطط على ضوء الواقع الميداني والحقيقي وما يطرح المجتمع من اهتمامات وقضايا تساهم في التمسك بالهوية الوطنية والشخصية الوطنية .بالإضافة إلى الاستجابة للوضع الجديد المتمثل في التحولات الداخلية والعالم الخارجي .
• تعزيز دور المدرسة كعنصر لإثبات الشخصية الجزائرية وتوطيد وحدة الشعب الجزائري
• ضمان ترقية القيم ذات العلاقة بالإسلام والعروبة والأمازيغية والمحافظة عليهاوتتمثل في :
1/ الإسلام كدين وثقافة وحضارة
2/ العروبة كلغة , كحضارة , كثقافة
3/ الأمازيغية كلغة وكثقافة وكتراث
أما في الميدان التربوي فتتمثل الآفاق في :
1/ تعميم الرقمنة في ميدان التسيير لجميع المجالات
2/ تعميم مخابر اللغات
3/ تعميم استعمال تقنيات الإعلام والاتصال
4/ منح التلاميذ ثقافة علمية وتكنولوجية حقيقية
5/ تعزيز مكانة تدريس اللغات الأجنبية في النظام التعليمي الجزائري سواء للتحكم فيها كلغات حية أو باعتمادها لغات تدريس في المواد العلمية والتكنولوجية خصوصا حتى يمكن للطالب من الاطلاع على المعلومات والمعارف من مصادرها الأصلية وفي وقت اكتشافها .
6/ تطوير تعليم اللغات الأجنبية لتمكين التلميذ الجزائري من التحكم الحقيقي في لغتين أجنبيتين عند نهاية التعليم الأساسي.
7/ القضاء على نظام الدوامين في كل مدارس التراب الوطني .
8/ تحسين نسب النجاح في الامتحانات المدرسية بقدرمعتبر ما بين 70 إلى 80 بالمائة.
9/ العمل على تجانس وتحسين معايير التمدرس داخل الولاية الواحدة وبين ولايات الوطن والتقليص من نسب التسرب المدرسي.
المحاضرة الرابعة:
المبادئ التربوية وتنظيم المسار الدراسي
حدد الدستور الجزائري المبادئ التي تحكم النظام التربوي الجزائري:
المادة 53 من الدستور جعلت من التعليم حقا مضمونا ومجانيا لكل طفل في سن التمدرس إلى أن يبلغ من العمر 16 سنة.
التعليم من صلاحيات الدولة وحدها حيث ترصد له جزءا كبيرا من ميزانيتها.
لا تتحمل العائلات نفقات تمدرس أبنائها ما عدا ما يتعلق بالكتب المدرسية التي تباع بسعر مدعم من الدولة.
يستفيد التلاميذ من منحة خاصة بالدخول المدرسي.
يتميز النظام التعليمي بالمركزية فيما يتعلق بالبرامج والمناهج والمواقيت التعليمية.
بيد أنه يتميز باللامركزية في تسيير المؤسسات والمستخدمين.
أقر القانون رقم 08-04 المؤرخ في 23 يناير، المتضمن القانون التوجيهي للتربية الوطنية، من خلال مواده 10، 11، 12، 13 و14 الحق في التعليم:
“المادة 10 : تضمن الدولة الحق في التعليم لكل جزائرية وجزائري دون تمييز قائم على الجنس أو الوضع الاجتماعي أو الجغرافي.
المادة 11 : يتجسد الحق في التعليم بتعميم التعليم الأساسي وضمان تكافؤ الفرص في ما يخص ظروف التمدرس ومواصلة الدراسة بعد التعليم الأساسي.
المادة 12 : التعليم إجباري لجميع الفتيات والفتيان البالغين من العمر ست (6) سنوات إلى ست عشرة (16) سنة كاملة.
غير أنه يمكن تمديد مدة التمدرس الإلزامي بسنتين (2) للتلاميذ المعوقين كلما كانت حالتهم تبرر ذلك.
تسهر الدّولة بالتعاون مع الآباء على تطبيق هذه الأحكام.
يتعرض الآباء أو الأولياء الشرعيون المخالفون لهذه الأحكام إلى دفع غرامة مالية تتراوح من خمسة آلاف (5.000) دج إلى خمسين ألف (50.000) دج.
تحدد كيفيات تطبيق هذه المادة عن طريق التنظيم.
المادة 13 : التعليم مجاني في المؤسسات التابعة للقطاع العمومي للتربية الوطنية، في جميع المستويات.
تمنح الدولة، علاوة على ذلك، دعمها لتمدرس التلاميذ المعوزين بتمكينهم من الاستفادة من إعانات متعددة، لاسيما فيما يخص المنح الدراسية والكتب والأدوات المدرسية والتغذية والإيواء والنقل والصحة المدرسية
تنظيم أطوار التعليم
إن إصلاح المنظومة التربوية أعاد تنظيم التعليم الإلزامي بإقامة كيانين متمايزين بوضوح يتمثلان في: المدرسة الابتدائية ومؤسسة التعليم المتوسط.
وهكذا، تم تخفيض مدة طور التعليم الابتدائي من 6 إلى 5 سنوات مع إدخال مرحلة التربية التحضيرية والعمل على تعميمها بالتدرج، وتمديد مدة طور التعليم المتوسط من 3 إلى 4 سنوات.
التربية التحضيرية
تشكل التربية التحضيرية مقوّما قاعديا في تربية الأطفال وتحضيرهم للالتحاق بالتعليم الابتدائي، بإتاحة الفرصة لهم للتعلم وتطوير قدراتهم البدنية والذهنية والابتكارية والنفسية الاجتماعية. إنها ترمي كذلك إلى تطوير شخصيتهم وإيقاظ حسهم الجمالي وجعلهم يكتسبون المهارات الحسية الحركية وكذا العادات الحميدة التي تعدهم للحياة الجماعية كما ترمي أيضا إلى إكسابهم العناصر الأولى للقراءة والكتابة والحساب.
المحاضرة الخامسة:
الأهداف العامة في نظام التعليم:
كل نظام تربوي من الأنظمة التربوية على وجه الأرض له أهدافه الخاصة والعامة التي يسعى لتحقيقها. والتي يستمدها من المرجعية الفلسفية والاجتماعية التي يقوم عليها هذا المجتمع بما تحمله من موروث ثقافي يمتد في عمق تاريخها الحضاري والإنساني. غير أن هناك أهداف عامة يسعى كل نظام تربوي إلى تحقيقها رغبة في تحقيق التربية المثالية للفرد والمجتمع وعلى كافة المستويات المعرفية والنفسية والوجدانية والمهارية. تكون محصلة ذلك النمو والتطور المنشود, ويمكن تحديد هذه الأهداف فيما يلي:
1ــ التكيف الاجتماعي للفرد :
إن التربية تعد الوسيلة الفعالة للتنشئة الإجتماعية سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة لذلك كان للتربية عند القدامى أو المحدثين أهمية كبيرة. حيث نظر إليها العديد من الفلاسفة والمفكرين على أنها القائد لحياة ناجحة وفعالة بل هي الحياة نفسها. فهي تضمن للفرد القدرة على التكيف مع المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه.
فالتربية هي عملية رعاية الطفل وإنماء قابليته بإشراف الكبار. والكبار حين يفعلون ذلك إنما يضعون نصب أعينهم المجتمع الذي يعيش فيه ذلك الطفل. الذي سوف يعيش فيه وإلى شروط الحياة الإجتماعية فيه وعاداته وتقاليده وثقافته.
ان الأجيال المتعاقبة بحاجة إلى تربية لتحقيق الانسجام والتكيف والتوافق مع مجتمعاتها وكذلك مع المجتمعات الأخرى. فعملية التواصل والمثاقفة ضرورة كمضادات مناعية لتحصين جسم الأمة من الانحلال والاضمحلال في الآخر لان هذا لا يتحقق إذا لم يؤدي النظام التربوي دوره كاملاً في هذه العملية.
2 ــ اكتساب المهارات الأساسية:
يسعى أي نظام تربوي من خلال مناهجه التربوية وآلياته المستعملة في النطاق المدرسي من أجل تزويد المتعلمين بالقدرة على القيام بمجموعة من المهارات التي تعينهم في مزاولة الأنشطة المختلفة للحيا., داخل المدرسة وخارجها حسب المرحلة العمرية والقدرات العقلية التي يتمتعون بها, إلى جانب الجوانب المعرفية التي يحصلون عليها.
فقد حددت منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم (اليونيسكو) جملة من الأهداف يسعى النظام التربوي لتحقيقها ليتمكن الأفراد من أداء وظائفهم على أكمل وجه. لكي يكون الأفراد قادرين على القيام بالوظائف المطلوبة منهم في المجتمع لابد من إدخال تحسينات على نوعية تعليمهم من حين لآخر. فالنظام التربوي يسعى من خلال التربية لتحقيق جملة من الأهداف تتمحور حول عدة محاور أهمها (التعليم للمعرفة, التعليم للعمل, تعلم لتكون, التعليم للتكيف البيئي).
كما يساهم ويساعد في توجيه المتعلمين مع مراعاة التلاؤم بين كل مرحلة عمرية والمناهج المعدة لها. بما يتوافق مع النضج الجسمي والعقلي والاجتماعي يتم ذلك عن طريق معرفة معدل نمو الأطفال في الجوانب المختلفة. وتوجيههم نحو المهنة أو الدراسة الملائمة لمستوى هذا النضج حتى لا يواجه هذا المتعلم إحباطات نتيجة فشله في أداء عمله أو في عدم النجاح في الدراسة. إذا كانت غير ملائمة لنموه الجسمي أو العقلي, أو لا تتفق وميوله واتجاهاته.
جديد المنطلقات :
- إدراج البعد الأمازيغي في النظام التربوي
- التخلي عن الاختيار الاشتراكي
*جديد التنظيم :
- فتح مجال للخواص لإنشاء المدارس
- تحديد فترة التعليم ألإكمالي إلى أربع سنوات
- تقليص مدة التعليم الابتدائي بسنة واحدة
المحاضرة السادسة:
العوامل المؤثرة في نظام التعليم في الجزائر:
يتأثر النظام التعليمي في أي دولة من الدول بمجموعة من العوامل الناجمة عن الأوضاع الداخلية لهذه الدولة، وقد يكون بعضها قادماً من الخارج، وهذه العوامل قد تكون جغرافية أو اقتصادية أو عرقية أو فلسفية أو لغوية أو أخلاقية أو دينية بالإضافة إلى عوامل أخرى يفرضها الأخذ بالأساليب العلمية في معالجة قضايا التعليم.
وقد اتفق جميع دارسي التربية المقارنة على أهمية العوامل المتقدمة وأثرها الكبير في نشأة وتطور النظم التعليمية وسيرها في اتجاه معين وأخذها بحلول معينة في مواجهة مشكلاتها التعليمية، وتتفاعل هذه العوامل فيما بينها في تأثيرها على النظم التعليمية، كما تؤثر النظم في تلك العوامل أيضاً، وفيما يلي بيان لأهم العوامل التي تؤثر في النظم التعليمية:
1- العامل الجغرافي: تؤثر العوامل الجغرافية تأثيراً كبيراً على مستوى الثقافة والحضارة والتعليم بصفة عامة، فعلى سبيل المثال فإن الدولة الزراعية تؤكد على مبادئ التعليم الزراعي في أنظمتها التعليمية، كما تعنى الدول الصناعية بدراسة التكنولوجيا والصناعة، كما يؤثر المناخ على النظام التعليمي من حيث طول الإجازة صيفاً وشتاءاً.
2- العامل الاقتصادي: ينبع النظام الاقتصادي في أي دولة من ظروفها الخاصة حيث يتحدد في ضوء النظام الاقتصادي طبيعة النظام التعليمي وأهدافه ففي الدول الاشتراكية سابقاً كانت الدولة هي المالك للنشاط الاقتصادي بأكمله ومن ثم أثر هذا الأمر على توجهات النظم التعليمية في تلك البلاد من حيث ملكية الدولة لكل شيء وضرورة حماية الأفراد لهذه الملكية، أما في البلاد الرأسمالية التي تسود فيها الملكية الفردية ويؤكد فيها على حقوق الأفراد بالدرجة الأولى فإن التعليم يسعى إلى التأكيد على هذا التوجه ويترجمه بصورة عملية كالتنوع في المدارس من عامة إلى خاصة.
ويمكن القول بأن هناك علاقة تبادلية بين النظام الاقتصادي والنظام التعليمي فتنظيم التعليم ومحتواه وانتشاره وتطوره يتأثر بالعوامل الاقتصادية السائدة في المجتمع كما يؤثر التعليم من حيث نوعه ودرجته على مستوى معيشة الفرد ورفاهية المجتمع، فالتطور التعليمي سمة من سمات المجتمعات المتقدمة مادياً ومتطلب رئيس من متطلباتها بينما يعتبر التخلف التعليمي سمة من سمات المجتمعات المتخلفة اقتصادياً، كما تقوم الدول المتقدمة اقتصادياً بتخصيص نسبة من دخلها القومي للإنفاق على التعليم بما يحقق لأفرادها المزيد من التقدم والرفاهية.
3- العامل العرقي: يؤثر العامل العرقي على الأنشطة التعليمية في كثير من الأحيان ولاسيما عند سيطرة عرق ما على مقاليد الأمور في بلد ما، ومن أمثلة ذلك: فرضت الدول الاستعمارية أنظمتها التعليمية على البلاد التي استعمرتها بحجة تفوقها العرقي بالإضافة إلى أسباب أخرى والتي تكون في كثير من الأحوال وراء فرض تلك الدول لنظمها التعليمية على الآخرين.
4- العامل الاجتماعي: يتأثر النظام التعليمي بالنظرة السائدة للعلاقة بين الفرد والمجتمع.
ففي المجتمعات الرأسمالية يعتبر تحقيق حاجات ورغبات وميول الأفراد غاية في ذاتها انطلاقاً من اعترافها بحرية الفرد وحقه في التعبير عن اختلافاته عن الآخرين، وباعتبار أن إتاحة المجتمع الفرص لنمو أفراده سوف يؤدي إلى رفاهية المجتمع وبالتالي لا يملك المجتمع الرأسمالي الحق في الضغط على أفراده لتوجيههم إلى مسارات تعليمية تتعارض مع ميولهم.
أما في المجتمعات الاشتراكية فقيمة الفرد فيها تستمد من الوظيفة التي يؤديها للمجتمع ولا قيمة له إذا انفصل عنه، ومن ثم يصبح لأهداف المجتمع الأولية على أهداف الفرد وميوله وحاجاته، ونظام التعليم في المجتمع الاشتراكي يحرص على تربية المواطن المنتمي للمجتمع أكثر من تربية الفرد، ومن ثم يربى الأفراد منذ نعومة أظفارهم على تقديم أهداف المجتمع، أما عند الاختلاف بينهما فإن على الفرد أن يتنازل عن أهدافه من أجل تحقيق أهداف المجتمع.
5- العامل الديني: كان للعامل الديني وما زال أثره الواضح على التعليم، فقد كان لظهور المسيحية ثم الإسلام أثره الكبير على انتشار التعليم، ففي أوربا المسيحية قبل عصر الإصلاح الديني كان المحور الأساس للتعليم بالنسبة لفئات المثقفين من رجال الدين والمحامين والأطباء والمعلمين هو الدين المسيحي وفقاً للمذهب الكاثوليكي، كما أدى ظهور المذهب البروتستانتي إلى توسيع أكثر في التعليم.
6- العامل السياسي: تؤثر البيئة السياسية في المجتمع على نطاق التعليم فيه ويمكن النظر إلى البيئة السياسية فيه من منظورين رئيسيين:
المنظور الأول: وضع السلطة السياسية في المجتمع والتي يمكن أن تكون في يد حاكم مطلق أو في يد أقلية أو في يد غالبية أفراد الشعب ممثلة في الحزب السياسي ولكل حالة من الحالات الثلاثة أثرها الواضح على النظام التعليمي.
المنظور الثاني: النظام السياسي، وهو إما أن يكون نظاماً ديموقراطياً يتميز بالتعدد الحزبي ومن أمثلته النظم السياسية الموجودة في الغرب،وإما أن يكون نظاماً جماعياً يقوم النظام السياسي فيه على فكرة الحزب الواحد وتمثل هذه السياسات المجتمعات الاشتراكية، ولكل من هذه النظم السياسية أثارها الكبيرة في النظام التعليمي.
7- العوامل المتصلة بالإنسانية: ويقصد بها الدعوة إلى تحرير الإنسان من الخرافات في تفسير أحداث الحياة واللجوء إلى الأسلوب العلمي،وقد انتشر هذا المذهب في القرون الأخيرة وهو يؤكد أن الإنسان هو المستهدف في كل الأشياء وهو مقياس كل شيء، وقد أدى انتشار هذا المذهب إلى فصل الدولة عن الكنيسة، وقد اتضح هذا العامل في فرنسا في القرن السابع عشر ميلادي حيث أصبحت الدولة منوطة بالتعليم ومسؤولة عنه، كما ظهر أثره في بريطانيا في تغيرات المناهج ثم تطورت نظرة الدول لعامل الإنسانية وقد اتضح في هذه الأيام أثر هذا العامل في تطوير وتحديث النظم التعليمية في بلدان المختلفة.
8- العامل التاريخي: فبالرغم من أن التربية المقارنة تركز اهتمامها على دراسة نظم التعليم أو المشكلات التربوية المعاصرة إلا أن فهم هذه المشكلات والتوصل إلى حلول لها يتطلب تتبع جذورها التاريخية القريبة والبعيدة، فالإنجازات أو أوجه القصور في الماضي تمثل الوسيلة الأساسية لفهم الحاضر، والصلة الوثيقة بين مشكلات الحاضر وجذورها التاريخية تعد أساساً لفهم هذه المشكلات والتعامل معها.
- Teacher: ATTAB HAMIMI
ا.د عطاب حميمي
مقياس التربية البيئية
السنة الثالثة تربية خاصة
المحاضرة الاولى:
مفهوم التربية البيئية
ما هو مفهوم التربية البيئية وما الذي تسعى إليه ؟
عرفت جامعة أليوني الأمريكية التربية البيئية Environmental Education بأنها نمط من التربية يهدف الى معرفة القيم وتوضيح المفاهيم وتنمية المهارات اللازمة لفهم وتقدير العلاقات التي تربط بين الإنسان وثقافته وبيئته البيوفيزيائية. كما إنها تعني التمرس على إتخاذ القرارات ووضع قانون للسلوك بشأن المسائل المتعلقة بنوعية البيئة.
وعرفها القانون العام للولايات المتحدة بإنها عملية تعليمية تعني بالعلاقات بين الإنسان والطبيعة، وتشمل علاقة السكان والتلوث، وتعدد السكان والتلوث، وتوزيع الموارد، وإستنفاذها، وصونها، والنقل، والتكنولوجيا، والتخطيط الحضري والريفي مع البيئة البشرية الكلية.
وتُعرف التربية البيئية أيضاً بأنها:
* التعلم من أجل فهم وتقدير النظم البيئية بكليتها، والعمل معها وتعزيزها.
* التعلم للتبصر بالصورة الكلية المحيطة بمشكلة بيئية بعينها من نشأتها ومنظوراتها وإقتصادياتها وثقافاتها والعمليات الطبيعية التي تسببها والحلول والمقترحة للتغلب عليها.
* أنها تعلم كيفية إدارة وتحسين العلاقات في الإنسان وبيئته بشمولية وتعزيز. وهي تعلم كيفية إستخدام التقنيات الحديثة وزيادة إنتاجيتها، وتجنب المخاطر البيئية، وإزالة العطب البيئي القائم، وإتخاذ القرارات البيئية العقلانية.
* عملية تكوين القيم والإتجاهات والمهارات والمدركات اللازمة لفهم وتقدير العلاقات المعقدة التي تربط الإنسان وحضاراته بمحيطه الحيوي الفيزيقي والمحافظة على مصادر البيئة.
والتربية- من وجهة نظر الأستاذين رشيد الحمد ومحمد صباريني- هي عملية بناء وتنمية للإتجاهات والمفاهيم والمهارات والقدرات والقيم عند الأفراد في إتجاه معين لتحقيق أهداف مرجوة. والتربية بذلك تكون بمثابة إستثمار للموارد البشرية يعطي مردوداً ديناميكياً في حياة الأفراد وتنمية المجتمعات. وفي هذا المفهوم للتربية، فان التربية البيئية هي عملية تكوين القيم والإتجاهات والمهارات والمدركات اللازمة لفهم وتقدير العلاقات المعقدة التي تربط الإنسان وحضارته بالبيئة التي يحيا بها، وتوضيح حتمية المحافظة على موارد البيئة ضرورة حسن إستغلالها لصالح الإنسان، وحفاظاً على حياته الكريمة ، ورفع مستويات معيشته.
أما التربية البيئية فهي، باختصار، الجانب من التربية، الذي يساعد الناس على العيش بنجاح على كوكب الأرض، وهو ما يعرف بالمنحى البيئي للتربية. كما تعرف التربية البيئية على أنها تعلم كيفية إدارة وتحسين العلاقات بين الإنسان وبيئته بشمولية وتعزيز.وتعني التربية البيئية ايضاً تعلم كيفية إستخدام التقنيات الحديثة وزيادة إنتاجيتها، وتجنب المخاطر البيئية، وإزالة العطب البيئي القائم، واتخاذ القرارات البيئية العقلانية.
وتُعد التربية البيئية إتجاهاً وفكراً وفلسفة، هدفها تسليح الإنسان في شتى أرجاء العالم بـ (خلق بيئي) أو ( ضمير بيئي) يحدد سلوكه وهو يتعامل مع البيئة في أي مجال من مجالاتها.." الخلق البيئي" يجب ان يكون العامل المؤثر في إتخاذ القرارات البيئية مهما كان مستواها.. بناء مدينة، أو إنشاء جسر، أو شق طريق، أو بناء سد، أو إقامة مصنع، أو إصطياد سمك في نهر، أو التخلص من القمامة المنزلية،أو التنزه على شاطئ البحر أو في حديقة عامة..وحتى القرارات الأكبر على المستوى السياسي والإقتصادي، يجب ان تحسب حساباً للبيئة في إطارها العالمي لأن المصالح البشرية واحدة، ومستقبل الجنس البشري واحد.. " الخلق البيئي" معناه ان يعي الإنسان الوحدة والتكامل البيئي في عالمنا المعاصر، حيث يمكن ان تترتب على القرارات التي تتخذها البلاد المختلفة، وعلى مناهج سلوكها، اَثار على النطاق الدولي.. الخلق البيئي أو الضمير البيئي الذي تهدف التربية البيئية الى إيجاده أو تنميته عند كل إنسان في المجتمع العالمي، يعني أن يتكيف الإنسان من أجل البيئة، لا ان يستمر في تكييف البيئة من أجله- الخلق البيئي،بإختصار، معناه " التعايش مع البيئة"، وبذلك تسهم التربية البيئية في حماية البيئة...
وتسعى التربية البيئية- بحسب الأستاذ راتب السعود - الى إعداد الأفراد ليكونوا متوافقين مع بيئتهم، ويتمثل ذلك في تعليم الفرد كي يكون قادراً على القراءة والكتابة Literate وفهم الأرقام، وإستعمالها Numerate وفهم نظم البيئة الطبيعية المعقدة التي هو جزء منها، وإستخدامها بمسؤولية وتعزيز Ecolate. ويعتبر الشرط الأخير من خصائص الإنسان المربي Educated الهدف الأساسي للتربية البيئية التي تسعى الى إعداد الفرد الإنساني للعيش الآمن في كوكب الأرض. ومن هنا تتضح العلاقة الوثيقة بين التربية والبيئة، والتي أفرزت مجالاً تربوياً له أصوله ومبرراته وفلسفته وأهدافه ومحتواه ومستلزمات تعليمه وتقويمه، ألا وهو التربية البيئية Environmental Education.
الى ذلك يضيف الأستاذان الحمد وصباريني بان التربية البيئية تسعى الى إيجاد وعي وطني بأهمية البيئة بالنسبة لمتطلبات التنمية الأقتصادية والإجتماعية والثقافية بحيث تؤدي الى إشراك السكان كافة طوعاً لا كرهاً، وبطريقة مسؤولة وفعالة، في صياغة القرارات التي تمس نوعية البيئة بكافة مكوناتها.وتهدف التربية البيئة أخيراً الى إيجاد وعي على أهمية التكامل البيئي في العالم المعاصر.
ويدعو الأستاذان بشير عربيات و أيمن مزاهرة الى التفريق بين التثقيف البيئي والتوعية البيئية. فالأول غير الثاني.وإذا كان الوعي البيئي يندرج في سياق حملات الإرشاد السريعة، فالتثقيف أو التربية البيئية هي أحد علوم البيئة المتعددة العناوين والمراحل، والذي يقتضي له برامج متخصصة ضمن جداول زمنية يشارك فيها الجميع بدون إستثناء كل من نطلق عمله وطموحاته.
المحاضرة الثانية:
لمحات من مسيرة التربية البيئية وتطورها
تعكس الأدبيات المتوفرة التي تتناول مسيرة التربية البيئية وجهتي نظر تختلفان قليلاً، وهما:
وجهة النظر الأولى، ويتبناها العديد من الباحثين، ومنهم الأستاذة رشيد الحمد وحمد صباريني وعصام الحناوي، وغيرهم،وتؤكد بان "التربية البيئية" ليست حديثة العهد، وإنما لها أصولها القديمة، لكنها إكتسبت أهمية أكبر في الآونة الأخيرة نتيجة لأنبثاق الوعي بالمشكلات البيئية الكبرى.. كالمشكلة السكانية، ومشكلة الطاقة، ومشكلة الغذاء، ومشكلة التلوث، ومشكلة إستنزاف الموارد..الخ.
ووفقاً لوجهة النظر هذه، ظل مفهوم التربية البيئة وثيق الصلة في تطوره بمفهوم البيئة ذاتها وبالطريقة التي كان ينظر بها اليها.وقد إنتقل من نظرة الإقتصار، بصفة اساسية،على تناول البيئة من جوانبها البايولوجية والفيزيائية، الى مفهوم اوسع مدى، يتضمن جوانبها الأقتصادية والأجتماعية والثقافية. وقد بَرزَ ما يوحد بين هذه العوامل المختلفة من ترابط.. بيد ان التربية كانت دائماً ترتبط بالبيئة على نحو ما،ذلك لأن الإنسان كان يعد لمواجهة الحياة في المجتمعات القديمة، وحتى اليوم، في قطاعات كبيرة من سكان الريف، من خلال تجارب وثيقة الصلة بالطبيعة. وما برحت النظم التربوية الحديثة تتخذ لمناهجه، الى حد ما،أهدافاً ومضامين لها علاقة بالبيئة،حتى وان كانت تنظر اليها من جوانبها البايولوجية والفيزيائية بصفة اساسية.
وكان ذلك هو واقع الحال، بوجه خاص، بالنسبة للمواد الدراسية المتصلة بعلوم الحياة، التي كان كل منها يُعالََج، علاوة على ذلك، بصورة منفصلة ودون تنسيق. وفي هذا الأطار التقليدي كان يًنتظر من الدارس ان يؤلف بين المهارات المكتسبة بنفسه، ويستخلص منها نظرة شاملة عن الواقع البيئي، ويدرك كنه العلاقات القائمة بين عناصره المتباينة.وقد كان هذا (التعلم) يتسم في الغالب بالتجريد والإنفصال عن الواقع البيئي الذي من المفروض ان يكون هدفاً للدراسة.كما كان يسرف في إقتصاره على تقديم بعض المعارف عن الطبيعة، متجاهلاً في كثير من الأحيان دوره في إحياء وتطوير سلوكه، والإحساس بالمسؤولية إزاء الطبيعة. ولم يكن مفهوم البيئة ذاته، وقد أختزل الى جوانبه الطبيعية وحدها، كافياً لتقدير الدور الذي يمكن للعلوم الإجتماعية ان تنهض به من أجل فهم البيئة البشرية وتحسينها.
وجهة النظر الثانية يجسدها إعتقاد سائد لدى الكثيرين، وفحواه ان المشكلات والقضايا البيئية هي مشكلات وقضايا عرفناها حديثاً- منذ منتصف القرن الماضي.الخبير البيئي الدولي د.عصام الحناوي لا يتفق مع هذا الإعتقاد، مؤكداً بأن الدراسات العلمية المتعمقة توضح بان المشكلات البيئية لازمت الحياة على سطح الأرض منذ بدايتها.. وقد أوضح العلماء تغير الظروف البيئية الطبيعية، خلال العصور الجيولوجية المختلفة، تغيراً كبيراً،أدى الى إنقراض أنواع كثيرة من أنواع الحياة النباتية والحيوانية، وظهور أنواع جديدة، فيما أسماه داروين بعملية الإختيار الطبيعي. وكانت بعض التغيرات البيئية قوية، بحيث أدت الى فناء كامل للديناصورات، مثلاً، منذ 65 مليون سنة، فيما عرف بانه أضخم فناء حدث لنوع من أنواع الحياة في التأريخ.في كل هذا كانت العوامل البيئية الطبيعية هي المتحكمة في بقاء أو إنقراض أنواع الحياة.
ومع بداية الإنسان الأول بدأت مرحلة التفاعل بينه وبين البيئة الطبيعية المحيطة به.فقد عاش الإنسان الأول على صيد الحيوانات، وجمع النباتات ليأكل، وإستخدم في ذلك أدوات حجرية مختلفة، وسكن الكهوف، وإكتشف كيف يوقد النار.وكان دائم التجوال بحثاً عن المأكل.وعندما بدأ الإنسان الأول يشعر ان نشاطاته أدت الى نقص شديد في أعداد الحيوانات، التي كان يقوم بإصطيادها،وفي مساحة النباتات التي كان يجمعها، شرع في تغيير أنماط حياته، وإتجه الى الإستقرار في مستوطنات بشرية بدائية، وتعلم إستئناس وتربية الحيوانات، وزراعة النباتات منذ أكثر من 10 اَلاف سنة.
وهكذا إستبدل الإنسان الأول حياة التجوال والصيد والجمع، المرهقة والمحفوفة بالمخاطر، بحياة الإستقرار الأكثر أماناً لتلبية حاجاته الأساسية، وتعلم مهارات مختلفة، مثل صنع الأواني من الفخار، وبناء المأوى، ثم صناعة الأدوات الحديدية والنحاسية وغيرها- كما هو معروف من الحضارات القديمة في مصر ووادي الرافدين وإيران وتايلند منذ نحو 7 اًلاف سنة.
وخلال تلك الأزمنة القديمة أدت أنشطة الإنسان الى بعض المشكلات البيئية، خاصة في النظم الطبيعية لإنتاج الغذاء، مثل تدهور التربة، بسبب الرعي الجائر، وإزالة الأشجار، وغيرها. ولقد كان هذا التدهور شديداً في بعض المناطق، حتى أنه أدى الى إندثار حضارات بأكملها، مما دفع الإنسان الى تعلم صون الطبيعة..فتم صون بعض الحيوانات طبقاً لمعتقدات دينية، وحرمت بعض المعتقدات قطع الأشجار والنباتات، وبدأت جماعات كثيرة تتعلم كيف تؤقلم حياتها وتسد حاجاتها بالتنسيق مع الظروف البيئية المحيطة بها. فالبداوة التقليدية،مثلاً، تمثل صورة حية للهجرة الموسمية التي تتحكم فيها ظروف البيئة الطبيعية( وفرة الماء، وبالتالي عشب المراعي)، كما تمثل التفاعل الحساس والمتوازن بين الإنسان البدوي وبيئته الصحراوية، وكيف أنه إستطاع لقرون طويلة الحفاظ على التوازن بين متطلباته وقدرة البيئة الصحراوية على التحمل وإعادة التأهل.وهناك أمثلة كثيرة توضح لنا كيف ان البدو في مناطق الصين الوسطى، ودول شمال أفريقيا، وغيرها، كانوا يعرفون أين، ومتى يحطون الرحال، ومتى، والى أين يرحلون مرة أخرى..
منذ نحو 2500 سنة، كتب علماء الأغريق عن العلاقة بين الإنسان والبيئة المحيطة به، وكيف ان الإنسان بسلوكه وأفعاله يمكن ان يؤثر بالإيجاب او السلب في هذه البيئة.ففي حدود عام 350 قبل الميلاد أعلن أفلاطون مخاطباً عشيرته:" ان معظم العلل الإجتماعية والبيئية التي تعانون منها هي تحت سيطرتكم، على ان تكون لديكم العزيمة والشجاعة لكي تغيروها".وكان أفلاطون أول من نادى بأن الذي يحدث تدهوراً في البيئة، عليه ان يتحمل نفاقات إعادة تأهيلها. فذكر في كتاب " القوانين":"إن الماء يمكن تلويثه بسهولة، ولذا فانه يتطلب حماية القانون.ومن يقوم بتلويث الماء بقصد،عليه ان ينظف البئر او الجدول، بالإضافة الى تعويض المتضررين من هذا التلوث".
وتجدر الإشارة هنا الى ان هذا المبدأ هو أساس ما يعرف اليوم بمبدأ " من يلوث عليه ان يتحمل نفقات إزالة التلوث!"..
والواقع، تتوفر أدلة قوية على أن التربية البيئية ليست حديثة العهد، بل لها جذورها القديمة في ثقافات الشعوب.وثمة رأي يُرجِع نشأة التربية البيئية الى القرن التاسع عشر، من خلال ربط التربية بالطبيعة، وتلقي الأديان السماوية على عاتق الإنسان مسؤولية إستثمار الطبيعة والعناية بها، معتبرة ان سوء إدارة الطبيعة إثم كبير شأنه في ذلك شأن الخطايا الأخلاقية، وأن الإهتمام بالطبيعة ورعايتها هو فضيلة أخلاقية أساسية، داعية الإنسان على نحو واضح وصريح الى التعاطف مع الطبيعة، وعدم إساءة إستخدامها، الى جانب تحبيب الطبيعة الى الإنسان وتقربه منها، وجعل ما بين الإنسان والطبيعة إنسجاماً والفة ومودة..
بيد أن التربية البيئية، كفكر وممارسة وتطبيق، إكتسبت محتواها العلمي، كجزء متمم للعلوم البيئية، وتطورت على نحو كبير، في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، بفضل الحركة المتنامية والمتصاعدة لأنصار البيئة وحماتها،وتحت تأثير الأنشطة، وخاصة المؤتمرات العلمية الدولية التي كرست للبيئة ومشكلاتها..
المحطات الرئيسية لتطور مسيرة التربية البيئة وتأثيرات المؤتمرات الدولية في هذه المسيرة
أدناه أبرز المؤتمرات البيئية الدولية، التي عقدت خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، وأهم نتائجها بأختصار:
1- مؤتمر ستوكهولم 1972- إعترف بدور التربية البيئية في حماية البيئة.
2- ميثاق بلغراد 1975- وضع إطاراَ شاملاً للتربية البيئية، وحدد أسس العمل في مجالها.
3- مؤتمر تبليسي 1977- وضع مبادئ وتوجهات للتربية البيئية.
4- مؤتمر موسكو 1987- وضع إستراتيجية عالمية للتربية البيئية.
5-مؤتمر ريو دي جانيرو 1992- أكد على إعادة تكييف التربية البيئية ناحية التنمية المستدامة، وزيادة الوعي البيئي العالم، وتعزيز برامج التدريب البيئي.
المحاضرة الثالثة
أهداف التربية البيئية
مع أن التربية البيئية ليست حديثة العهد، بيد أنه منذ عهد قريب بدأ الإهتمام بدمج البيئة صراحة في عملية التعليم، ولكن بإعطاء الأوليات والعناية بالمشكلات التي تتعلق بحماية الموارد الطبيعية والحياة النباتية والحيوانية، او ما يتصل بهما من موضوعات.
إن الأهداف، او الأسس، أو المنطلقات للتربية البيئية، عديدة، وتشمل ما يلي:
بما ان المشكلات البيئية تتسم بالتعقيد، فينبغي أن تواجه بمجالات المعرفة المختلفة.ويتعين النظر للمشكلات البيئية في سياقها المحلي،أولاً، ومن ثم العالمي،حتى يدرك الفرد حجم المشكلات، ويقتنع بها وبخطورتها.فالتربية البيئية تكون أكثر تاثيراً في الأفراد عندما توضح لهم.والسلوك الظاهر للناس تجاه البيئة يعتمد على المعارف والقيم التي يمتلكونها.
وكان ميثاق بلغراد،الذي تمخض عن الندوة الدولية التي عقدت في العاصمة اليوغسلافية في تشرين الأول/أكتوبر 1975، قد شرح غايات وأهداف التربية البيئية كونها تهدف الى تمكين الإنسان من فهم ما تتميز به البيئة من طبيعة معقدة نتيجة للتفاعل بين جوانبها البايولوجية والفيزيائية والإجتماعية والثقافية.. ولابد لها بالتالي من ان تزود الفرد والمجتمعات بالوسائل اللازمة لتفسير علاقة التكافل التي تربط بين هذه العناصر المختلفة في المكان والزمان بما يسهل توائمهم مع البيئة ويساعد على إستخدام موارد العالم بمزيد من التدبير والحيطة لتلبية إحتياجات الإنسان المختلفة في حاضره ومستقبله. وينبغي للتربية البيئية كذلك ان تسهم في خلق وعي وطني بأهمية البيئة لجهود التنمية، كما ينبغي لها ان تساعد على إشراك الناس بجميع مستوياتهم وبطريقة مسؤولة وفاعلة في صياغة القرارات التي تنطوي على مساس بنوعية بيئتهم بمكوناتها المختلفة، وفي مراقبة تنفيذها.. ولهذه الغاية ينبغي للتربية البيئية ان تتكفل بنشر المعلومات عن مشروعات إنمائية بديلة لا تترتب عليها اَثار ضارة بالبيئة، الى جانب الدعوة الى إنتهاج طرائق للحياة تسمح بإرساء علاقات متناسقة معها.
ومن غايات التربية البيئية أيضاً تكوين وعي واضح بالتكامل البيئي في عالمنا المعاصر حيث أنه يمكن ان تترتب على القرارات، التي تتخذها البلدان المختلفة، وعلى مناهج سلوكها، اَثار على النطاق الدولي.
وثمة دور بالغ الأهمية للتربية البيئية من هذه الناحية يتمثل في تنمية روح المسؤولية والتضامن بين بلاد العالم، بصرف النظر عن مستوى تقدم كل منها، لتكون اساساً لنظام يكفل حماية البيئة البشرية وتطويرها وتحسينها.
ان بلوغ هذه الغايات إنما يفترض تكفل العملية التربوية بنشر معارف وقيم وكفايات عملية ومناهج سلوك من شأنها ان تساعد على فهم مشكلات البيئة وحلها..
فبالنسبة للمعارف يتعين على التعليم ان يوفر الوسائل اللازمة وبدرجات متفاوتة في تعميقها وخصوصياتها تبعاً لتباين جماهير المتعلمين لإدراك وهم العلاقات القائمة بين مختلف العوامل البايولوجية والفيزيائية والإجتماعية والإقتصادية التي تتحكم بالبيئة من خلال اَثارها المتداخلة في الزمان والمكان. وإذ يقصد من هذه المعارف ان تسفر عن تطوير مناهج السلوك وأنشطة مؤاتية لحماية البيئة وتحسينها، فمن الضروري ان يتم تحصيلها قدر الإمكان عن طريق وضع البيئات الخاصة موضع الملاحظة والدراسة والتجربة العلمية..
وفيما يتعلق بالقيم ينبغي للتربية البيئية ان تطور مواقف ملائمة لتحسين نوعية البيئة، فلا سبيل الى إحداث تغيير حقيقي في سلوك الناس إتجاه البيئة إلا إذا أمكن لغالبية الأفراد في مجتمع معين ان يعتنقوا، عن إرادة حرة ووعي، قيم أكثر إيجابية، تصبح أساساً لأنضباط ذاتي. ولهذه الغاية ينبغي للتربية البيئية ان تسعى الى توضيح وتنسيق ما لدى الأفراد والمجتمعات من إهتمامات وقيم أخلاقية وجمالية وإقتصادية بقدر ما لها من تأثير على البيئة..
أما عن الكفايات العملية،فان الهدف هو تزويد كافة أفراد المجتمع،أي مجتمع، بمجموعة بالغة التنوع من الكفايات العلمية والتقنية، تسمح بإجراء أنشطة رشيدة في مجال البيئة، وذلك عن طريق الإستعانة بأساليب متعددة، تتفاوت في درجة تعقيدها. والمقصود بوجه عام هو إتاحة الفرصة في كافة مراحل التعليم المدرسي وغير المدرسي لأكتساب الكفايات اللازمة للحصول على المعارف التي تتوافر في البيئة، والتي تسمح بالمشاركة في إعداد حلول قابلة للتطبيق على المشكلات الخاصة بالبيئة وتحليلها وتقييمها، ذلك لأن القيام بصورة مباشرة ومحدودة بأنشطة ترمي الى حماية البيئة وتحسينها هو خير وسيلة لتنمية هذه الكفايات .
وتشكل هذه الأهداف كلها عملية تربوية موحدة، حيث لا طائل يرجى من أنشطة تربوية ترمي الى تحقيق أهداف معينة بصورة مشتتة، وجزئية. ولا يجدي ذلك كثيراً في تطوير نهج جديد شامل تجاه البيئة.
يشير د. غازي أبو شقراء الى أن أهداف التربية البيئية حددت بما يلي:
تعزيز الوعي والإهتمام بترابط المسائل الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والبيئية (الإيكولوجية) في المناطق المدينية والريفية.
إتاحة الفرص لكل شخص لإكتساب المعرفة والقيم والمواقف وروح الإلتزام والمهارات الضرورية لحماية البيئة وتحسينها.
خلق أنماط جديدة من السلوك تجاه البيئة لدى الأفراد والجماعات والمجتمع ككل.
ودعا أبو شقراء الى إسترشاد التربية البيئية بالمبادئ التالية:
1- البيئة وحدة متكاملة- بجوانبها الطبيعية، والتي صنعها الإنسان- وكذلك بجوانبها التكنولوجية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية والأخلاقية والجمالية.
2- التربية البيئية عملية متواصلة مدى الحياة، تبدأ في مرحلة ما قبل المدرسة وتستمر في جميع المراحل التربوية النظامية وغير النظامية.
3- الأخذ بمنهج جامع بين فروع المعرفة يستعين بالمضمون الخاص لكل فرع منها لتيسير التوصل الى نظرة شمولية متوازية.
4- التعرف الى القضايا البيئية الكبرى من منظور محلي وقومي وإقليمي ودولي.
5- التركيز على الأوضاع البيئية الحالية والمحتملة مع مراعاة الإطار التأريخي لهذه الأوضاع.
6- تعزيز التعاون على الصعيد المحلي والقومي والإقليمي والدولي في تلافي المشكلات البيئية والإسهام بحل هذه المشكلات.
7- أن تؤخذ صراحة بعين الإعتبار الجوانب البيئية في مخططات التنمية والتطوير.
8- الربط بين الحس البيئي ومعرفة البيئة والمهارات الكفيلة بحل مشكلاتها وتوضيح القيم المتعلقة بها في كل مرحلة من مراحل العمر.
9- مساعدة الدارسين على إكتشاف أعراض المشكلات وأسبابها الحقيقية.
10- التأكيد على تشعب المشكلات ومن ثم ضرورة تنمية الفكر النقدي والمهارات الكفيلة بحل المشكلات.
11- إستخدام بيئات متنوعة للتعلم، ومجموعة كبيرة من النماذج التربوية، في التعلم والتعليم عن البيئة، مع التأكيد على الأنشطة العملية والتجارب المباشرة.
وتناول أ.د. راتب السعود هذه الأهداف بتفصيل أكثر،موضحاً بأنه على الرغم من ان للتربية البيئية أصولها القديمة إلا أنها إكتسبت أهمية خاصة منذ السبعينات من القرن العشرين نتيجة لحدوث وعي بالمشكلات البيئية الكبرى التي بدأت تؤثر بعمق في نوعية الحياة البشرية، وتهدد مستقبل الأجيال، مثل الإنفجار السكاني، والتلوث، وإستنزاف الموارد الطبيعية، إذ إنطلقت التربية البيئية من إعتراف مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة البشرية، الذي عقد في ستوكهولم/السويد عام 1972، بدور التربية كركن من أركان المحافظة على البيئة، فأصدر المؤتمر التوصية 96 التي دعت اليونسكو خاصة، ووكالات الأمم المتحدة الأخرى عامة، الى إتخاذ التدابير اللازمة لبرنامج جامع لعدة فروع علمية للتربية البيئية في المدرسة وخارجها، من حيث الإهتمام بالبيئة وحمايتها، ويوجه الى جميع قطاعات السكان. وكانت هذه التوصية اساساً ومنطلقاً ومبدأ هادياً إستندت إليه اليونسكو في تحديد الأهداف الخمسة التالية للبرنامج الدولي للتربية البيئية الذي ترعاه بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وهي:
1-تشجيع تبادل الأفكار والمعلومات والخبرات المتصلة بالتربية البيئية بين دول العالم وأقاليمه المختلفة.
2- تشجيع تطوير نشاطات البحوث المؤدية الى فهم أفضل لأهداف التربية البيئية ومادتها وأساليبها، وتنسيق هذه النشاطات.
3- تشجيع تطوير مناهج تعليمية وبرامج في حقل التربية البيئية وتقويمها.
4- تشجيع وتدريب وإعادة تدريب القادة المسؤولين عن التربية البيئية، مثل المخططين والباحثين والإداريين والتربويين.
5- توفير المعونة الفنية للدول الأعضاء لتطوير برامج في التربية البيئية.
كيف السبيل لبلوغ أهداف التربية البيئية ؟
عن هذا السؤال يجيب رشيد الحمد ومحمد سعيد صباريني بان بلوغ هذه الأهداف يتطلب عملية تربوية تستطيع:
- تأمين المعرفة الخاصة بالعلاقات بين مختلف العوامل البيولوجية والفيزيائية والاجتماعية التي تتحكم في البيئة، من خلال أثارها المتداخلة، تكون قادرة على تطوير مناهج للسلوكن وإستحداث نشاطات مناسبة، من خلال الملاحظة والدراسة والتجريب لصيانة البيئة.
- تطوير مواقف ملائمة لتحسين نوعية البيئة عن طريق إحداث تغيير حقيقي في سلوك الناس إتجاه بيئتهم، بحيث يؤدي ذلك الى إيجاد الشخصية المنضبطة ذاتياً والتي تتصرف في البيئة بروح المسؤولية.
- الإستعانة بأساليب شتى لتزويد الناس بمجموعة متنوعة من الكفايات العملية والتقنية التي تسمح بإجراء أنشطة رشيدة في البيئة.ويمكن تحقيق ذلك عن طريق أتاحة الفرصة في كافة مراحل التعليم (النظامي وغير النظامي) لإكتساب الكفايات القادرة على كسب المعارف المتوفرة عن البيئة، تكون قادرة بالفعل للإسهام في وضع حلول قابلة للتطبيق لمشكلات البيئة.
المحاضرة الرابعة:
البعد التربوي التربية البيئية
يعتبر البعد التربوي Educational Dimension من ابعاد مشكلة التلوث البيئي التي لها أهمية كبيرة، وذلك من خلال نشر الوعي البيئي المرتكز على أخلاقيات بيئية Educational Ethics تدعو الجميع لضرورة الإنتماء الى هذه القرية الكونية بإيجابية وتفاؤل.وإن نقطة إنطلاق الإهتمام في هذا الجانب بدأت من مؤتمر ستوكهولم، الذي عقد خلال الفترة ما بين 5-16 حزيران / يونيو 1972 تحت عنوان " عالم واحد فقط !"، حيث تضمن المؤتمر إن الإنسان صنيع بيئته وصانعها في اَن واحد. وإن بين المجتمع والبيئة علاقة وثيقة، فهي معيله الطبيعي الذي يوفر له فرصة للنمو الفكري والإجتماعي والروحي.
وتهدف التربية البيئية كمفهوم الى بناء المواطن الإيجابي الواعي بمشكلات البيئة، وتنمية الوعي بأهمية البيئة، وتنمية القيم الإجتماعية، ودراسة المشكلات البيئية، وتحليلها، من خلال منظور القيم، وتنمية المهارات اللازمة لفهم وتقدير العلاقات التي تربط بين الإنسان وبيئته البيوفيزيائية.وتهدف ايضاً الى تنمية أخلاق بيئية تسعى الى إيجاد التوازن البيئي ورفع مستوى المعيشة للأفراد، وتنمية مفهوم جماهيري اساسي للعلاقات الإنسانية والتفاعلات البيئية ككل،بالأضافة الى تزويد المواطنين بمعلومات دقيقة وحديثة عن البيئة ومشكلاتها بهدف معاونتهم على إتخاذ القرارات السليمة لإسلوب التعايش مع البيئة وتوعية المجتمع، وبأن من حق كل مواطن إتخاذ القرارات بشأن المشكلات البيئية.
ويقع على عاتق التربية البيئية مسؤوليات ضخمة لتحقيق التعاون بين الدول لتوفير حياة كريمة لكل البشر، عن طريق الإستغلال العلمي للموارد المتاحة، وتوجيه الإهتمام الى المشكلات البيئية المعاصرة، وضرورة دراسة المشكلات الناجمة عن التغيرات التكنولوجية التي احدثها الإنسان وكانت لها اَثار سيئة على الأنظمة البيئية، كالتلوث.
وتتمثل مسؤولية التربية البيئية أيضاً في دراسة المشكلات البيئية وتحليلها من خلال منظور شامل وجامع لفروع المعرفة يتيح فهمها على نحو سليم.كما دعت ندوة بلغراد عام 1975 الى أهمية التربية البيئة التي تهدف الى تكوين جيل واع مهتم بالبيئة وبالمشكلات المرتبطة بها، ولديه المعارف والقدرات العقلية، والشعور بالإلتزام، بما يتيح له ان يمارس، فردياً أو جماعياً، حل المشكلات القائمة، وأن يحول بينها وبين العودة للظهور.
ومن هنا فان التربية البيئية أصبحت بعداً مهماً من ابعاد حل مشكلة التلوث البيئي من خلال غرسها لأخلاقيات بيئية عند الأفراد.وفي هذا الإتجاه يقول ليوبولد- أستاذ البيئة الشهير:"إننا نحقق فكرة أخلاقية-المحافظة على الأرض حين ننظر على أنها مجتمع ننتمي إليه.وبذلك يمكننا أن نستخدم الأرض بطريقة تنم عن الحب والإحترام".
والتربية البيئية المرتكزة على وعي بيئي كبير وأخلاق بيئية رفيعة، كفيلة في أن تسهم في الحد من التلوث وتدهور الحياة، بالإضافة الى دور العقيدة التربوية في غرس القيم الإيمانية والسلوكيات الإيجابية للتعامل مع البيئة.
المحاضرة الخامسة:
خصائص التربية البيئية وسماتها
تتسم خصائص التربية البيئية بجملة من السمات يوجز رشيد الحمد ومحمد صباريني أبرزها بالتالي:
* التربية البيئية تتجه عادة الى حل مشكلات محدودة للبيئة البشرية عن طريق مساعدة الناس على إدراك هذه المشكلات.
* التربية البيئية تسعى لتوضيح المشكلات البيئية المعقدة وتؤمن تظافر أنواع المعرفة اللازمة لتفسيرها.
* التربية البيئية تأخذ بمنهج جامع لعدة فروع علمية في تناول مشكلات البيئة.
* التربية البيئية تحرص على ان تنفتح على المجتمع المحلي إيماناً منها بأن الأفراد لا يولون إهتمامهم لنوعية البيئة ولا يتحركون لصيانتها أو لتحسينها بجدية وإصرار إلا في غمار الحياة اليومية لمجتمعهم.
* التربية البيئية تسعى بحكم طبيعتها ووظيفتها لتوجه شتى قطاعات المجتمع الى بذل جهودها بما تملك من وسائل لفهم البيئة وترشيد إدارتها وتحسينها، وهي بذلك تأخذ بفكرة التربية الشاملة المستديمة والمتاحة لجميع فئات الناس.
* التربية البيئية تتميز بطابع الإستمرارية والتطلع الى المستقبل.
إن التربية البيئية تعد إستجابة للأزمة البيئية التي تواجه البشرية.وهي تتناول حالات واقعية، توجب المشاركة في دراستها.وتأخذ أهداف التربية البيئية المعرفية بالمنحى التداخلي.والتربية البيئية ذات طابع كلي في توجهاتها.وتضمن الفعل في تعاملها مع المشكلات البيئية.وتستخدم، بشقيها الطبيعي الصناعي، وسطاً للتعلم.وتبحث عن البدائل في دراسة الحالات البيئية.وتسعى الى تبني المدخل القيمي الذي يعني تلازم بناء أنماط سلوكية تساعد بالمحافظة على البيئة.وتهتم باسس الأختيار بين بدائل الحالات البيئية.وتهدف التربية البيئة الى تطوير مهارات حل المشكلات البيئية.
وهي جهد لا ينبغي ان يترك للتربويين لوحدهم، بل هو جهد مجتمعي تشترك في تحقيقه كافة الجهود، الرسمية منها والأهلية.والتربية البيئية ليست فكراً نظرياً، ولا وجهات نظر، بل هي علم تطبيقي يتجلى بالفعل والممارسة.
وكان ميثاق بلغراد في عام 1975 قد اشار الى ان السعي الى تحقيق الغايات والأهداف التي عرضناها يضفي على عملية التعلم خصائص معينة، ويتطلب توافر شروط معينة فيها، سواء في ما يتعلق بتصميم مضمون التربية وتنظيمه، أو بأساليب التعليم والتعلم وطريقة تنظيم هذه العملية.وقد تكون أهم سمة لهذه التربية هي كونها تتجه الى حل مشكلات محدودة للبيئة الإنسانية، فهدفها معاونة الناس أياً كانت الفئة التي ينتمون اليها، وأياً كان مستواهم، على إدراك المشكلات التي تقف حائلاً دونما فيه خيرهم كأفراد وجماعات، وتحليل أسبابها، وتقييم الطرق والوسائل الكفيلة بحلها.وهي تهدف كذلك الى إشراك الفرد في وضع تحديد إجتماعي للأستراتيجيات والأنشطة الرامية الى حل المشكلات التي تؤثر على نوعية البيئة.وإذا كانت توجد اليوم مشكلات بيئية كثيرة، فمرد ذلك، في جانب منه، الى أن قلة ضئيلة من الناس كانوا قد أعدوا لتبني مشكلات تتسم بالتحديد والتعقيد، فضلاً عن إبجاد حلول فاعلة لها.وقد اساء التعليم التقليدي، بإفراطه في التجريد وعدم التناسق، إعداد الأفراد لمواجهة ما يطرأ على واقعهم من تعقيدات متغيرة ، في حين ان التربية، التي تتخذ من مشكلات بيئية محدودة محوراً لها، تتطلب، على العكس، تظافر المعارف بشتى جوانبها لتفسير الظواهر الواقعة المعقدة. ومع ذلك تبرز سمة أخرى من سماتها الأساسية، وهي كونها تأخذ بمنهج جامع لعدة فروع علمية في تناول مشكلات البيئة.
والواقع أنه يحسن لفهم هذه المشكلات على نحو سليم ان تكون على البيئة، من وجوه الترابط القائمة بين الظواهر والأوضاع السائدة، والتي كان أتباع نهج يعتم على فرع واحد من فروع العلوم، سينحو الى تجزأتها. فالنهج الجامع لعدة فروع علمية يتجاهل الحدود الفاصلة بين العلوم التخصصية، ويعنى بأعطاء نظرة أكثر شمولاً وابعد عن التبسيط للمشكلات الماثلة، إذ انه لا يتمثل في البدء بوضع العلوم المختلفة جنباً الى جنب، ولكن في فهم العملية فهماً شاملاً قبل التطرق الى تحليل إحدى المشكلات الخاصة وحلها.. على ان التوصل الى تربية جامعة لعدة فروع علمية بصورة حقة يشكل مطلباً صعباً، ينبغي ان نسعى الى تحقيقه تدريجياً.. ويفترض لذلك ان تقوم إتصالات ميسرة بين المعلمين بفضل ما يتلقاه المختصون من تدريب جديد ووضع نظام ملائم للتعليم يأخذ في أعتباره الروابط الفكرية والمنهجية بين فروع العلم على إختلافها. وتدعو الحاجة الى وضع تعليم يستجيب للإحتياجات الإجتماعية إستجابة فاعلة للتنويه بإحدى الخصائص الرئيسية الأخرى للتربية البيئية وهي إنفتاحها على المجتمع المحلي المعين. فليس يفترض في التربية، التي تهدف الى حل مشكلات بيئية محددة، ان تعمل على تنمية المعارف والمهارات وحسب، بل وان تعمل أيضاً، وبوجه أخص، على تطوير عرف محلي يمارس في بيئات محددة، ومن التحقق ان الأفراد والجماعات لا يولون إهتمامهم لنوعية البيئة، ولا يتحركون لحمايتها او تحسينها بعزم وإصرار إلا في غمار الحياة اليومية لمجتمعهم المحلي، وحين يواجهون ما يعترض سبيلهم من مشكلاتها.. ولهذا النهج الجماعي أهمية لأنه من الجلي ان كثيراً مما يسمى بالمشكلات الوطنية لا يعدو كونه حصيلة مشكلات فردية وان كانت مشتركة بين عدة مجتمعات محلية في وقت واحد.. وإذا أمكن حل مشكلات معينة تخص أحد المجتمعات المحلية فاننا نكون قد قطعنا بذلك، في الوقت نفسه، شوطأ صوب تحسين البيئة لصالح مجتمع أوسع نطاقاً مثل القطر او المنطقة. ويتطلب تحسين نوعية البيئة من ناحية أخرى، توفر الإدارة السياسية اللازمة، ونهوض شتى قطاعات المجتمع ببذل جهود لدعمها بكفاياتها وبما تملكه من وسائل متعددة. ذلك ان التظافر الحقيقي بين قدرات المعرفة وغيرها من العناصر، مثل القيم، والنظرة الجمالية، والمهارات العملية في إطار الجهود المنسقة، ومشاركة الأفراد داخل مختلف الجماعات والمرافق التي يتكون منها المجتمع المحلي، سيؤدي الى فهم البيئة وترشيد إدراتها وتحسينها.
وهناك، في النهاية، جانب اَخر، من الجوانب الأساسية للتربية البيئية، وهو ما تتميز به طابع الإستمرارية والتطلع الى المستقبل.فحتى وقت قريب من تأريخ الإنسانية كان التغيير في الإطار الإجتماعي والثقافي والطبيعي للحياة يحدث ببطء، وكان من الميسور في ظروف كهذه ان يتعلم أبناء الأجيال الجديدة قيم اَباءهم ومعارفهم، وان ينقلوها الى أبنائهم، وهم على يقين من ان هذا التراث الثقافي سيكون كافياً لضمان تلاءمهم مع المجتمع.. ومنذ الثورة الصناعية وخلال النصف الثاني من القرن العشرين بوجه أخص تعرض هذا الإطار لهزة عنيفة، فقد أدى التقدم الباهر، الذي أحرزته المعارف العلمية وتطبيقاتها التكنولوجية، الى مضاعفة سيطرة الإنسان على بيئته، وتزايد سرعة التغيرات التي تعرضت لها. وفي يومنا هذا، تتغير البيئة الطبيعية والمبنية، في مختلف جوانبها، بسرعة بالغة، مما يسفر عن ظهور نظم إقتصادية وإجتماعية وثقافية جديدة، ومن تولد مشكلات جديدة دون إنقطاع. وأصبحت المعارف والتقنيات تتغير للمرة الأولى في تأريخ الإنسان خلال فترة تقل عن عمر الفرد..إذاً لا مناص لتربية تهدف الى حل مشكلات البيئة من ان تتسم في هذا السياق بطابع الإستمرار، ولكي لا تتخلف المعارف التي يكتسبها الناس ضماناً لأستمرار فاعلية الأنشطة الجارية يتعين على التربية البيئية ان تحرص دائماً على إعادة صياغة توجهاتها ومضمونها وأساليبها، وان تعنى في ذات الوقت بان ان تكون المعارف المتاحة لمختلف الفئات مستوفية بصورة دائمة مع تطويعها للأوضاع الجديدة بإستمرار.. وهي تتدرج بهذه الصفة في إطار التربية المستديمة.
- Teacher: ATTAB HAMIMI