- Enseignant: RAHMANI HASSIBA

- Enseignant: Zakaria BOUAMAMA
بحوث في مقياس النظرية العامة للجريمة
البحث 01
بحث مبدأ الشرعية في القانون الجزائي
المبحث الأول:مفهوم و تاريخ مبدأ الشرعية الجزائية
المطلب الأول : تعريف مبدأ الشرعية الجزائية
المطلب الثاني : نشأة مبدأ الشرعية
المبحث الثاني : أهمية مبدأ الشرعية الجزائية و نتائجه
المطلب الأول : أهمية مبدأ الشرعية الجزائية
المطلب الثاني : نتائج مبدأ الشرعية الجزائية
المبحث الثالث : تقييم مبدأ الشرعية و موقف المشرع الجزائري
المطلب الأول : تقييم مبدأ الشرعية
المطلب الثاني : موقف المشرع الجزائري
خاتمة
المقدمة
يحدد النص في قانون العقوبات و القوانين المكملة له الأفعال المحظورة، التي بعد اقترافها بشروط معينة جريمة من الجرائم و تتعدد هذه النصوص بتعدد الأفعال التي يحظرها القانون، و تسمى نصوص التجريم، فالفعل لا يمكن اعتباره جريمة إلا إذا انطبق عليه أحد هذه النصوص .
و معنى ذلك، أن النصوص المذكورة هي التي تحدد كل الجرائم و تحتكرها فلا يجوز لغيرها من النصوص القانونية أن تشاركها في هذا العمل و بذلك ينحصر التجريم و العقاب في نصوص قانون العقوبات
– و القوانين المكملة له- الذي عليه أن يحدد ماهية الجرائم بدقة و يبين عقوباﺗﻬا، و ﺑﻬذا الحصر ينشأ مبدأ أساسي يسمى بمبدأ قانونية الجرائم و العقوبات أو مبدأ شرعية الجرائم و العقوبات و مقتضى هذا المبدأ أن الجريمة لا ينشؤهاإلا نص قانوني و أن العقوبة لا يقررها إلا نص قانوني و على هذا الأساس يتبادر إلى ذهننا عدة تساؤلات و لعل أهمها :
ما المقصود من هذا المبدأ و ما مدى أهميته في اﻟﻤﺠتمع؟ و ما موقف المشرع الجزائري من هذا المبدأ فهل تراه يدعمه أم يرفضه؟
و هو ما سنحاول دراسته في بحثنا هذا الذي ارتأينا تقسيمة إلى ثلاثة مباحث و هي كالآتي :
في المبحث الأول سوف نتعرف إلى مفهوم مبدأ المشروعية الجزائية و نشأته أما في المبحث التالي سوف نثحدث عن أهميته و نتائجه كما خصصنا مبحثا ثالثا لتقييم المبدأ و موقف المشرع الجزائري منه.
المبحث الاول : مفهوم و تاريخ مبدأ الشرعية الجزائية.
تتحقق الجريمة بالفعل الصادر عن الإنسان فيتخذ صورة مادية معينة، و تختلف الأفعال المادية باختلاف نشاطات الإنسان، و هذا ما يجعل المشرع يتدخل لتحديد الأفعال الضارة أو الخطرة على سلامة اﻟﻤﺠتمع فنهى بموجب نص قانوني جزائي يجرم هذه الأفعال و يحدد عقوبة من يأتي على ارتكاﺑﻬا و للتفصيل أكثر قررنا تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين.
بالمطلب الأول سنحاول أن نوضح مفهوم مبدأ الشرعية الجزائية، و بعد ذلك سنمر إلى المطلب الثاني الذي خصصناه للتعرف على نشأة هذا المبدأ.
المطلب الأول : مفهوم مبدأ الشرعية الجزائية.
يعني هذا المبدأ أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني.
أي مصدر الصفة غير المشروعة للفعل هو نص القانون ويقال لهذا النص "نص التجريم" وهو في نظر القانون الجزائي يشمل قانون العقوبات والقوانين المكملة له والقوانين الجزائية الخاصة .
وبالتالي يحدد في كل نص الشروط التي يتطلبها في الفعل كي يخضع لهذا النص ويستمد منه الصفة غير المشروعة ويحدد العقوبة المقررة لهذا الفعل وبالتالي فإن القاضي لا يستطيع أن يعتبر فع ً لا معنيًا جريمة إلا إذا وجد نصًا يجرم هذا الفعل فإذا لم يجد مثل هذا النص فلا سبيل إلى اعتبار الفعل جريمة ولو اقتنع بأنه مناقض للعدالة أو الأخلاق أو الدين .
و أساس هذا المبدأ هو حماية الفرد و ضمان حقوقه و حريته و ذلك بمنع السلطات العامة من اتخاذ أي إجراء بحقه ما لم يكن قد ارتكب فعلا ينص القانون عليه و فرض على مرتكبيه عقوبة جزائية .
المطلب الثاني : نشأة مبدأ الشرعية
سادت البشرية فترة طويلة من الزمن كانت أهواء الحاكم و إرادته هي القانون في ظل حكم مطلق و حكام مستبدين يزعمون أن إرادﺗﻬم من إرادة الله، و في ظل هذه الأنظمة الإستبدادية لم يكن من الممكن صيانة حقوق الأفراد أو وضع حد للسلطة،و بالتالي فلا وجود لمبدأ يعبر عن سيادة القانون
و بانحصار الطغيان و الاستبداد و ظهور الدولة القانونية، أخذ المبدأ في الظهور تكريسا, و تدعيما لديمقراطية الحكم، و تعبيرا عن مبدأ الفصل بين السلطات بعد أن اﻧﻬارت الأنظمة القديمة التي كانت تخلط بين إرادة الحاكم و و يربط المؤرخون هذه الفترة بنهضة أوروبا في القرن الثامن عشر، و ما كان لآراء فلاسفة هذا القرن من تأئير عظيم هز أوروبا، و ساعد على هدم الآراء القديمة، و انتشار الأفكار النيرة الداعية إلى احترام حقوق الإنسان و التي توجت بانتصار الثورة الفرنسية نقطة التحول الكبرى في التاريخ الأوروبي بمجمله .
على أن ذلك لا يعني أن المبدأ لم يعرف الظهور قبل الثورة الفرنسية، فمن الشراح من يرى أن المبدأ يمتد بجذوره إلى القانون الروماني، و إلى القوانين الإنجليزية، و ما أدت إليه من انتشار في أمريكا الشمالية و في بعض الدول الأوروبية، و قد عرف مع الثورة الفرنسية قفزة نوعية بعد أن تبناه رجال الثورة و أعطوه صياغة واضحة، و محددة في إعلان حقوق الإنسان و المواطن الصادر في 26 أغسطس 1789 ، وقد دأبت القوانين بعد ذلك على الأخذ بالمبدأ فنص عليه دستور الجمهورية الفرنسية بعد سقوط
الملكية بتاريخ 24 يوليو سنة 1793 (م 14 ) و أعيد النص في قانون نابوليون، و انتشر المبدأ بعد ذلك فنصت عليه الدول في دساتيرها، و قوانينها العقابية و أيدته المؤتمرات الدولية و تبنته الأمم المتحدة في اعلان حقوق الإنسان الصادر سنة 1948 م 11 ف 2
مبدأ الشرعية الجزائية في الشريعة الاسلامية
إذا كان هذا المبدأ لم يتعمم الأخذ به في التشريعات الوضعية إلا في أعقاب القرن الثامن عشر، فلقد عرفته الشريعة الإسلامية مند أربعة عشر قرنا، و الأدلة على تقرير المبدأ فيها كثيرة، سواءا في نصوصها الأصلية أو قواعدها العامة، و من هذه النصوص قوله تعالى (و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) سورة الاسراء،آية 5
المبحث الثاني : أهمية مبدأ الشرعية الجزائية و نتائجه
لمبدأ الشرعية الجزائية دور عظيم في حماية و تنظيم الفرد و اﻟﻤﺠتمع، و كذا فرض التوازن بينهما و ذلك بحفظ الحق لكل طرف فلا تطغى الحكومة و تستبد على الشعب كما كان في العصور القديمة، و لا يتسلط الشعب على مرؤوسيه فيخرب النظام و يتعدى القانون، و يفعل في الأرض ما يشاء، و كما لمبدأ شرعية الجرائم و العقوبات أهمية، له أيضا نتائج تترتب عنه و نظرا لأهمية هذا الجزء من دراستنا فقد خصصنا له مبحثا كاملا قسمناه إلى مطلبين بالأول نتحدث عن أهمية هذا المبدأ، ثم يليه المطلب الثاني الذي سنرى من خلاله النتائج المترتبة عن مبدأ الشرعية الجزائية .
المطلب الأول : أهمية مبدأ الشرعية الجزائية
لهذا المبدأ أهمية كبيرة سواء على الصعيد الدولي أو الدستوري أو الإقليمي أوالعملي
أولا : الأهمية الدولية :
نرى أن هناك كثير من الإتفاقيات و البروتوكولات أكدت على أهمية هذا المبدأ ، كما جاء في المادة الثانية الفقرة الثالثة في البروتوكول رقم 4 لإتفاقية حقوق الإنسان الصادر في 16 تشرين الثاني عام 1963”لا يجوز وضع قيود على ممارسة هذه الحقوق غير تلك التي تطابق القانون و تقضيها الضرورة في مجتمع ديمقراطي لمصلحة الأمن القومي أو الأمن العام , للمحافظة على النظام العام أو منع الجريمة أو حماية الصحة و الأخلاق أو حماية حقوق و حريات الآخرين“
كما جاء في إعلان حقوق الإنسان و المواطن الصادر عام 1789 الذي أصدرته الجمعية التأسيسية : “ لا يجوز اﺗﻬام أحد أو توقيفه إلا في الأحوال المنصوص عليها في القانون و بحسب المراسيم المحددة فيه”
ثانيا : الأهمية العملية
لهذا المبدأ أهمية كبيرة من الناحية العملية للأسباب التالية :
1 - يعد من أسس الحرية الفردية أي صمام الأمان للحريات الفردية ويضمن حقوق الأفراد بحيث يحدد الجرائم ويحدد العقوبات المقررة لها بشكل واضح حتى لا يترك ثغرات في القانون ويكون وسيلة تسلط بيد القضاة وبالتالي القاضي لا يستطيع الحكم بالإدانة إلا إذا وجد في القانون سندًا على الجريمة والعقوبة فهو لا يملك أن ينشئ جريمة من أمر لم يرد نص قانوني بتجريمه مهما رأى فيه من الخطورة على حقوق الأفراد أو مصالح الجماعة فهو يرسم حدًا فاص ً لا بين المشروع وغير المشروع بحيث يكون الأفراد أحرارًا في إتيان الأفعال المشروعة وإن كانت ضارة وبالتالي السلطات العامة لا تستطيع ملاحقة هذا الشخص لأنه غير مسؤول جزائيًا.
2 - يعطي العقوبة أساس قانوني بحيث يجعلها مقبولة من قبل الرأي العام كونه توضع في سبيل المصلحة العامة بحيث يطبق على جميع الأشخاص الذين تتوافر فيهم الشروط المنصوص عليه في هذا النص دون التميز بينهم.
3 - الدور الوقائي للقانون وهذا الدور يتمثل بأن يكون الفرد على علم بالأفعال التي تعد جريمة والأفعال الغير مجرمة بحيث يمكن أن نعتبر القانون بمثابة إنذار مسبق للأفراد بعدم اقتراف الأفعال المنصوص عليه وهذا يجعل الأفراد أقرب إلى الامتثال من العصيان
4-يحمي جميع الأفراد في اﻟﻤﺠتمع اﻟﻤﺠرمين وغير اﻟﻤﺠرمين بحيث يحمي اﻟﻤﺠرم من نفسه بأن لا يقترف جريمة عقوبتها أشد من الجريمة المرتكبة وتحمي غير اﻟﻤﺠرمين من الأفعال التي قد يرتكبها اﻟﻤﺠرم
ثالثا : الأهمية الدستورية
و فوق ذلك فان المبدأ يرتبط بمبدأين أساسيين من مبادئ الدولة الحديثة و هما مبدأ سيادة القانون و مبدأ الفصل بين السلطات، فالدولة الحديثة على اختلاف أشكالها تعتبر نفسها دولة قانونية، أي تعترف بسيادة القانون كأحد أهم الدعائم الدستورية الكبرى في نظام الدولة الديمقراطية، و معناه التزام الحاكم و المحكوم بقاعدة القانون فاذا كان القانون يطبق على أفراد اﻟﻤﺠتمع فهو يطبق أيضا على جميع أجهزة الدولة و هو الحكم بين تصرفات الدولة و تصرفات الأفراد العاديين، فأساس العقاب (المسؤولية) و هو الخروج عن مبدأ الشرعية، كما يستند حق الدولة في العقاب الى القانون بعيدا عن التعسف و
الطغيان، و يدعم هذا المبدأ مبدأ الفصل بين السلطاتحيث يظهر في اﻟﻤﺠال العقابي أن المبدأ
يقيم حاجزا بين سلطات الدولة الثلاث، فلا يسمح بافتراء احداها على الأخرى.
رابعا : الأهمية الإقليمية
نرى أن هناك كثير من الاتفاقيات و البروتوكولات أكدت على أهمية هذا المبدأ، فقد جاء في المادة الثانية في الفقرة الأولى من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان حق كل إنسان في الحياة يحميه القانون ولا يجوز إعدام أي إنسان عمدا إلا تنفيذا حكم قضائي بإدانته في جريمة يقضي فيها القانون بتوقيع هذه العقوبة و قد جاء في المادة السابعة الفقرة الأولى منه
“ لا يجوز إدانة أي شخص بسبب ارتكابه فعلا أو الامتناع عن فعل لم يكن يعتبر وقت وقوع الفعل أو الامتناع جريمة في القانون الوطني أو القانون الدولي ولا يجوز توقيع عقوبات أشد من تلك المقررة وقت
ارتكاب الجريمة ”
و قد جاء في الفقرة الثانية “ لا تخل هذه المادة بمحاكمة أو عقوبة أي شخص بسبب ارتكابه فعلا أو امتناعه عن فعل يعتبر وقت فعله أو الامتناع عن فعله جريمة وفقا للمبادئ العامة لقانون في الأمم المتحضرة. “
المطلب الثاني : نتائج مبدأ الشرعية الجزائية
تعتمد النتائج التي تترتب على الأخذ ﺑﻬذا المبدأ و يمكننا أن نوجزها فيما يلي :
1 حصر مصادر التجريم و العقاب في النصوص التشريعية :
نتيجة لمبدأ قانونية الجرائم و العقوبات فإن القاعدة الجنائية تتميز عن غيرها من قواعد القوانين
الأخرى بأن مصدرها الوحيد هو القانون المكتوب. و عليه فإن المصادر الأخرى مستبعدة في نطاق القوانين الجنائية فلا مجال لتطبيق المصادر المعروفة في القوانين الأخرى كالشريعة الإسلامية أو العرف أو مبادئ العدالة و القانون الطبيعي.
2 إلتزام التفسير الكاشف للنصوص :
إن الخطة المتبعة بشان تفسير النصوص الجنائية قوامها البحث عن إرادة المشروع، و عليه فإن التفسير الكاشف المسموح به للقاضي يجب أن يبقى في الحدود التي لا تصل إلى حد خلق الجرائم و العقوبات.
3 حظر القياس :
تنحصر مهمة القاضي في تطبيق القانون لا خلق الجرائم، فلا يجوز للقاضي أن يحرم فعلا لم يرد نص بتجريمه قياسا على فعل ورد نص بتجريبه بحجة تشابه الفعلين، أو بكون العقاب في الحالتين يحقق نفس المصلحة الإجتماعية مما يقتضي تقرير عقوبة الثاني على الأول ، لإن في ذلك إعتداء صريح على مبدأ الشرعية في الجرائم لا يقررها إلا المشرعن و القاضي لا يملك ذلك قانونا فإذا فعل يكن قد نصب من نفسه مشرعا و هو ما لا يسمح به القانون.
على أن القياس المحظور هو القياس الخاص بالتجريم، و يعني ذلك أن القياس غير محظور في نطاق الأعمال التي تقرر للإباحة أو مانعا من موانع المسؤولية أو العقاب ، طالما أن الأمر لا يحمل معنى الإعتداء على الحريات الفردية و بالتالي لا يتعارض مع مبدأ الشرعية
المبحث الثالث : تقييم مبدأ الشرعية و موقف المشرع الجزائري
و قد خصصنا مطلبين لدراسة هذا المبحث المطلب الأول تقييم مبدأ الشلرعية الجزائية و المطلب الثاني لمعرفة موقف المشرع الجزائري منه
المطلب الأول : تقييم مبدأ الشرعية
عرف مبدأ الشرعية انتقادات منذ أواخر القرن التاسع عشر ، ومن أهم هذه الإنتقادات إن مبدأ الشرعية قاعدة رجعية إزاء النظم الحديثة في العقاب كوﻧﻬا تحدد العقوبة على أساس الجريمة دون النظر إلى شخص الجاني و قد نادى أصحاب هذا الرأي المنتقد ، و هم ينتمون إلى المدرسة الوضعية ، بتقسيم
اﻟﻤﺠرمين بدلا من تقسيم الجرائم ، فليس الأهم في نظرهم هو الفعل اﻟﻤﺠرم وإنما المتهم
الذي يجب أن يكون محور الدعوى الجزائية.
ولا يتسنى للمشرع تقدير العلاج المناسب للمتهم مسبقا وإنما هذا من صميم العمل القضائي، و من ثم وجب أن تكون للقاضي سلطة تقديرية واسعة و إن كانت هذه الإنتقادات لا تخلو من الصواب فإﻧﻬا لا تتعارض مع مبدأ الشرعية و إنما هي مكملة له، كما أﻧﻬا ساعدت من جهة أخرى على التلطيف من جمود مبدأ الشرعية بجعل العقوبة مناسبة لظروف الجاني تحقيقا للعدالة وهكذا و بفضل انتقادات المدرسة الوضعية رجعت معظم التشريعات عن نظام العقوبات المحددة إلى نظام تفريد العقوبة حيث أصبحت العقوبة تتراوح بين حدين أقصى و أدنى، كما رخص القاضي بالأخذ بالظروف المخففة و بوقف تنفيذ العقوبة و غير ذلك من النظم المستحدثة.
وأما الإنتقاد الثاني الموجه لمبدأ الشرعية فيتمثل في كون هذه القاعدة تجافى في كثير من الأحوال المبادئ الأخلاقية بحيث تجعل القاضي عاجزا عن مجازاة العابثين بالأمن و النظام بحجة عدم وجود نص يتناول سلوكهم، فكثيرا ما تقع أفعال منافية للأخلاق لا يجرمها القانون، و من هذا القبيل العلاقات الجنسية الرضائية بين بالغين لا تربطهما علاقة زواج، الأكل أو الشرب في شهر رمضان بدون مبرر شرعي، و تحويل مال الغير إذا سلم بناءا على عقد من العقود غير الواردة قي نص المادة 376 من قانون العقوبات كما هو حال من استلم شيئا على سبيل التبادل أو البيع أو القرض من أجل الإستهلاك ... الخ.
و نحن لا نرى في هذه الحجة ما يبرر الخروج من على مبدأ الشرعية، ففضلا عن اختلاف وجهات النظر بخصوص ما يعد خطرا اجتماعيا فما على المشرع إذا تبين له أن فعلا يشكل خطورة على اﻟﻤﺠتمع ألا يجرمه بنص وخلاصة القول أن الإنتقادات التي وجهت إلى مبدأ الشرعية لم تنل منه وظل صامدا.
المطلب الثاني : موقف المشرع الجزائري
يؤكد المشرع الجزائري على احترام المبدأ و العمل بمقتضاه من خلال النصوص الدستورية و نصوص قانون العقوبات أيضا .
في الدستور :
أكد الدستور الجزائري لعام 1989 في عدة نصوص منه على احترام الشرعية و هو بذلك يرتفع بالمبدأ من مبدأ قانوني إلى مبدأ دستوري، و ﺑﻬذا يستفيد المبدأ من كافة الضمانات التي يمنحها الدستور لمبادئه فقد جاء في الدستور :
المادة 28 : “ كل المواطنين سواسية أمام القانون“
المادة42 : “ كل شخص يعتبر بريئا حتى تثبت جهة قضائية نظامية إدانته، مع كافة
الضمانات التي يتطلبها القانون “
المادة 43 : “ لا إدانة إلا بمقتضى قانون صادر قبل ارتكاب الفعل اﻟﻤﺠرم“
المادة 44 : “ لا يتابع أحد أو يوقف أو يحجز إلا في الحالات المحددة بالقانون، و طبقا للأشكال التي نص عليها“
المادة 131 : “ أساس القضاء مبادئ الشرعية و المساواة الكل سواسية أمام القضاء، و
هو في متناول الجميع و يجسده احترام القانون“
المادة 133 : “ تخضع العقوبات الجزائية إلى مبادئ الشرعية و الشخصية “
و من جهة أخرى، فقد جعل الدستور حق التشريع من اختصاص اﻟﻤﺠلس الشعبي الوطني بوصفه السلطة التشريعية الذي له السيادة في إعداد القانون و التصويت عليه مادة 92 من الدستور وقد حددت المادة 155 اﻟﻤﺠالات التشريعية التي تدخل ضمن اختصاص اﻟﻤﺠلس الشعبي الوطني و من ضمنها القواعد العامة للقانون الجزائي و الإجراءات الجزائية، لاسيما تحديد الجنايات و الجنح، و العقوبات المختلفة لها، و العفو الشامل، و تسليم اﻟﻤﺠرمين“
في قانون العقوبات :
أما في قانون العقوبات فقد نصت المادة الأولى على مضمون مبدأ الشرعية بنصها :
”لا جريمة و لا عقوبة أو تدابير أمن بغير قانون ” و تأكيدا لمبدأ الشرعية، فقد جاءت النصوص اللاحقة لتدعم مضمون المادة الأولى، فنصت المادة الثانية على مبدأ عدم رجعية وهو من أهم المبادئ الداعمة لمبدأ الشرعية على ما سنرى- كالآتي :
”لا يسري قانون العقوبات على الماضي إلا ما كان منه أقل شدة”، و نصت المادة الثالثة على تحديد نطاق قانون العقوبات على النحو التالي : “يطبق قانون العقوبات على كافة الجرائم التي ترتكب في أراضي الجمهورية“
كما يطبق على الجرائم التي ترتكب في الخارج اذا كانت تدخل في اختصاص المحاكم الجزائية طبقا لأحكام قانون الإجراءات الجزائية .
خاتمة
على الرغم من الانتقادات الموجهة لمبدأ الشرعية إلا أنه مازال صامدًا إلى وقتنا الحالي ويجد تطبيقًا له في كثير من الدول بل اعتبره بعض الدول من المبادئ الدستورية ونص عليه في دساتيرها نظرًا للأهمية العملية لهذا المبدأ سواء بالنسبة للأفراد أو للقضاء فأما بالنسبة للأفراد تمثل هذا المبدأ إنذار مسبق للعلم بالأفعال اﻟﻤﺠرمة والعقوبة المقررة لها وبالتالي ترك الحرية للأفراد بإتيان الأفعال الغير منصوصة عليه، أما بالنسبة للقضاء فإﻧﻬم يجدون في مبدأ الشرعية الأساس القانوني لتجريم الأفعال وتحديد العقوبات، فض ً لا على أنه أفضل حل لمنع تسلط القضاة في الأحكام .
المراجع
- د/ أحمد فتحي سرور ، القانون الجنائي الدستوري (الشرعية الدستورية في قانون العقوبات، الشرعية الدستورية في قانون الإجراءات الجزائية )، الطبعة 2002 ، دار الشروق 2008 دار هوما ،
- د/ لحسن بوسقسعة، الوجيز في القانون الجزائي العام، الطبعة 6 الجزائر
- د/ عبد الله سليمان، شرح قانون العقوبات الجزائري، القسم العام، الجزء الأول الجريمة " ديوان المطبوعات الجامعية بن عكنون الجزائر، الطبعة السادسة 2005
البحث 02
تطبيق القانون من حيث المكان
خطـة البحث
*المقدمة
المبحث الأول: مبدأ إقليمية القوانين
المطلب الأول : المقصود بمبدأ إقليمية القوانين
المطلب الثاني : أساس بمبدأ إقليمية القوانين
المبحث الثاني : مبدأ شخصية القوانين ومبدأ التطبيق العيني
المطلب الأول: المقصود بمبدأ شخصية القوانين
المطلب الثاني : أساس مبدأ شخصية القوانين
المطلب الثالث : مبدأ التطبيق العيني للقانون
المبحث الثالث : مجالات تطبيق القانون في مبدأ ين
المطلب الأول: مدى سريان الإقليمي للقانون الجزائري
المطلب الثاني : الإستثناءات الواردة على مبدأ الإقليمية
المـقـدمة :
أمام إنتشار المدينة وازدياد العلاقات بين الأفراد في مختلف الدول ، ونظرا لتقدم وسائل المواصلات ، وما يترتب على ذلك من إزدهار التجارة الدولية وإنتقال الأفراد من دولة إلى أخرى بحيث يوجد على إقليم الدولة الأجانب من رعايا الدول الأخرى بجانب مواطنيها، كما يوجد مواطنوها على اقاليم غيرها من الدول مما جعل العالم قرية صغيرة كما يقال، فإن سريان القاعدة القانونية من حيث المكان يثير هذين السؤالين:
-هل يطبق قانون الدولة في داخل إقليمها على كل من المقيمين فيها مواطنين كانوا أم أجانب؟
- أم هل أن قانون الدولة ينحصر بتطبيقه على مواطنيها أينما وجد
المبحث الأول : مبدأ إقليمية القانونين :
المطلب الأول : المقصود بمبدأ الإقليمية :
يقصد بهذا المبدأ سريان القاعدة القانونية على كل ما يقع داخل الدولة وعلى كل الأشخاص الموجودين فيه، فيخضع لحكم هذه القاعدة كل من المواطن والأجنبي
ويقابل كل هذا المعنى عدم سريان هذه القاعدة القانونية في خارج حدود الدولة فإذا قلنا مثلا أن القانون الجزائري إقليمي التطبيق فإنه يترتب ذلك على مايلي :
أ- أنه دون سواه يسري على كل ما يقع في الإقليم الجزائري، وعلى كل الأشخاص الموجودين فيه بغض النظر عن جنسياتهم .
ب- أنه لا يمتد إلى خارج الإقليم الجزائري، حتى ولو تعلق الأمر بالجزائريين فإنهم يخضعون لقانون الدولة التي يقيمون فيها .
المطلب الثاني : أساس مبدأ الإقليمية :
يسند مبدأ السريان الإقليمي للقاعدة القانونية إلى فكرة سيادة الدولة على إقليمها، مما يعد معه تطبيق تشريعات الدول الأخرى على ما يقع في إقليمها إعتداء على سيادتها، لذا يعتبر تطبيق قانون الدولة في إقليمها على كل الأشخاص الموجودين فيه من أهم مظاهر السيادة، وعليه فإن للدولة أن تفرض النظام الذي تريده على جميع القاطنين في إقليمها ويعتبر حق الدولة في السيادة على إقليمها نتيجة طبيعية لوجودها، فالدولة لا يكون لها وجود إلا على إقليم معين، والإقليم هو أحد أركان الدولة، وهو مكان وجودها .
المبحث الثاني : مبدأ شخصية القوانين :
المطلب الأول : المقصود بمبدأ الشخصية :
يقصد بهذا المبدأ سريان القاعدة القانونية على الأشخاص المنتمين إلى الدولة، سواء كانوا موجودين على إقليمها أم كانوا مقيمين في خارج هذا الإقليم، وعدم سريان هذه القاعدة على المنتمين للدول الأخرى حتى ولو كانوا مقيمين في إقليمها، فإذا قلنا مثلا أن القانون الجزائري شخصي التطبيق فمعنى ذلك مايلي :
أ- أنه يطبق على الجزائريين ولو وجدوا خارج الإقليم الجزائري .
ت- أنه يسري على الأجانب ولو وجدوا بالجزائر .
المطلب الثاني : أساس مبدأ الشخصية :
يقوم مبدأ السريان الشخصي للقاعدة القانونية على أساس ما للدولة من سيادة على رعاياها أينما وجدوا،وذلك نظرا للعلاقة التي تربطهم بها، وهي علاقة لا تتقيد بمكان معين، بل تتسع لتشمل جميع الأمكنة التي توجد بها أحد من رعاياها، فهؤلاء الرعايا هم الذين وضعت التشريعات من أجلهم ومن ثم يجب أن يخضعوا لها حيثما وجدوا، ويعتبر حق الدولة في السيادة على رعاياها نتيجة طبيعية لكون هؤلاء الرعايا يمثلون عنصر الشعب في الدولة التي لا تقوم لها قائمة بغيره فالدولة كيان بشري وليست مجرد كيان إقليمي .
المطلب الثالث: مبدأ التطبيق العيني للقانون :
يقضي هذا المبدأ بسريان القانون الوطني على الأشخاص أو الأفعال خارج إقليم الدولة
سواء كان مرتكبوها وطنيين أو أجانب، وذلك بالنظر إلى نوع الجريمة لهذا يسمى هذا المبدأ بالتطبيق العيني للقانون إذا أخذ بعين الإعتبار جنسية الأشخاص مرتكبي الجريمة، بل يأخذ فقط بعين الإعتبار نوعا معينا من الجرائم، فإذا كانت الجرائم تخل بأمن الدولة واقتصادها، كجرائم التزوير في النقود والأوراق الرسمية فيطبق القانون الوطني بصددها ويعد هذا المبدأ استثناءا من مبدأ إقليمية القوانين لأن الجريمة ترتكب في الخارج ولكن يطبق عليها قانون البلد المتضرر أو الذي كان من الممكن أن يتضرر منها، ويعد أيضا إستثناءا من مبدأ شخصية القوانين إذ يطبق قانون الدولة المتضررة على المجرم سواءا كان أجنبيا أو وطنيا .
المبحث الثالث : مجالات تطبق القانون في المبدأين :
المطلب الأول : مدى السريان الإقليمي للقانون الجزائري :
الأصل في القانون الجزائري هو سريانه إقليما:
أكد تقين العقوبات الجزائري مبدأ السريان الإقليمي بنص صريح هو ينص الفقرة الأولى من المادة الثالثة منه، فطبقا لهذا النص فإن تعينين العقوبات الجزائري يسري على كل الجرائم التي ترتكب في الجزائر بغض النظر عن جنسية مرتكبها جزائريا كان أو أجنبيا، وبصرف النظر عن جنسية المجني عليه وبصرف النظر أيضا عن طبيعة الجريمة، وبمفهوم المخالفة فإن هذا التقين لا يسري على ما يرتكب من جرائم خارج الإقليم الجزائري، وقد سار المشرع الجزائري بهذا المبدأ على ما يسير عليه سائر مشرعي دول العالم .
ويجد مبدأ السريان الإقليمي لقواعد تقنين العقوبات منطقة في سببين :
-أولهما نظري: وهو أن القانون الجنائي بإعتباره أداة كل دولة في فرض سيادتها داخل إقليمها وتأمين الحقوق الجديرة بالحماية للمجتمع وأفراده، يعد أحد مظاهر سيادة الدولة على إقليمها .
-وثانيهما عملي: وهو أن مكان وقوع الجريمة هو أنسب مكان لمحاكمة المتهم، بسبب توفر أدلة إثبات الجريمة فيه، كما أن إعتبارات تحقيق الردع العام تدعوا إلى صدور الحكم في مكان وقوع الجريمة كما أن مبدأ التطبيق الإقليمي للقانون يستفاد من نص الفقرة الأولى من المادة الرابعة من التقنين المدني الجزائري .
أضف إلى ذلك أن التقنين المدني هذا جاء بتطبيقات لمبدأ السريان الإقليمي للقانون فيما يتعلق بالعلاقات المشتملة على عنصر أجنبي، منها مثلا إخضاع الحيازة والملكية والحقوق العينية الأخرى لقانون موقع العقار، وإخضاع شكل العقد لقانون بلد إبرام العقد .
المطلب الثاني: الإستثناءات الواردة على مبدأ الإقليمية :
لو أخذنا بمبدأ الإقليمية على إطلاقه لما قام تنازع بين قوانين دول مختلفة إذ حينئذ تطبق كل دولة قانونها في إقليمها ولايمتد سريان هذا القانون إلى لأقاليم غيرها من الدول، غير أن هذا الفرض لا يمكن أن يتحقق في العالم اليوم إذ لا وجود لدولة تعيش في عزلة عن الدول الأخرى، بحيث لا يوجد على إقليمها غير مواطنيها ولا يوجد أحد من مواطنيها على إقليم دولة أخرى .
ولو أخذ بمبدأ الشخصية لأدى ذلك إلى تعارض مع ما للدولة من سيادة على إقليمها إذ يسمح هذا التطبيق للأجنبي بان يخالف القواعد المتعلقة بالنظام العام والآداب في الدولة التي يقيم فيها، مما يتعين معه أن يحتفظ بقانون الدولة بنطاق معين يطبق فيه دون غيره من قوانين الدول الأخرى .
وتأسيا على ما تقدم، فقد تم الأخذ بالمبدأين معا كل منهما في نطاق معين، فنشأ تنازع بين قوانين دول مختلفة،وإزاء التعارض الحتمي بين مبدأي الإقليمية والشخصية كان لابد لأحدهما أن ينتصر، وما دامت الدولة لا تملك سلطة حقيقية إلا على إقليمها فإن مبدأ الإقليمية هم الذي إنتصر على مبدأ الشخصية غير أن هذا الإنتصار لم يكن حاسما نظرا لما قلنا من تقدم البشرية وإزدهار وسائل المواصلات والإتصال وقد أسفر ذلك عن بقاء مبدأ الشخصية ولو بصورة محتشمة إلى جانب مبدأ الإقليمية، فأخذت تشريعات الدول الحديثة بمبدأ إقليمية القانون كأصل، وجعلت من مبدأ السريان الشخصي للقانون إستثناء، وذلك هو مسلك القانون الجزائري .
الخـاتـمة :
وفي الأخير يبقى القانون هو السيد سواء كان داخل الوطن أو خارجه ويبقى ساري المفعول على المواطنين أو الأجانب أو الأجانب أو على الرعايا الجزائرين المتواجدين في الخارج .
ولذلك للحفاظ على أمن وسيادة الدولة والأشخاص
ولضمان الإستقرار والاطمئنانية لدى الجميع رغم إختلاف المكان والأشخاص .
المــراجع
* محمد سعيد جعفور – مدخل إلى العلوم القانونية
(وجيز في نظرية القانون)
دار الأمل للطباعة والنشر المدينة الجديدة تيزي وزو 1998
* فريدة محمدي – المدخل للعلوم القانونية
(نظرية القانون) الجزائر 2000 .
البحث 03
بحث حول تطبيق النص الجنائي من حيث الزمان
خطة
مقدمة
المبحث الأول : عدم الرجعية كأثر من آثار مبدأ الشرعية الجنائية
المطلب الأول : قاعدة عدم رجعية النصوص الجنائية
المطلب الثاني : القانون الأصلح للمتهم (القانون الأقل شدة)
المبحث الثاني : الاستثناءات الواردة على قاعدة رجعية القانون الأصلح للمتهم
المطلب الأول : القوانين المؤقتة أو المحددة المدة(Les lois temporaires)
المطلب الثاني : القوانين الإجرائية
المبحث الثالث : مسألة تحديد تاريخ ارتكاب الجريمة
المطلب الأول : الجرائم المستمرة
المطلب الثاني : جرائم الإعتياد
خاتمة
مقدمة :
لا يكفي انطباق سلوك على نص قانوني يجرمه ويعاقب عليه حتى يقوم الركن الشرعي للجريمة، بل لكي ينطبق النص على الواقعة أن يكون ساريا ومطبقا على الواقعة زمانا ومكانا، أي أن يكون النص ساريا من حيث الزمان والمكان لأن القوانين غير دائمة ولا مؤبدة، ومن ثم كان بحث سريانها من الناحية الزمانية أمر مهم، كما أنها لا تطبق على كافة الأماكن ومن ثم كان بحث نطاق سريانها من الناحية المكانية أمر مهم أيضا. ولتوضيح ذلك نتطرق إلى سريان القانون الجنائي من حيث الزمان، ثم سريان القانون الجنائي من حيث المكان
فعملا بمبدأ الشرعية الجنائية فإن القانون الجنائي لا يطبق إلا على الأفعال التي تقع بعد نفاذه وسريانه من الناحية الزمانية، ومن ثم فإنه لا يطبق القانون الجنائي بأثر رجعي على الوقائع السابقة لنفاذه، فالأصل في القانون أنه يسري بأثر فوري ومباشر وهو ما يعرف بالنفاذ المعجل للقوان.
فماهو المقصود بنطاق سريان القانون الجنائي من حيث الزمان ؟
المبحث الأول : عدم الرجعية كأثر من آثار مبدأ الشرعية الجنائية
من قبيل المسلمات أن النصوص القانونية بما فيها ذات الطابع الجنائي ليست بالنصوص الأبدية، بل خاضع للتعديل والإلغاء تبعا لإرادة المشرع في مواجهة ظاهرة الإجرام، والقاعدة القانونية المعروفة عادة، أن النص القانوني لا يطبق على ما حدث من وقائع قبل دخوله حيز النفاذ ولا بعد أن تم إلغاءه، بل يحكم فقط الوقائع والتصرفات التي حدثت في مرحلة سريانه أو فترة نفاذه، والنص الجنائي تحكمه قاعدة عامة معروفة في جل الأنظمة القانونية وهي القاعدة التي تعد مكملة لمبدأ الشرعية الجنائية، أو نتيجة من نتائجه أو أثر من آثاره، وهي قاعدة عدم رجعية النص الجنائي للتطبيق على الماضي، أو قاعدة الأثر المباشر والفوري للنصوص الجنائية، غير أنه مثلما هو الشأن بالنسبة لكل قاعدة، فإنه يرد عليها استثناء، وهذا الاستثناء في المجال الجنائي يعد في حد ذاته مبدءا لم تعرف له فروع القانون الأخرى نظيرا، ألا وهو مبدأ " رجعية القانون الأصلح للمتهم"، أو ما عبر عنه المشرع " بالقانون الأقل شدة". وبذلك تكون المادة الثانية من قانون العقوبات قد تضمنت القاعدة العامة المتمثلة في عدم رجعية النصوص الجنائية، وذلك في الفقرة الأولى منها، في حين تضمنت الفقرة الثانية منها الاستثناء الذي قلنا انه مبدءا في حد ذاته، وهو رجعية القانون الأصلح للمتهم، :" لا يسري قانون العقوبات على الماضي إلا ما كان منه أقل شدة".
المطلب الأول : قاعدة عدم رجعية النصوص الجنائية
تطبيقا لمبدأ الشرعية الجنائية الذي يقضي بأن تكون عملية التجريم والعقاب بموجب النصوص التشريعية المكتوبة، الصادرة عن السلطة المختصة بذلك احتراما لمبدأ الفصل بين السلطات، وتطبيقا لدولة القانون، وتحقيقا لمبدأ سمو هذا القانون، فإن كل ذلك، وحتى المنطق يقضي أن يكون هذا القانون موجودا، أي أن يكون النص سابقا عن الواقعة التي اقترفها الجاني، كون مبدأ الشرعية يقتضي ضمنيا تخيير الشخص بين ما هو مباح وما هو محظور، فعلى الأقل المحظور يجب أن يكون مبينا مسبقا. لذا فالمنطق يقتضي أن كل قانون لا يحكم إلا الوقائع التي حدثت في ظل نفاذه وسريانه، ولا يمتد تطبيقه على ما وقع أو حدث من وقائع سابقة عن نشره وترتيب آثار سريانه ، وفي الحقيقة القاعدة لا يختص بها القانون الجنائي وحده، بل هي قاعدة معروفة في كل القوانين الأخرى، بمختلف أقسامها وفروعها، غير أن اختصاص هذه الأقسام والفروع وعدم مساسها بالحقوق والحريات الفردية لم يجعل من عدم الرجعية مسألة تنال الاهتمام مثل الاهتمام الذي لاقته في المجال الجنائي، وبالتالي تقضي القاعدة أن القانون يحكم فقط الأفعال التي تكون لاحقة أو على الأقل معاصرة للحظة سريانه، دون تلك التي حصلت قبل ذلك، ولحظة سريان القانون قد يكون بالنص صراحة على هذا التاريخ، أو وفقا للقواعد العامة في سريان النصوص القانونية، وذلك في خلال 24 ساعة من نشره في الجريدة الرسمية أو من وصول هذه الأخيرة للمناطق البعيدة أو التي كانت تشهد ظروفا استثنائية حالت دون وصول الجريدة الرسمية في وقتها.
وبالتالي تعد قاعدة عدم الرجعية، أو قاعدة الأثر الفوري أو الأثر المباشر لقانون العقوبات، من القواعد الأساسية المكملة لمبدأ الشرعية الجنائية، والتي تقضي وتهدف إلى عدم مفاجأة الأشخاص بتجريم أفعال كانت مباحة وقت ارتكابها، غير أنه للقاعدة استثناء نصت عليه الفقرة الثانية من تقنين العقوبات الجزائري، وهي قاعدة رجعية القانون الأقل شدة – على حسب تعبير المشرع الجزائري- أو قاعدة القانون الأصلح للمتهم حسب التسمية التي يطلقها الفقه الجنائي. وهي الاستثناء الذي يعد في حقيقته مبدءا في قانون العقوبات، الذي نتناوله في النقطة الموالية.
المطلب الثاني : القانون الأصلح للمتهم (القانون الأقل شدة)
إن كانت قاعدة عدم رجعية النصوص الجنائية، قاعدة تعرفها غالبية الفروع القانونية الأخرى، فإن قاعدة رجعية القانون الأقل شدة، وفقا لتعبير المشرع الجزائري، أو القانون الأصلح للمتهم وفقا لتعبير فقهاء القانون الجنائي، تعد في نظرنا قاعدة جنائية خالصة، يختص بها قانون العقوبات دون غيره من فروع القانون الأخرى، التي إن أراد المشرع سريانها على الماضي نص على ذلك صراحة، في حين أنها في المجال الجنائي تعد مسألة قانونية، القاضي ملزم بإعمالها دون الحاجة للنص عليها، وذلك أن صلاحية القانون للمتهم بأي وجه من الأوجه يعد عودة نحو الأصل وهو البراءة، وبالتالي الأصل لا يحتاج على نص بل يقتضيه المنطق. غير أنه لتطبيق فكرة القانون الأصلح للمتهم شروط وضوابط ومعايير يتعين تناولها في النقاط التالية.
شروط تطبيق القانون الأصلح للمتهم
ليستفيد المتهم من القانون الأصلح للمتهم يجب أن نشير إلى بعض المسائل الهامة، فالقول بهذا الاستثناء يعني بالضرورة انه يوجد هناك قانونان، القانون القديم وهو الذي في ظله ارتكب المتهم جريمته، وقانون جديد صدر قبل أن يصدر حكم نهائي بات في القضية، وإلا لولا صدور هذا القانون الجديد لما طرحت مسألة القانون الأصلح للمتهم على بساط البحث، ومن ثم يجب أن يكون هذا القانون يحمل ما يوحي أنه أصلح للمتهم، إذ إذا كان أسوأ فلا مجال لتطبيقه أصلا، وبالتالي يمكن تلخيص شروط تطبيق القانون الأصلح للمتهم في الشرطين التاليين: أن يكون القانون الجديد قد صدر قبل صدور حكم نهائي بات في القضية، وأن يكون القانون الجديد أقل شدة أو أصلح للمتهم من وجهة نظر القانون لا من وجهة نظر المتهم. وهو ما نبينه في نقطتين مستقلتين، غير أننا ننبه بأن هناك شرط ثالثا ضمني لا نحاول تفصيله، على اعتبار أنه شرط بديهي، وهو أن نكون فعلا أمام تنازع للقوانين أي أن يصدر قانون جديد قبل صدور حكم نهائي بات على الشخص، لأننا إن كنا أمام قانون واحد فهو الواجب التطبيق سواء كان شديدا أو كان في مصلحة المتهم.
أولا : أن يكون القانون الجديد أقل شدة للمتهم ( أو أصلح للمتهم):
وهي أن يكون القانون الجديد الذي صدر ليزاحم القانون القديم الذي حدثت في ظله الجريمة أصلح للمتهم، وبالتالي فالمسألة تتعلق بتنازع القوانين، وعلى القاضي أن يختار منهما أي قانون يحقق مصلحة المتهم بإعمال معايير وضوابط قانونية تمكنه من الحكم على صلاحية القانون، حيث الأمر غير متروك لتقدير المتهم ولا لاختياراته، إذ ما قد يراه المتهم في صالحه، قد لا يكون كذلك من وجهة نظر القانون، كما أن مسألة اختيار القانون الأصلح للمتهم مسألة موضوعية يستقل بتقديرها قاضي الحكم في ظل الظروف المحيطة بالقضية وشخصية الجاني[8]، إذ لهذه الأخيرة دور كبير في تحديد القانون الأصلح للمتهم، سيما في الحالات الغامضة التي أثارت الكثير من الجدل في الفقه حول تحديد صلاح القانون للمتهم، لذا وجدت الكثير من الأسس والضوابط الموضوعية المستندة أحيانا لبعض الظروف الشخصية، التي من شأنها تمكين القاضي من إجراء مقارنة قانونية بين القانونين وتحديد أيهما أصلح لحالة المتهم في ظل ظروفه التي ارتكب فيها الجريمة.
الضوابط المعمول بها لتحديد القانون الأصلح للمتهم:
سبق وأن رأينا انه من خصائص القاعدة أو النص الجنائي أنه يتألف من شقين أساسيين، شق التجريم وشق الجزاء، وأن الأولوية للشق الأول على الثاني، كون الأخير ما هو إلا أثر مترتب عن اقتراف شق التجريم المتضمن النهي أو الأمر، وأن توقيع الجزاء تحصيل حاصل، لذا فمسألة تنازع القوانين من حيث الزمان، والبحث في أي منهما أصلح للمتهم، قد ينظر فيه لشق التجريم، كما قد ينظر فيه لشق الجزاء، ووفقا للقانون الأولوية دوما لشق التجريم على شق الجزاء، أي أولوية شق التجريم على شق الجزاء إعمالا للمادتين 27 و5 من قانون العقوبات الجزائري[9]، وتنازع القانونيين قد يكون من حيث شق التجريم وقد يكون من حيث شق العقاب، أي أن التعديل الذي مسه القانون الجديد قد يتعلق بأي منهما، وقد يكون متعلقا بكلا الشقين، لذا أوجد الفقه والقضاء معايير تساعد القاضي بخصوص الشق الأول – شق التجريم- وأخرى تعينه في المقارنة بخصوص شق الجزاء.
1-الضوابط المستمدة من الأحكام الخاصة بالتجريم
تطبيقا للمادة 27 من تقنين العقوبات الجزائري، التي قسمت الجرائم إلى جنايات ثم جنح ثم مخالفات، وبالنظر للمادة 5 من ذات القانون التي بينت العقوبات الأصلية لكل من هذه الأنواع، فإن القاضي ملزم بإتباع الترتيب الوارد بهذه المواد، وبذلك يكون القانون الجديد أصلح للمتهم في الحالات التي نعطي عليها أمثلة في النقاط التالية، مع العلم أن المسألة تنأى عن الحصر، كون شق التجريم ترتبط به العديد من الأفكار المتعلقة بالإباحة والمسؤولية وموانعها والنظريات المعمول بها بخصوص الشروع والاشتراك والمساهمة، وما إلى غير ذلك من أفكار، غير أن أهم الحالات التي يمكن الحكم فيها على القانون أنه أصلح للمتهم نذكر:
- حالة إباحة القانون الجديد للفعل الذي كان مجرما بالقانون القديم، وهي من أهم الحالات التي يمكن فيها للمتهم الاستفادة من القانون الجديد حتى ولو كان صدر عليه حكم نهائي بات، أي دون انتظار تحقق الشرط الثاني لتطبيق قاعدة القانون الأصلح للمتهم.
- إضافة القانون الجديد للنص القديم سبب من أسباب الإباحة أو مانع من موانع المسؤولية يستفيد منه المتهم في الظروف المحيطة بالجريمة، أو إضافة مانع من موانع العقاب – وإن كان هذا الشق يتعلق بالجزاء لا بشق التجريم-
- إضافة النص الجديد للجريمة ركنا لم يكن مشترط في النص القديم، ويستفيد من هذه الإضافة المتهم، أي تخلف في حقه الركن الجديد الذي اشترطه النص الجديد.
- إعادة تكييف الفعل من الوصف الأشد إلى الوصف الأخف، كأن كان الفعل جناية وأصبح جنحة، أو كان جنحة وأصبح مخالفة. وذلك بغض النظر عن مدة العقوبة.
- إلغاء فكرة العقاب على الشروع في الجريمة، إذ كان النص القديم يعاقب على الشروع في الجنحة وألغاه النص الجديد، وكان المتهم في وضع المتابعة لأجل الشروع في الجريمة وفقا للنص القديم.
هذا ونشير أن الحالات السابقة تعد من بين الحالات الأكثر ووضحا، ولا يعني سردها بأنها الوحيدة، فأمر القانون الأصلح للمتهم قد يتعلق بكافة أفكر القانون الجنائي، والإلمام بها يتعين التفرغ من دراسة القانون بأكمله
2 - الضوابط المستمدة من الأحكام الخاصة بالجزاء
وهي الحالات التي يكون فيها التعديل الوارد بالنص الجديد متعلقا بشق الجزاء، دون الشق المتعلق بالتجريم، وهي الحالات التي تنأى بدورها عن الحصر وتتعلق بكامل نظرية الجزاء الجنائي، غير أوضح الحالات التي درج الفقه على إعطاءها سنوضحها، غير أننا نؤكد بأن القاضي ملزم في تحديد القانون الأصلح للمتهم بنظرة المشرع العامة وترتيبه للجزاءات وأنواعها وقيمتها ومدتها، لا بما يراه المتهم انه أنسب وأصلح له، لذا فالترتيب الوارد بالمادة 5 من تقنين العقوبات الجزائري ملزم للقاضي وإن كان في الغالب لا يخدم مصلحة المتهم. ومن أهم ما درج الفقه على إعطاءه من حالات وأمثلة نذكر.
- حالات تخفيف النص الجديد للعقوبة، ويجب مراعاة التخفيف المتدرج المنصوص عليه في المادة 5 من قانون العقوبات الجزائري، حيث نجد الإعدام، المؤبد، السجن المؤقت من خمس سنوات إلى عشرين سنة، الحبس من شهرين إلى خمس سنوات، الغرامة التي تتجاوز 20.000 دج، الحبس من يوم إلى شهرين، الغرامة من 2000 دج إلى 20.000 دج.
- في حالة اتحاد العقوبة في الجنس والنوع، فالقانون الأصلح هو الذي ينقص من المدة، كان كانت العقوبة في كلا القانونين السجن أو الحبس، فإن القانون الأصلح الذي ينقص من المدة، وإن كانت العقوبة الغرامة في كلا القانونيين، فإن القانون الأصلح هو الذي ينقص من مقدارها.
- كما يعد القانون الصلح للمتهم، القانون الذي ينقص من عدد العقوبات، كأن كانا عقوبتين فجعلهما واحدة،
أو كانت إجباريتين فأعطى الخيار للقاضي.
- إذا جاء القانون الجديد بوقف التنفيذ، أو أضاف مانع من موانع العقاب، أو عذر مخفف سواء كان قضائي أو قانوني.
- إلغاء القانون الجديد للعقوبات التبعية أو التكميلية بعدما كان القانون القديم يتضمنها.
- غير أنه هناك إشكال، يتمثل في كون العقوبات في غالبية التشريعات مبنية على نظام الحدين، حد أدنى وحد أقصى وللقاضي السلطة التقديرية في الحكم بينهما، أو حتى النزول عن الحد الأدنى إعمالا لظروف التخفيف ( المادة 53 من قانون العقوبات وما بعدها من مواد مكررة)، وهنا يكون أي قانون أنزل أحد الحدين سواء كان الأدنى أو الأقصى هو الأصلح للمتهم، وأي منهما رفع هذين الحدين هو الأسوأ، غير أن الإشكال يكمن في الحالة التي يعدل فيها الحدين، وهنا لا إشكال في الذي ينزل بهما معا، فهو دوما الأصلح، كما أنه لا إشكال بخصوص القانون الذي يصعد بهما معا فهو دوما الأسوأ، لكن الإشكال في الذي يرفع من أحدهما وينزل من الآخر، كالرفع من الحد الأدنى والنزول بالحد الأقصى، أو العكس، فهنا ثار جدل فقهي انتهى واستقر في نهاية المطاف أن القاضي ينظر فيه إلى حالة المتهم، فإن كانت ظروفه الشخصية تستحق التخفيف فالقانون الذي ينزل بالحد الأدنى أصلح له حتى وإن رفع من الحد الأقصى، وذلك لكونه جدير بالحد الأدنى، مهما زاد الحد الأقصى، وإن كانت ظروفه الشخصية تقود للتشديد كان يكون عائدا فالقانون الذي ينزل بالحد الأقصى هو الصلح له حتى وإن رفع من الحد الأدنى كونه جدير بالحد الأقصى.
- كما يثور الإشكال حول القانون الذي يجمع بعض القواعد التي تعد في صالح المتهم، والبعض الآخر منها في ضد مصلحته، فهنا الحل يكمن في البحث عما إذا كان القانون قابل للتجزئة من عدمها، والقابلية للتجزئة تعني إمكانية تطبيق بعض قواعده في معزل عن الأخرى، على عكس القانون الذي يتضمن قواعد تعد كل واحد لا يقبل التجزئة، مثل القانون الذي يجعل العقوبة التكميلية التي كانت وجوبية وجعلها جوازية، مع رفعه لمدتها، فهنا يجب النظر لظروف القضية على حدا، فإن كانت ظروف الجاني تقتضي التخفيف اعتبر القانون الجديد أصلحا له بالرغم من كونه رفع من مدة العقوبة التكميلية كونه أجدر بتطبيق ظروف التخفيف، والعكس غير صحيح، لذا فمسألة تقدير القانون الأصلح للمتهم، في القوانين القابلة للتجزئة بناء على العلاقة المنطقية بين مختلف النصوص القانونية، والسياسة الجنائية، وفي ضوء اعتبارات شخصية ينظر فيها لشخصية الجاني، وليس بنظرة موضوعية مجردة، وبناء على ذلك يقدر القاضي القانون، ويمتنع عليه تطبيق القانون الشد بأثر رجعي، عكس القانون الأصلح.
وهناك إشكالية أكثر تعقيدا، تتمثل في تنازع ثلاثة قوانين، خاصة إذا ارتكبت جريمة في ظل قانون أشد، ثم صدر قبل الحكم النهائي قانون أقل شدة، وقبل صدور حكم نهائي في القضية صدر قانون ثالث أشد من سابقه وفي ظله سيحاكم المتهم، فأي قانون من بين هذه القوانين الثلاثة سيطبق؟، السائد فقها وقضاء، هو تطبيق القانون الثاني الذي يعد الأصلح للمتهم، خاصة وأن عدم صدور حكم على المتهم في ظل هذا القانون مرده تأخر الإجراءات والمحاكمة، وهي مسألة لا دخل للمتهم فيها، لذا لا يجب أن نحمله عبء تأخر الإجراءات وبطء المحاكم في إصدار الأحكام، إلا أنه بالرغم من وجاهة هذا الرأي ومنطقيته، إلا أن الفقه يرى الأخذ بوجهة النظر هذه بحذر وتحفظ، كون التنازع في الأصل يقوم بين قانونين لا أكثر، وهما القانون الذي حدثت في ظله الواقعة المتابع الشخص من أجلها، والقانون الساري وقت المحاكمة، لذا فليس للمتهم المطالبة بالقانون الثاني- الوسط- لأنه وضع المتهم في ظل سريان هذا القانون لم يتغير، حيث لم يرتكب في ظله الجريمة، كما أنه لا يحاكم في ظله.
- كما أن إشكال بطء الإجراءات قد يتسبب في بعض الأوضاع غير المنطقية، حيث أن مسألة التنازع بين القوانين وقاعدة تطبيق القانون الأصلح للمتهم، تثير إشكال في الحالة التي ترتكب فيها جريمتين من نفس النوع، من شخصين، في حين يكون قد صدر على أحدهما حكم نهائي بات حائز لقوة الشيء المقضي فيه، وفي هذه الحالة ينتفي ركن هام من أركان تطبيق القانون الأصلح للمتهم، في حين تأخرت مع الآخر الإجراءات، ولم يصدر ضده حكم نهائي، وبالتالي صدر قانون جديد يعد أصلحا له، ففي هذه الحالة سيستفيد منه، مما يخلق وضعين قانونيين شاذين، حيث يسرى على واقعتين من نفس النوع حدثتا في ذات الوقت قانونيين مختلفين، مما يؤدي إلى الحكم على المتهمين بعقوبتين مختلفتين، إحداهما أشد من الأخرى، أو أن يدان أحدهما ويبرأ الآخر، خاصة لو أن القانون الجديد قد أباح الفعل، وهنا يرى البعض أنه لا سبيل إلى إصلاح هذا الوضع، إلا عن طريق إجراء العفو، وهو إجراء في جوهره وطبيعته يختلف عن مسألة التخفيف من العقوبة أو إلغائها أو إباحة الفعل. لذا نجد بعض التشريعات تضمنت معالجة لهذه المسألة، وذلك بإعادة النظر في القضية ككل، مثل القانون الدنمركي في المادة الثالثة من تقنين عقوباته، والمادة 24 من قانون العقوبات الإسباني، والمادة 6 من قانون العقوبات البرتغالي، والمادة 2 من قانون العقوبات البولندي، وهو الاتجاه الذي تبناه المؤتمر الدولي للقانون الجنائي المنعقد في برلين سنة 1935.
ثانيا : ألا يكون قد صدر حكم نهائي بات في القضية
الشرط الثاني لتطبيق القانون الأصلح للمتهم، بعد توفر الشرط الأول المتمثل في تزاحم قانونين، هو ألا يكون قد صدر في القضية حكم نهائي بات، والحكم النهائي البات هو الحكم الذي لا يقبل أي طريق من طرق الطعن، سواء العادية أو غير العادية، وهو أمر بديهي ومنطقي، حيث لا يجب أن يتم المساس بقرارات العدالة النهائية احتراما للأوضاع والمراكز القانونية التي خلقتها، واحتراما لمبدأ حجية الشيء المقضي به المعمول بها في القانون أي كان نوعه، وفي المجال الجنائي تجنبا لمحاكمة الشخص عن الفعل الواحد مرتين.
غير أن هذا الشرط، وكما سبقت الإشارة، لا يمس بالحالة التي يباح فيها فعل كان مجرما بموجب قانون قديم عدل أو ألغي، بالرغم من أن الموضوع قد أثار خلافا وجدلا فقهيا حادا، إلا أنه استقر في نهاية المطاف، على إفادة المتهم بالقانون الذي جاء بالإباحة، بحجة أنه لا فائدة من العقاب على فعل أصبح مباحا في نظر المجتمع، غير أن غالبية الدول العربية تضمنت قوانينها العقابية حلا قانونيا صريحا للمسألة، تبنت فيه الرأي السابق، ومن أمثلتها المادة 5/3 من تقنين العقوبات المصري، والمادة 2 من تقنين العقوبات اللبناني، والمادة 2 من تقنين العقوبات السوري، على عكس المشرع الجزائري الذي لم يضمن قانونه نصا خاصا بالمسألة أسوة بالمشرع الفرنسي.
المبحث الثاني : الاستثناءات الواردة على قاعدة رجعية القانون الأصلح للمتهم
إن كانت قاعدة رجعية القوانين الأصلح للمتهم في المجال الجنائي، تمثل استثناء على قاعدة عدم رجعية القوانين، فهذا الاستثناء ترد عليه استثناءات – بمعنى العودة للقاعدة- وهي أنه لا رجعية للقوانين الإجرائية والمحددة المدة حتى ولو كانت أصلح للمتهم. كون القوانين الإجرائية قوانين تنظم مرفق العدالة ولا خيار للمتهم ولا فائدة له في التنظيم، والمسألة تخص الدولة لا الأفراد، والقوانين المحددة المدة التي يسنها المشرع لمواجهة ظروف وحالات مؤقتة تقتضي طبيعتها وظروفها ذلك، لا يمكن تقييدها باستثناء الرجعية كون ذلك يفقدها الهدف الذي لأجله سنها المشرع، وتكون سببا لتهرب الأفراد ومناورته لغاية انتهاء مدة القانون للاستفادة بفكرة القانون الأصلح للمتهم. وهو ما نوضحه في النقطتين التاليتين.
المطلب الأول : القوانين المؤقتة أو المحددة المدة(Les lois temporaires)
وهي القوانين التي يصدرها المشرع لمواجهة فترات استثنائية معينة أو أوضاعا محددة، وهي مستثناة من رجعية القانون الأصلح للمتهم، حتى ولو لم يكن قد صدر ضده حكم نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به، والقول بخلاف ذلك يفقد هذه القوانين معناها والهدف الذي كان يتوخى منها. غير أن ما تجدر الإشارة إليه، هو أن القوانين المؤقتة تختلف عن القوانين الاستثنائية Les lois exceptionnellesأو القوانين الظرفية Lois de circonstances حيث أنها قوانين فعلا مؤقتة بطبيعتها، غير أنها سنت لمواجهة ظروف معينة دون أن تحدد مدة معينة للعمل بها، بل ذلك مرهون بالمدة التي يستغرقها الظرف الذي سنت لأجله، وهو الظرف الذي في العادة ما يكون سياسيا أو اقتصاديا، حيث لا ينتهي العمل بها إلا بصدور قانون يلغي العمل بها، على عكس القوانين المؤقتة التي تتضمن تاريخ سريانها، وهنا يرى الغالبية تطبيق قاعدة القانون الأصلح للمتهم، حيث لا يمكن اتهام الشخص بتحايله اتجاهها رغبة منه في كسب الوقت حتى إلغائها، كونه لا يعلم بتاريخ إلغائها، على عكس القوانين المؤقتة التي يعمل فيها المتهم ذكائه ويتحايل على القوانين حتى ينتهي العمل بها استفادة من قاعدة القانون الصلح للمتهم، لذا حرم منها في غالبية القوانين الجنائية.
المطلب الثاني : القوانين الإجرائية:
تثار مسألة تنازع القوانين الإجرائية من حيث الزمان، وهي القوانين التي يحكمها مبدأ الأثر
أو السريان الفوري، غير أن المبدأ تعترضه بعض الصعوبات العملية في التطبيق، ويرى فقهاء القرن التاسع عشر أن كل إجراء يجب أن يكتمل في ظل القانون الذي شرع أثناء سريانه، وبالبعض يرى المقارنة بين القوانين الإجرائية وتطبيق الأصلح منها مثلما هو الشأن بالنسبة للقوانين الجنائية الموضوعية، غير أن غالبية الفقه يرى وجوب التطبيق الفوري للقوانين الإجرائية دون رجعية، ولا مجال لإعمال مبدأ القانون الأصلح للمتهم بخصوص هذا النوع من القوانين، كونها قوانين صدرت لأجل المصلحة العامة، ومن أجل مصلحة المتهم أيضا وبالتالي يفترض فيه انه أفضل من سابقه من حيث التنظيم القضائي وإظهار الحقيقة بكل جوانبها، وأن القوانين الإجرائية لا تعد حقا مكتسبا يطالب بالاحتفاظ بها، غير أن ذلك أثار جدلا فقهيا، وهو الجدل الذي لم يكن بسهولة وضع هذا الحل الذي تتفق عليه غالبية القوانين. لذا رأى البعض بأنه يجب أن يكون هناك معيار تبنى عليه مسألة التفرقة بخصوص التطبيق الفوري للقوانين الإجرائية، سيما الوقائع التي خضعت لحكم ابتدائي، حيث يرى البعض أن يكون هذا الحكم معيارا للتمييز، حيث يطبق القانون الجديد إن لم يكن قد صدر حكم ابتدائي في القضية، وإن كان قد صدر فيها حكما ابتدائيا فيجب اتباع الإجراءات في ظل القانون القديم تجنبا لكثرة المصروفات وحفاظا على الحقوق التي يكون قد اكتسبها المتهم من خلال هذا الحكم. كما أن طرق الطعن في الأحكام القضائية، يحكمها القانون الذي صدرت في ظله، كونه القانون الذي يكشف عن طبيعة هذا الحكم ونوعه ومدى قابليته للطعن من عدمه ونوعية هذا الطعن، ومواعيده، والأشخاص الذين يجوز لهم ذلك وأسباب بناء الطعن، حيث يظل الشخص خاضعا لطرق الطعن التي كان منصوصا عليها في القانون الذي صدر في ظله الحكم، حتى وإن كان القانون الجديد قد ألغاها.
-كما أن نصوص التقادم تثير بعض الخصوصية بالنظر للطبيعة الخاصة لهذه النصوص، سواء تعلقت بتقادم الجريمة أو الدعوى أو العقوبة، كونها نصوص يمكن القول أنها ذات طبيعة موضوعية، وبذلك يمكن إخضاعها لقاعدة القانون الأصلح للمتهم، حيث القانون الذي يزيد من مدة التقادم يعد الأصلح أو الذي يرسي التقادم بعدما كان النص القديم لا يخضع الفعل للتقادم في أي جانب من جوانبه. وإن اعتبرت النصوص المتعلقة بالتقادم، من النصوص الإجرائية، فهنا يسري عليها ما سري على النصوص الإجرائية من حيث قاعدة الأثر الفوري لها، أم هناك حل خاص يجب اعتماده نظرا للطبيعة الخاصة المتعلقة بالتقادم؟.في الواقع حدث نقاش فقهي حاد بخصوص هذه المسألة، ولم يتفق الفقه إلا على نقطة واحدة، وهي أن القانون الجديد لا يطبق على تقادم اكتملت مدته وفتح باب التقادم من جديد،كون ذلك يتعارض ومبدأ عدم الرجعية، بينما بخصوص التقادم الذي لم يكتمل، اعتبره القضاء الفرنسي من القوانين الموضوعية التي تخضع للقانون الأصلح للمتهم، غير أنه سرعانما تراجع القضاء وجعله من القوانين الإجرائية التي تخضع للتنفيذ الفوري دون رجعية غير أن المسألة لم تتوقف عند هذا الحد، بل ظهرت أفكار فقهية أخرى، تصب في غالبها في اتجاه جعل هذه القوانين المتعلقة بالتقادم تخضع لما تخضع له سائر القوانين الإجرائية.
المبحث الثالث : مسألة تحديد تاريخ ارتكاب الجريمة
مسألة تنازع القوانين من حيث الزمن، واختيار الأصلح منهما للتطبيق على المتهم، تقتضي تحديد تاريخ ارتكاب الجريمة ووقته، حيث معرفة تاريخ وقوعها وما إن كان في ظل سريان القانون القديم
أو سريان القانون الجديد من شأنه أن يحسم كل خلاف، خاصة إن كنا نعلم أن بعض الجرائم ترتكب في وقت قصير من الزمن، والبعض الآخر تتراخى عبر الوقت، حيث يستغرق الركن المادي للجريمة في هذا النوع وقتا من الزمن، قد يطول وقد يقصر، بحيث قد ترتكب بعض الأفعال في ظل القانون القديم، وبعضها الآخر في ظل القانون الجديد، فهنا يثور تساؤل حول أي القانونيين يطبق؟ ومن الطبيعي القول بأن القانون الواجب التطبيق، هو القانون الذي حدث في ظله الركن المادي للجريمة، وبالتالي وقت وقوع هذا الركن هو المحدد للقانون الواجب التطبيق، حيث يكون القانون الساري المفعول وقت وقوعه، لكن الإشكال أن السلوك قد يقع في ظل قانون وتحدث النتيجة في ظل قانون آخر جديد، فهل يجب أن نأخذ بعين الاعتبار زمن اقتراف الفعل أو زمن تحقق النتيجة؟. هنا ظهرت ثلاثة آراء فقهية، الأول يرى أن العبرة بتاريخ اقتراف السلوك الإجرامي، وبالتالي القانون الواجب التطبيق هو القانون الساري وقت إتيان السلوك، والبعض الثاني يرى أن العبرة بتحقق النتيجة، وبالتالي القانون الواجب التطبيق هو القانون الساري المفعول وقت تحقق هذه النتيجة، والرأي الثالث يأخذ بالاتجاهين السابقين معا، حيث يجب أن نقارن ما بين القانونيين أيهما أصلح للمتهم ويطبق، ونرى أنه الرأي الأصوب كون الجريمة اكتمال وتحقق في ضوء القانونيين، ونكون بصدد تنازع نبحث فيه عن القانون الصلح للمتهم. غير أن البعض، يرى الأخذ بالرأي الأول لأن الجريمة في نظره يكتمل ارتكابها عند اقتراف السلوك المادي، ولا عبرة بالنتائج، فالفعال يسأل عنه بغض النظر عن حدوث النتيجة خاصة في الجرائم العمدية.
المطلب الأول : الجرائم المستمرة
وبخصوص الجرائم المستمرة التي لا يرتكب فيها الفعل المادي دفعة واحدة بل يأخذ وقت من الزمن فيه قد يعدل القانون أو يصدر قانون آخر يثير مسألة تنازع القوانين من حيث الزمان، والاستمرار قد يكون متتابع كانتحال الألقاب أو الصفات، وهنا لإرادة الجاني دور في حالة الاستمرار، وهناك جرائم مستمرة دائمة كجريمة تزييف النقود، أو تقليد الأختام، وفيها الآثار وحدها المستمرة وليس الركن المادي الذي حدث دفعة واحدة، ويعامل هذا النوع من الجرائم معاملة الجرائم الوقتية. أما النوع الأول المتمثل في الجرائم المستمرة المتتابعة، حيث تختلف عن سابقتها، إذ فيها الفعل المادي لا يرتكب دفعة واحدة، وإنما يرتكب باستمرار حيث كل لحظة تمر تعد الجريمة مرتكبة فيها برمتها، حيث في هذه الحالة يكفي أن تستمر الجريمة ولو للحظة واحدة بعد صدور القانون الجديد ليطبق حتى ولو كان اشد بالنسبة للمتهم، وهناك إشكال آخر بخصوص هذه الحالة، يتمثل في حالة اشتراط القانون لفترة من الزمن كعنصر أساسي في السلوك، مثل الإهمال العائلي والامتناع عن دفع النفقة المقررة قضاء، حيث يشترط الإهمال أو الامتناع أن يتم لفترة من الزمن، قدرها المشرع في هاتين الجريمتين بشهرين، فالرأي الراجح فيها أن يطبق القانون الجديد في الحالة التي تتم فيها المدة هذه في ظله، حيث يشترط أن تمر فترة الشهرين في ظل القانون الجديد حتى تعد الجريمة مرتكبة في ظله.
المطلب الثاني : جرائم الإعتياد
وفي جرائم الاعتياد، التي تفترض تكرار الفعل الواحد أكثر من مرة، فما حكم الفعل إذا ارتكب عدد من المرات في ظل القانون القديم، ومرة واحدة في ظل القانون الجديد، ففي رأي الفقه لا يأخذ بعين الاعتبار إلا حالات التكرار التي ارتكبت في ظل القانون الجديد، واعتبار الحالات الواقعة قبل صدوره كأن لم تكن ولا تأخذ بعين الاعتبار في تكوين حالة التكرار أو الاعتياد. وإن كانت أحكام القضاء تظهر عكس ذلك، حيث يرى القضاء أن القانون في مثل هذه الجريمة يعاقب على حالة الخطورة الكامنة لدى الجاني، وأن الفعل الأخير في الحقيقة هو الذي يبين هذه الخطورة الإجرامية، وبالتالي يمكن اعتبار أن الفعل الأخير هو الذي كون حالة الاعتياد وبالتالي هو الذي كشف عن الخطورة الإجرامية لدى الجاني التي تستحق العقوبة.
وفي حالة العود، غالبية الفقه يرى أن الحكم الصادر في ظل القانون القديم لا يعد سابقة كوننا نرتب آثار قانونية عن قانون لم يعد معمولا به، كما تثار مسألة وقت ارتكاب الجريمة بخصوص حالة تعدد الجرائم، سواء كان تعدد صوري أو تعدد حقيقي، الذي سمى أيضا بالتتابع الإجرامي أو الجرائم المتتابعة، كالسرقة على عدة دفعات...
خاتمة
الأصل أن القانون يكون نافذا وساري المفعول بعد المصادقة عليه من طرف السلطة التشريعية بغرفتيها ونشره في الجريدة الرسمية، فالقانون الجنائي ينطبق منذ لحظة إصداره إلى لحظة إلغائه.
إنحكم الجرائم المستمرة وجرائم الاعتياد في التطبيق في الجرائم الوقتية البسيطة ركنها المادي ينتهي لتوه أما في الجرائم الوقتية المتتابعة والجرائم المستمرة وجرائم الاعتياد يتطلب ركنها المادي وقتا يطول ويصل إلى عدة شهور كالبناء بدون رخصة أو إخفاء أشياء مسروقة أو استعمال المزور أو حيازة سلاح ناري بدون رخصة أو سرقة الكهرباء أو اعتياد التسول.
فقانون العقوبات عندنا لا يسري على الماضي إلا ما كان منه أقل شدة.
كما أن القاعدة الجنائية لا تطبق إلا على الأفعال التي تقع بعد نفاذها وأثناء استمرارها سواء كانت هذه القاعدة الجنائية موضوعية أم شكلية إجرائية، وهذا التطبيق عرف منذ القدم لدى فقهاء القانون بمبدأ عدم رجعية القواعد الجنائية على الماضي.
لمراجع النصية:
*- د.جلال ثروت، قانون العقوبات - القسم العام، الدار الجامعية، بيروت، لبنان.
*- محمد صبحي نجم، قانون العقوبات- القسم العام (النظرية العامة للجريمة)، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن،2000.
*- د.عادل قورة، محاضرات في قانون العقوبات (القسم العام- الجريمة)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1999.
*- محمد زكي أبو عامر، قانون العقوبات- القسم العام، مكتبة دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، مصر،1996.
*- د.سمير عالية، شرح قانون العقوبات (القسم العام) دراسة مقارنة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر و التوزيع، بيروت لبنان، 2002.
البحث 04
بحث حول الشروع في الجريمة
مقدمة :
إن التشريعات الجنائية المعاصرة تحتفظ أساسا بفكرة الواقعة الإجرامية و تقيم فلسفة قانون العقوبات عليها دون أن تهمل قيمة العوامل الشخصية في تحديد النموذج التشريعي للجريمة في تقدير العقوبة.
لذلك يعاقب القانون على الأفعال المادية التي تتطابق مع نص التجريم و التي تكون ماديات الجريمة فالقانون لا يعاقب على النوايا مهما كانت إجرامية دون أن يعبر عنها بفعل مادي ملموس ينتج أثره في العالم الخارجي فالجريمة هي الإعتداء الذي يصدر من الجاني ضد المجني عليه مخلفا له نتيجة ضارة و على ذلك نلاحظ أن عناصر الركن المادي للجريمة المادية هي السلوك أو الفعل الإجرامي و النتيجة الإجرامية المتحققة و أخيرا العلاقة التي تربط بين الفعل و النتيجة و تدعى العلاقة السببية و إذا تم و استنفذ الجاني كل نشاطه و أفعاله فإنه يرجو و ينتظر تحقق النتيجة فإذا تحققت تمت الجريمة و إذا لم تتحقق تبقى الجريمة ناقصة و بذلك فالنتيجة هي الأثر المادي الذي يتحقق.
فالجرائم المادية عي التي تتحقق فيها النتيجة الإجرامية و يتحقق الضرر للمجني عليه لكن في بعض الأحيان ينفذ الجاني كل نشاطه الإجرامي لكن يتعذر عليه تحقيق النتيجة الإجرامية هنا تكون النتيجة القانونية أي الضرر لم يلحق بالمجني عليه و إنما إعتدى عليه و على مصالحه التي يحميها القانون و هذا ما يطلق بالشروع، و خذا الأخير يعتبر ركن مادي من أركان الجريمة و بما أن القانون يحمي المصالح و يعاقب على الجرائم التي تلحق أضرار بالمصالح فكذلك يعاقب على محاولات الإعتداء عليها لأنه من المحتمل أن تصير هذه المحاولات حقيقية.
و عليه فإن الشروع هو مجرد مرحلة يبدأ فيها الجاني في تنفيذ نشاطه الإجرامي و لكنه لا يحقق النتيجة و القانون يعاقب على النتيجة التي تتحقق و تسبب الضرر للمجني عليه، فما حكم الشروع ؟ هل يعاقب عليه ؟ و إن كان خناك عقاب فهل هو بنفس عقوبات الجريمة التامة ؟
و من خلال التقييم توصلنا إلى الخطة التي بواسطتها قسمت البحث إلى مبحثين : الأول و الذي يضم كل من مراحل إرتكاب الجريمة و أنواع تحت عنوان مفهوم الشروع و المقسم إلى مطلبين الأول مراحل إرتكاب الجريمة و الثاني فهو أنواع الشروع أما بالنسبة للمبحث الثاني فهو الآخر مقسم إلى مطلبين : أركان الشروع و العقاب على الشروع و في الأخير خاتمة لما توصلنا إليه.
المبحث الأول : مفهوم الشروع
بعد التفكير في الجريمة و التحضير لها قد يتجه الجاني نحو تنفيذها بالفعل و يقال عندئذ بأنه شرع فيها و لكن فعله لا يصل إلى مرحلة التنفيذ الكامل للجريمة، و في هذه الحالة يعتد المشرع بفعل الجاني و يحرمه في الجنايات و بعض الجنح و عليه فإن تعريف الشروع بوجه عام هو من جرائم الخطر و ليس من جرائم الضرر لأن النتيجة لم تتحقق بمفهومها المادي بل المدلول القانوني أو بمعنى آخر هو إرتكاب سلوك محظور كله أو بعضه دون إكتمال الركن المادي للجريمة.
و إن أردنا إعطاء تعريف للشروع حسب القانون الجزائري فلا بد أن نرجع إلى نص المادة 30 و التي تنص على أن :" كل المحاولات لإرتكاب جناية تبتدئ بالشروع في التنفيذ أو بأفعال لا لبس فيها تؤدي مباشرة إلى إرتكابها تعتبر كالجناية نفسها إذا لم توقف أو لم يخب أثرها إلا نتيجة لظروف مستقلة عن إرادة مرتكبها حتى و لو لم يكن بلوغ الهدف المقصود بسبب ظرف مادي يجهله مرتكبها".
المطلب الأول : مراحل إرتكاب الجريمة
الفرع الأول : مرحلة التفكير
و يراد بها مرحلة النشاط الذهني و النفسي الذي يدور داخل شخصية الجاني فتطرأ فكرة إرتكاب الجريمة على ذهنه و يراود نفسه بين دوافع الإقدام على الجريمة و دوافع الإحجام عن إقترافها و بعدها يعقد الجاني العزم على إرتكاب الجريمة.
و المشرع هنا لا يهتم بما يدور في ذهن الشخص و لا يعاقب عليه، إلا إذا ظهر في صورة نشاط خارجي كالإتفاق مع الغير لإرتكاب الجرائم ففي هذه الحالة يرى المشرع أنه يعد فعلا خطيرا يهدد المصالح التي يحميها المشرع فيجرمها.
الفرع الثاني : مرحلة التحضير
بعد العزم على الجريمة يبدأ الإستعداد لها بأعمال تحضيرية لتنفيذ الجريمة كأن يشتري سلاحا و يتدرب على إستعماله ثم يراقب المجني عليه في مواعيد هو يدرس الأمكنة التي يرتادها، فهذه كلها أفعال تحضيرية لا تعد بدورها شروعا، و تفلت من العقاب بوصفها مرحلة في الجريمة غير أن الشارع قد يرى بعض تلك الأعمال التي تعتبر تحضيرية لإرتكاب جريمة معينة ما يمكن أن يكون فعلا خطرا فيجرمه بصفة جريمة مستقلة كمجرد تقليد المفاتيح، فهو وإن كان عملا تحضيريا بالنسبة لجريمة السرقة إلا أن المشرع رأى بأن هذا الفعل يهدد المصالح التي يحميها القانون فجرمه بصفة مستقلة.
الفرع الثالث : مرحلة الشروع
إذا تجاوز الجاني مرحلة التحضير للجريمة بدأ في تنفيذها، و بذلك يدخل في مرحلة جديدة تسمى الشروع، و هذا العمل الذي يقترفه الجاني ينطوي على تهديد للمجتمع بخطر معين مما دفع المشرع إلى تجريمه إذا ما وقفت الجريمة عند هذه المرحلة و يتم هذا الوقف إما بسبب تدخل عامل خارجي منع الجاني من الوصول إلى غايته، أو بسبب فشل الجاني في تنفيذ الجريمة رغم قيامه بنشاطه كاملا، و عندئذ يكون بصدد الشروع في الجريمة الذي يعاقب عليه المشرع، و يطلق على الحالة الأولى بالجريمة الموقوفة و الثانية بالجريمة الخائبة.
كما إعتبر المشرع الجزائري مرحلة الشروع هي المرحلة التي يتجاوز فيها الجاني مرحلتي التفكير و التحضير ليسلك الجريمة، و لكن لا يصل إلى التنفيذ الكامل للجريمة.
و في هذه الحالة يعتد المشرع بفعل الجاني و الجريمة في الجنايات و بعض الجنح و ذلك ما نصت عليه المادتين 30 و 31 من قانون العقوبات.
المطلب الثاني : أنواع الشروع
يتضح من نص المادة 30 نم قانون العقوبات الجزائري أن أنواع الشروع ثلاثة : موقوف، خائب و مستحيل.
القرع الأول : الجريمة الموقوفة
هو أن يباشر الجاني أعمال بدء التنفيذ و لكن لحيلولة أسباب لم يكن فيها مختارا لم يستطع إتمام الجريمة و وقف على عتبتها، بمعنى آخر يكون الجاني قد بدأ في تنفيذ الجريمة و لم يزل بعد مستغرقا في تنفيذها حيث أنه لو يستنفذ نشاطه الإجرامي، و لكن النتيجة لم تتحقق بسبب ظروف خارجية عن إرادته.
و مثال ذلك أن يدخل لص أحد المتاجر يريد السرقة فيلفى القبض عليه قبل وصوله إلى المال الذي كان يرغب في سرقته فالجاني في هذه الحالة قد بدأ نشاطه و لكن لم يستطع إكماله، أي نشاطه أوقف.
الفرع الثاني : الجريمة الخائبة
و هو أن يستنفذ الجاني كل نشاطه المادي لإرتكاب الجريمة و لكن النتيجة التي يسعى إليها لا تتحقق لعوامل خارجية لا دخل لإرادته فيها كمن يطلق الرصاص فيخطأ الهدف أو يصيبه في غير مقتل و ينجوا المجني عليه من الموت، أم المجرم الذي يطعن شخصا بسكين عدة طعنات، نرى أن الجاني هنا قد إستنفذ كل نشاطه الإجرامي لكن النتيجة لم تتحقق و هي الموت و ذلك لأن المجني عليه أنقذ و أسعف بالعلاج، و في هذا النوع من الشروع في بعض الأحيان يقترن الروع الخائب بالموقوف.
قد يتساءل البعض كيف ؟ نقول : إن صوب الجاني مسدسه نحو المجني عليه و أطلق عدة رصاصات أصابته و لكن دون مقتل و هو كذلك إنتزع منه شخصا آخر المسدس، إذا خاب أمل الجاني في قتل المجني عليه و أوقف عمله بسبب إنتزاع الشخص المسدس من يد الجاني.
الفرع الثالث : الجريمة المستحيلة.
يحدث أحيانا أن الجاني الذي أتم جميع الأعمال التنفيذية اللازمة للجريمة لا يصل إلى غايته في وقوعها لأن تلك الجريمة غير ممكنة الوقوع أبدا و أن الوصول إليها مستحيل فعلا و ذلك ما يسمى بالجريمة المستحلية، كمحالة قتل شخص ميت أو محاولة إجهاض سيدة غير حامل.
فالجريمة المستحيلة إذن هي التي لا يمكن تحقيقها، أن يستحيل أن تتم أو تنتج الغرض منها لسبب يرجع إلى غير إرادة الفاعل.
و ما يفهم هو أن الشروع في الجريمة المستحيلة يشابه تماما الشروع الخائب أي يستنفذ الجاني كل نشاطه الإجرامي لكن نتيجته الإجرامية لا تتحقق أما في الشروع الخائب فإن النتيجة تكون ممكنة الوقوع لو لا تدخل الظروف الخارجية، أما بالنسبة للشروع المستحيل فالجريمة مستحيلة.
• رأي المذهب الموضوعي في الجريمة المستحيلة :
يرى أصحاب هذا المذهب أن الجريمة المستحيلة لا يمكن أن تتحقق و من ذلك لا شروع في هذه الجريمة، و بما أن لا شروع و لا جريمة و لا نتيجة إذن لا مساءلة.
• رأي المذهب الشخصي في الجريمة المستحيلة :
يقولون بأن الفاعل في الجريمة المستحيلة قد أظهر نيته الإجرامية ظهورا واضحا و عد تحقق الجريمة إنما راجع لسبب خارج عن إرادته و هذا لا يعني زوال الخطر على المجتمع فقد بقيت النوايا الإجرامية التي لا تموت و لذا لابد من معاقبة هذا الجاني بغض النظر عن تحقق النتيجة الإجرامية أو إستحالة تحققها.
المبحث الثاني : أركان الشروع و العقاب عليه
المطلب الأول : أركان الشروع
يشترط في الشروع شأنه شأن كل سلوك إجرامي يخضع للعقاب توافر ركنين :
الأول : الركن المعنوي : و هو النشاط الخارجي أو السلوك الإجرامي الذي يختلف من جريمة إلى أخرى بحسب نوعها الذي يكشف عن إرادة الجاني في تنفيذ الجريمة.
و الثاني هو الركن المعنوي " قصد إرتكاب جريمة عمدية " و يعني إتجاه إرادة الجاني إلى إرتكاب الجريمة مع العلم بعناصرها القانونية أي القصد الجنائي و هذا يعني أن الشروع يفترض أن الجريمة عمدية فلا شروع في الجرائم غير العمدية.
الفرع أول : الركن المادي في الشروع
لقد عرفت لنا المادة 30 من قانون العقوبات الشروع و هذا التعريف للشروع يتطلب توافر عنصرين لقيام الركن المادي :
العنصر الأول : و هو البدء في التنفيذ : حيث أن وضع حد بين الأعمال التحضيرية التي لا يعاقب عليها القانون يقتضي وضع معيار ثابت يفصل بين المرحلتين، و لتحديد معيار فاصل في هذا الشأن لا مفرمن الرجوع إلى المعايير الفقهية السائدة في شأنها و قد جرى الفقه على تصنيف الآراء المختلفة التي قيلت في هذه المعايير إلى مذهبين :
المذهب الموضوعي الذي يهتم بالفعل المادي الذي أرتكب فعلا و بخطواته الإجرامية.
و المذهب الشخصي الذي يهتم بإرادة الجاني و إتجاه إرادته إلى السلوك الإجرامي و هو المذهب الذي إستقر عليه العمل في القضاء الفرنسي و الذي أخذ منه المشرع الفرنسي، و يهتم هذا المذهب بخطورة الشخصية الإجرامية للجاني أكثر من الإهتمام بالفعل نفسه.
العنصر الثاني : من شروط الركن المادي للشروع هو وقف التنفيذ أو خيبة أثره و هو أن يقف هذا التنفيذ أو يخب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها، و هذا يعني أنه يجب ألا يعدل الجاني بإختياره عن تحقيق الجريمة، و وجوب التوقف أو الخيبة لكي لا تصبح جريمة تامة.
الفرع الثاني : الركن المعنوي
يشترط في كل جريمة توافر الركن المعنوي و هو ركن القصد الجنائي بمعنى إنصراف إرادة الجاني إلى إرتكاب الجريمة مع العلم بعناصرها القانونية، لذلك يشترط أيضا لقيام الشروع توافر هذا الركن، و القصد الجنائي اللازم توافره في الشروع هو نقس القصد الجنائي الواجب توافره في الجريمة التامة، فالجاني لا يمكن إعتباره شارعا في جريمة إلا إذا إنصرفت نيته إلى إرتكابها تامة، فمثلا إذا كان القصد الجنائي يتطلب في جريمة القتل نية إزهاق الروح و في إختلاس مال مملوك للغير فهو يتطلب نفس النية بالنسبة للشروع في كل من الجريمتين، فإذا نجح الجاني فالجريمة تامة و إذا فشل فالجريمة شروع.
و بالتالي فإن صفة الشروع في الجريمة تلحق بالركن المادي من حيث تحقق أو عدم تحققه و لا تلحقه هذه الصفة بالركن المعنوي أي القصد الجنائي.
الفرع الثالث : عدم تحقيق النتيجة لسبب لا دخل لإرادة الجاني فيه
يتعين لقيام الشروع ألا تتحقق النتيجة الإجرامية، لسبب خارج عن إرادة الجاني فإذا عدل الجاني اختياريا عن إحداث النتيجة الإجرامية إنتفى الشروع، و يكون عدم إتمام الجريمة لسبب غير إختياري إما لعوامل مادية، كإمساك يد الجاني فبل إطلاق الرصاص على المجني عليه، أو ضبط السارق متلبسا قبل إختلاس المال.
إما نتيجة لعوامل معنوية، كرؤية الجاني رجل الشرطة يقترب منه فيخشى القبض عليه، أو إستيقاظ أهل المنزل و خشية السارق من ضبطه أو إيذائه، أما العدول الاختياري الذي ينفي الشروع فلا بد أن يكون تلقائيا بمعنى أن يكون نتيجة عوامل نفسية داخلية، على أنه ينبغي أن يحصل العدول الإختياري قبل تمام جريمة الشروع في القتل مثلا لأن النتيجة الإجرامية خابت لسبب لا دخل لإرادة الجاني فيه هو عدم إحكام التصويب إتجاه المجني عليه، و يقوم الشروع حتى و لو كان في إمكان الجاني مواصلة إطلاق الرصاص على المجني عليه و عدوله الإختياري عن ذلك لأن هذا العدول جاء متأخر بعد تمام الشروع.
المطلب الثاني : عقاب على الشروع
يتعين في دراسة عقاب الشروع البحث في موضوعين :
الأول : تحديد الجرائم التي يعاقب عليها القانون على الشروع فيها.
ثانيا : بيان نوع و مقدار العقاب على الشروع.
أولا : الجرائم التي يعاقب القانون على الشروع فيها : تنقسم الجرائم إلى جنايات و جنح و مخالفات و كقاعدة فالجنايات يعاقب الشروع فيها و ذلك طبقا لما جاء في نص المادة 30، أما الجنح فلا يعاقب على الشروع فيها إلا بنص خاص، و قد عبر المشرع عن هذه القاعدة في نص المادة 31 بقوله : "المحاولة في الجنح لا يعاقب عليها إلا بنص صريح في القانون"، أما المخالفات فلا عقاب على الشروع فيها طبقا لنص الفقرة الثانية من المادة 31 : "المحاولة في المخالفة لا يعاقب عليها إطلاقا".
و تفسير هذه القاعدة أنه إذا كانت الجريمة جسيمة فالئروع فيها جسيم بدوره و يستحق العقاب، فإن قلت جسامة الجريمة قلت خطورة الشروع، و تطبيقا لذلك فالجنايات جرائم جسيمة لدلك يعاقب على الشروع فيها أما الجنح فهي أقل درجة لذلك لا يعاقب على الروع فيها إلا بناءا على نص خاص.
ثانيا : مقدار العقاب على الشروع : تختلف التشريعات الجنائية في عقاب الشروع فتذهب الغالبية العظمى من التشريعات الجنائية إلى تقدير عقوبة للشروع أخف من عقوبة الفعل التام و منها القانون البلجيكي و المجري و الدنمركي و غيرها و بعض هذه التشريعات لا يميز في عقابه للشروع بين الجريمة الموقوفة و الخائبة.
و البعض الآخر يميز بين هذين النوعين من الجرائم كما يميز في العقاب أيضا بين الشروع و بين الجريمة التامة، فيخفف من عقاب الجريمة الموقفة و يفرض أشد العقاب على الجريمة الخائبة، أما الجريمة التامة فتلقى أشد من الجريمة الخائبة و تفسير هذا التمييز في عقوبة الشروع و الجريمة التامة يمكن في أن الشروع لا ينال بالإعتداء على الحق الذي يحميه القانون و إنما يقتصر على مجرد تهديده بالخطر و الخطر أقل إضرارا بالمجتمع من الإعتداء أي أن الشروع أقل إضرارا من الجريمة التامة، غير أن هناك بعض التشريعات القليلة تسوي بين عقاب الجريمة التامة و الشروع فيها منها القانون الفرنسي و الروسي و البولوني و الجزائري، و يمكن أن نفسر هذا الموقف أنه إعتداد بالجانب الشخصي للجريمة في تحديد عقابها و القول بأن الإرادة الإجرامية تتوافر في الجريمة التامة، فإن كانت هذه الإرادة أساس العقاب و علته فلا مقر من القول بإيجاد هذا الأساس في الحالتين و من ثم يجب التوحيد لبن عقاب الجريمة التامة و الشروع فيها.
و التشريع الجزائري سوى في العقاب بين الجريمة التامة و الشروع فيها و ذلك حسب نص المادة 30.
كذلك ألغى المشرع الجزائري التمييز بين الجريمة الموقوفة و الجريمة الخائبة كما حسم كل تمييز بين الجريمة المستحيلة من حيث الوسيلة.
الخاتمة :
إن الجدل الفقهي الذي ثار حول هذا الموضوع إن دل على شيء إنما يدل على خطورة هذا الفعل و أهميته العملية التي نجد تطبيقات كثيرة في العمل القضائي فيما بعد بدءا في التنفيذ يعاقب عليه، و بين ما هو عمل تحضيري لا عقاب عليه.
إهتمام الفقهاء بالتفرقة بين الجرائم التامة و الجرائم غير التامة و العمل التحضيري و البدء في التنفيذ، و العدول الإختياري و الجريمة المستحيلة هذه كلها أمور ساهمت في تحديد الأعمال التي يعد من قبيل الشروع و حددت أي شروع يمكن العقاب عليه، و المشرع الجزائري كغيره من المشرعين نص على الشروع و عاقب عليه هذا لأن الشروع يهدد مصلحة المجتمع لأن عمله إذا لم يوقف لسبب يجهله فإن النتيجة ستتحقق و بالتالي يكون أستهدف المجتمع.
البحث 05
بحث حول المساهمة الجنائية في القانون الجزائري
المبحث الأول المساهمة الجنائية ونظرياتها
المطلب الأول تعريف المساهمة الجنائية أركانها وأنواعها
المطلب الثاني نظريات في المساهمة الجزائية
المبحث الثاني : المساهمة الأصلية والمساهمة التبعية و التمييز بينهما
المطلب الأول : المساهمة الأصلية
المطلب الثاني : المساهمة التبعية
المطلب الثالث : التمييز بين المساهمة الأصلية والمساهمة التبعية
خاتمة
مقدمة :
مما لا شك فيه أن الإنسان كائن إجتماعي لايخلوا من التأثر والتأثير في أي مجتمع من التغيرات خاصة القانونية منها، وبصفة أخص علاقته من الناحية الجنائية بإعتباره يقوم بأفعال مخالفة للقانون خطأ أو بقصد، وهذه الأفعال ينظر إليها القانون بأنها جرائم تمس بأمن الأفراد وسلامتهم بمختلف شرائحهم ومستوياتهم وبالتالي تمس المجتمع ككيان في أمنه ومصالحه.
إن فالجرائم أفعال يمنعها القانون وقرر لمرتكبيها عقوبة تتلائم ودرجة الجرم المرتكب، وفي بعض الحالات، القانون يقر عقوبة عمن يمتنع عن الإقدام على هذا الفعل في ظروف معينة خاصة إذا تبين بأن هذا الممتنع كان بإمكانه الإقدام على هذا الفعل وعليه فالجريمة فعل أوامتناع يحضره القانون ويقر عقوبة لمرتكبه.
ومن المسلم به أن الجرائم لاتكون مرتكبة دائما من طرف إنسان بمفرده فتقع عليه المسؤولية الجنائية وحده بل قد ترتكب من طرف عدة أشحاص فتقع عليهم المسؤولية كلهم وهذا ما أدى إلى ما سمي بالمساهمة والمشاركة في الجريمة،اي المساهمة الجنائية ،غير أن الإشكال المطروح ينحصر في البحث عن صور المشاركة التي اعتمد عليها المشرع الجزائري واعتبر مرتكبوا الفعل الإجرامي فاعلين أصليين أو شركاء، وهذا مايؤدي إلى طرح الإشكالية تمييزه للمساهمة الجنائية وجعله منها مساهمة أصلية ومساهمة تبعية كما جعل المحرض على الجريمة فاعل أصلي بالرغم من أن بعض التشريعات تعتبر المحرض شريكا لا فاعل أصلي في الجريمة.
كما أن المشرع دعا إلى المساواة في العقوبة بين الشريك في الجريمة والفاعل الأصلي فيها،وتحديد عقوبة كل منهما حسب الظروف، وسنتطرق من خلال مبحثين يشمل الأول المساهمة الجنائية، تعريفها وأنواعها ومختلف النظريات فيها، أما المبحث الثاني يتمحور حول المساهمة الأصلية والتبعية والتميز بينهما وحالات كل منهما والعقاب المقرر لهما.
المبحث الأول : المساهمة الجنائية ونظرياتها
إن المفاهيم والتحريات المتعلقة بالمساهمة الجنئية تعددت واختلفت في التمييز بين المساهمة الأصلية والمساهمة التبعية محاولة منها تحديد نطاق كل منهما.
المطلب الأول : تعريف المساهمـة الجنائيـة، أركانها وأنواعها
إن المساهمة الجزائية تمثلت في صورتين المساهمة التبعية والمتمثلة في الشريك والمساهمة الأصلية المتمثلة في الفاعل الأصلي ونحاول التعرض لبعض النظريات التي قيلت في هذا الموضوع.
إن المساهمة الجزائية من حيث تعريفها وأركانها، اختلفت التشريعات في تنظيم أحكامها غير أن هذه التشريعات اتفقت فيما يخص أنواع المساهمة الجزائية وقسمتها إلى المساهمة الأصلية والمساهمة التبعية والمشرع الجزائري نظم أحكامها في المواد 41 إلى 46 قانون العقوبات.
أولا: تعريف المساهمة الجنائية :
يقصد بالمساهمة الجنائية تعدد الفاعلين في الجريمة الواحدة أي في نفس الجريمة وهي بهذا أن الجريمة المرتكبة لم ترتكب فقط من طرف فرد واحد، وإنما ارتكبت من طرف عدة أشخاص لكل منهم دور قام به، وهذا الدور يتفاوت من فاعل للآخر، وهذا مايثير مشاكل قانونية في تحديد أثر هذا التفاوت، فقد يكون دور المساهم رئيسي في الجريمة فتكون مساهمة أصلية فيسمى الفاعل وقد يكون المساهم دوره ثانوي فتكون مساهمته متصفة بالتبعية ويسمى هذا الفاعل بالشريك.
وقد يكون دور المساهم متمثل في مجرد فكرة دون أن يساهم في ارتكابها، فيكون المساهم هنا محرض، والقانون الجزائري يعتبر المحرض فاعل أو مساهم أصلي.
ولإعتبار الجريمة مرتكبة من عدة أشخاص لابد أن يكون هناك رباط معنوي يجمع بينهم في جريمة واحدة وإلا تعددت الجرائم بتعددهم وألحقت بكل واحد منهم جريمة متميزة، وليست لزاما في هذا الرباط المعنوي أن يتخذ صورة التفاهم المسبق بين عدة أشخاص على ارتكاب الجريمة وقد يكون تعدد الجناة ضروري إذ لا يتصور وجود جريمة قانونا إلا إذا تعدد الفاعلون فتكون المساهمة في هذه الحالة ضرورية مثل جريمة الرشوة، إذ لا بد من وجود الراشي والمرتشي وكذلك جريمة الزنا، وقد يكون تعدد الفاعلون عرضيا أي أنه من الممكن وقوع جريمة دون حاجة إلى تعدد الجناة [1]. والجريمة يمكن أن تكون تامة، وقد توقف أي لا تصل إلى النتيجة وهو ما سمي قانونا بالشروع أو المحاولة، فهي نتيجة جهد منفرد أو جماعي ولكل دور، والإختلاف في الأدوار هو الذي يطرح مشكلة التمييز بين الفاعل الأصلي والشريك [2] والمشرع يعاقب على الجريمة عندما تكتمل أركانها بغض النظر عمن يرتكبها، ولكي تكون مساهمة جزائية يجب أن تكون مساهمة جزائية يجب أن تكون جريمة واحدة مقترفة من عدة أشخاص [3].
ثانيا: أركان المساهمة الجزائية :
تقوم المساهمة الجزائية بتعدد المساهمين وبوحدة الجريمة.
1- عدد المساهمون :
معناه إن كان الفاعل بمفرده فلا حالة تعدد المساهمون في الجريمة وإذا تعدد تبعا لها الجناة بحيث ألصقت كل جريمة بفاعل تكون في حالة جرائم متعددة بتعدد مرتكبوها، وينعكس هذا على المسؤولية والعقاب، ولو افترضنا أن هذه الجرائم ارتكبت في زمان واحد أومكان واحد ولباعث واحد يلزم أن تكون الجريمة الواحدة قد ساهم في إحداثها عدد من الفاعلين وبالتالي يمكن القول بأن المجرمون الذين ارتكبوا الجريمة قد تعددوا والمقصود بالتعدد في أركان المساهمة هو التعدد الممكن للفاعلين، وغير التعدد الضروري لقيام الجريمة، كالتعدد الضروري واللازم في جريمة الرشوة وجريمة الزنا وهذا التعدد لا يعد مساهمة جزائية بل يعد ركنا من أركان المساهمة الجزائية، إذ لا يمكن تصور جريمة الزنا دون وجود طرف ثاني ولا جريمة رشوة بدون وجود الراشي وإنما التعدد المقصود هوالتعدد الممكن أو الإجتماعي أي غير اللازم لقيام الجريمة واللذي بتخلفه لا يرتب عدم قيام الجريمة، وإنما قياما بفاعل واحد يكفي كجريمة القتل، فهذه الجريمة مثلا لا تتطلب عدة أشخاص لإرتكابها لأنها تقبل الوقوع من جاني واحد كما تقبل الوقوع من عدة جناة.
فإذا وقعت بالطريقة الأخيرة كنا بصدد مساهمة جزائية وإذا تمت بالطريقة الأولى(فاعل وحيد) كنا بصدد جريمة ذات فاعل واحد [4].
2- وحدة الجريمة :
والمعني بها أو المقصود منها وحدة الركن المادي للجريمة بعناصره المتمثلة في السلوك والنتيجة السلبية وتتطلب هذه الوحدة النتيجة التي تحققت إلى كل فعل صدر عن المساهمين في نفس الجريمة [5]، أي أن يكون الفاعلون قد تعددوا في ارتكابهم لجريمة واحدة.
لا تتحقق وحدة الجريمة إلا إذا جمعت بين عناصرها وحدة مادية ووحدة معنوية.
أ- الوحدة المادية للجريمة :
قد تختلف وتتعدد أفعال المساهمين ولكنها تلتقي لتحقيق واقعة إجرامية واحدة، بحيث يؤدي كل فعلمنها دوره في إحداث النتيجة ولا تقوم وحدة الجريمة من الناحية المادية إلا إذا تحققت وحدة النتيجة الإجرامية وارتباط كل فعل من أفعال المساهمين بتلك النتيجة برابطة السببية، وهذه الرابطة لا تنتهي بفعل المساهم والنتيجة الجرمية إلا إذا تلت أي أن النتيجة كانت ستقع بالشكل الذي وقعت به وفي المكان والزمان الذي تحققت فيه لو لم يقم المساهم بأي نشاط من جانبه [6].
ب- الوحدة المعنوية للجريمة :
إن المساهمة الجنائية تتطلب إضافة على الوحدة المادية للجريمة توافر الرابطة المعنوية أي أن تتحقق لدى الفاعلون رابطة معنوية ذهنية واحدة [7]، ولا تتوافر هذه الرابطة إلا إذا كان بين المساهمين اتفاق أو تفاهم مسبق على تنفيذ الجريمة غير أن هذا الرأي لقي انتقادا على أساس أنه ينفي توافر المساهمة الجرمية في الحالات التي يثبت فيها تعاون المساهمين في تنفيذ الجرم دون أن يكون هذا التعاون مسبوقا بإتفاق، مثال ذلك يعلم بأن هناك أشخاص أرادوا سرقة المواشي فيترك لهم حارس الإسطبل الباب مفتوحا دون أن يكون بينه وبينهم اتفاق سابق.
ومنه يمكن القول بتوافر الرابطة الذهنية إذا زال علم المساهم إلى الأفعال التي تصدر إلى المساهمين معه وأن هذه الأفعال بالإضافة إلى تلك الصادرة منه من شأنها أن تحدث نفس النتيجة التي وقعت.
وبالرغم من أن المساهمة الأصلية في الجريمة لا تثير جدلا نظرا لوضوح أحكامها إلا أن الخلاف متعلقا بالمساهمة التبعية وهذا انعكس على المساهمة الأصلية نظرا للعلاقة القوية بينهما وهذا الخلاف انحصر في مذهبين هما:
- مذهب يرى تعدد الجرائم بتعدد المساهمين.
- مذهب يقرر وحدة الجريمة رغم تعدد المجرمين.
1- مذهب تعدد الجرائم بتعدد المساهمين :
يرى أتباع هذا المذهب أن الجرائم تتعدد بتعدد المجرمين، أي أن كل مساهم يعتبر مجرم ارتكب جريمة مستقلة عن تلك التي ارتكبها غيره فيسأل عنها بإعتباره فاعلا لها ويترتب على هذا إلغاء الفرق بين المساهم الأصلي والشريك لأن لكل مساهم إجرامه، مادام فعله يكون جريمة مستقلة، ويعتمد أنصار هذا المذهب على الصور التي شاعت على مذهب وحدة الجريمة والمتمثلة في التناقض للحقيقة نظرا لتعدد الأفعال ووتعدد النوايا الإجرامية لدى كل مساهم بإعتبار أن وحدة العقيدة لا وجود لها في حالة المساهمة الجزائية إذ لكل مساهم تصرف وفق إرادته الخاصة وبالتالي تتعدد النوايا بتعدد المساهمين وحتى وإن تشابهت فلا تصل إلى درجة الوحدة.
وبالرغم من هذا فإنه من غير المعقول ان لا يقع الشريك أو المساهم خارج إطار العقاب بل يعاقب جزائيا مادام أنه استنفذ كل نشاطه وفي إطار هذا المذهب فإن الشريك يتأثر بظروف الفاعل الأصلي ومنه فإن الشريك يعتبر ارتكب جريمة مستقلة ويسلط عقوبة بقدر خطورة فعله طبقا للمدرسة الإيطالية الوضعية التي قررت أن القاعدة هي أن لكل بحسب فعله وخطورته وليس لكل بحسب العمل [8]، وأول مننادى بهذا المذهب الترويجي جتز (GETZ) الذي وضع فيما بعد قانون العقوبات النرويجي.
- مزايا هذا المذهب :
معاقبة الشريك حتى ولم يرتكب الفاعل الجريمة ويتبع ذلك أن يعاقب على الشروع في الإشتراك.
- لا يسأل الشريك إلا في حدود نيته.
- إذا عدل أحد المساهمين بمحض إرادته لا يعاقب دون أن يتأثر بذلك باقي المساهمين.
- عدم استفادة الشريك دائما من الإباحة التي تتوافر للفاعل الاصلي.
- لا يدع مجالا للبحث في مشكلة الفاعل المعنوي إذ امتناع مسؤولية الفاعل لا يؤثر في مسؤولية الشريك.
- عدم تطلب وحدة الجريمة يؤدي إلى جواز مساءلة الشريك عن قصد جنائي والفاعل عن إهمال كما لو حمل شخص صيدليا على إعطائه سما دون أمر الطبيب ليقتل به شخصا، يسأل عن قتل عمدي كما يسأل الصيدلي عن القتل.
2- مذهب وحدة الجريمة رغم تعدد المساهمين :
يرى أتباع هذا المذهب أن الجريمة تبقى بوحدتها رغم تعدد مرتكبيها وهذا معناه خضوع جميع المساهمين لعقوبة واحدة وهذا يتعارض مع تقرير العقاب التي تتطلب تناسب العقوبة مع الدور الذي قام به كل فاعل، وهذا يؤدي بنا إلى القول بوجود التمييز بين الفاعل الأصلي والشريك في الجريمة وهذا ناتج عن وحدة الجريمة ويرتبط نشاط الشريك الإجرامي من نشاط الفاعل إذ بينهما صلة ويستند أيضا هذا المذهب إلى أن وحدة الجريمة رغم تعدد المجرمين لواقعة حقيقية لا يسمح للقانون إنكارها، وهذه الوحدة قائمة من الناحية المادية والمعنوية فهي قائمة من الناحية المادية لأن النتيجة فيها هي الإعتداء على الحق الذي يصونه القانون واحدة وهي مرتبطة بكل فعل من أفعال المساهمين في الجريمة بعلاقة السببية، وهي أيضا قائمة من الناحية المعنوية لأن الركن المعنوي الذي يتوافر لدى كل مساهم ينصب على باقي أفعال المساهمين معه في الجريمة والفرق جلي بين أشخاص يجمع بينهم هدف إجرامي واحد يتجه إليه نشاطهم وتوزع الأدوار بين المجرمين، وبين أشخاص يعمل كل منهم على تحقيق غاية مستقلة على آخر والحجة التي يستند إليها مذهب وحدة الجريمة هي الحرص على تقرير العقاب.
يظهر أن مذهب تعدد الجرائم بتعدد المساهمين يؤدي إلى نتائج ومزايا كثيرة، لكن الحقيقة على خلاف ذلك لأن هذا المذهب يناقض طبيعة الأشياء والدليل على عدم ملائمته أن التشريعات التي أخذت به أدخلت عليه استثناءات، لأن القاعدة التي اعتمد عليها هذا المذهب هو مساواة أفعال المساهمين في الجريمة مما يؤدي إلى المساواة القانونية بينهما وهذا غير معقول إذ أنه إذا أخذنا به معناه استنتاج التعادل السلبي وهذا مخالف للمنطق القانوني لأن المسؤولية الجنائية لا تعتمد على علاقة السببية فقط وإنما هناك عناصر أخرى متداخلة أي أنه إذا تعادلت الأفعال من حيث قيمتها السببية فإنها قد تختلف من حيث قيمتها بالنسبة لعناصر أخرى وبذلك تختلف من حيث قيمتها القانونية ومنه فإن التعادل السببي لا يكفي سندا للقول بالتعادل القانوني وهذا المذهب بالتالي مناقض لطبيعة الأشياء فمثلا إذا كانت النتيجة الإجرامية واحدة وتحققت الرابطة الفكرية بين المجرمين فإن وحدة الجريمة تصبح واقعة لا يمكن تجاهلها، والفرق يصبح جليا بين مجموعة الجرائم المقترفة التي يرتكبها عدة أشخاص بعد أن يوضع لها تخطيط وتوزع فيها الأدوار وبالتالي عدم إمكانية نكران التأثر المتبادل الذي ينشأ بين المساهمين وبالتالي لا يمكن تحديد تصرف كل مساهم تحديدا دقيقا.
كما أن هذا المذهب يؤدي إلى التحكم القضائي، حيث إذا قرر القانون المساواة بين المساهمين من حيث العقوبة فإن القاضي لا يمكن أن يتجاهل دور كل واحد في الفعل الإجرامي أي لا يستطيع أن يتجاهل دور كل واحد في الفعل الإجرامي، أي لا يستطيع أن يتجاهل الإختلاف بينهم في أهمية الأدوار الإجرامية، وبالتالي فيميز بينهم في حدود سلطته وتقديره، وبالتالي فإن هذا المذهب من المسلم به غير صالح للتطبيق فمثلا القانون الإيطالي الذي أخذ به لم يستطع أن يسايره حتى النهاية حيث أدخل عليه عدة استثناءات حيث يقرر تشدديد العقوبة لمن استغل سلطته في تحريض الخاضع له على ارتكاب الجريمة المادة 111 قانون عقوبات ايطالي.
وإذا كان هذا المذهب غير ملائم فإن مذهب وحدة الجريمة بعيد عن الحقيقة ومتفق مع مبدأ تفريد العقاب وهذا نظرا لإستعادة نشاط المساهم التبعي الصفة الإجرامية من نشاط المساهم الأصلي نسبيا وبالتالي تبعيته له تبعية محدودة تفاديا للنتائج التي يؤدي إليها القول بتبعيته المطلقة وهي نتائج غير مقبولة [9].
ثالثا : أنواع المساهمة الجنائية :
إن المساهمة الجنائية تنقسم إلى نوعين :
1- المساهمة الأصلية :
تعد المساهمة الأصلية في الجريمة بتعدد الجناة الذين ارتكبوا جريمة واحدة أي أن الفاعلين قاموا بأدوار أساسية في ارتكاب ذات الجريمة فالمساهمة الأصلية قد تقوم وحدها فتحقق بالنسبة لجريمة معينة دون أي مساهمة تبعية، فيرتكب الجريمة أكثر من فاعل [10]. إذن فهي الجريمة التي يتعدد فيها المجرمون في مرحلة التنفيذ المادي للجريمة وبالتالي منهم من يقومون بدور رئيسي في تنفيذ ركنها المادي ومن كان دوره رئيسي في الجريمة تسمى مساهمته أصلية [11] . والمساهمة الأصلية نوعان.
أ- المساهمة الأصلية المادية :
وتتفرع إلى الركن المادي لها، فهو يقتصر على الفعل الذي يرتكبه المساهم الأصلي دون النتيجة الإجرامية التي تترتب على أفعال المساهمين الأصليين وعلاقة السببية بين نشاط كل واحد منهم، وهذه النتيجة إذ أن الركن المادي والركن المعنوي للمساهمة الأصلية المادية يخضعان للقواعد العامة، أما الفعل المقترف من طرف المساهم الأصلي فهو الذي يتميز في المساهمة الأصلية بقواعد خاصة اختلفت التشريعات في الفقه والقضاء في شأنها في نطاق كل تشريع، والركن المعنوي للمساهمة الأصلية في الجريمة يتخذ صورة القصد الجنائي أو الخطأ غير العمدي.
ب- المساهمة الأصلية المعنوية :
إن هذه المساهمة في الجريمة لا تقل من حيث خطورتها عن المساهمة الأصلية المادية إذا كان الفاعل في المساهمة الأصلية المادية يظهر على مسرح الجريمة متحملا مسؤوليته في الجرم المقترف، فإن الفاعل في المساهمة الأصلية المعنوية يحقق إجرامه عن طريق شخص آخر مستقلا بنيته أو عدم تميزه.
2- المساهمة التبعية :
وهي المساهمة التي يتعدد فيها المجرمون في مرحلة قبل التنفيذ المادي للجريمة، أي هي مرحلة التفكير والإصرار على ارتكاب الفعل المجرم وهم على هذا لا يقومون بدور رئيسي، وإنما بدور ثانوي أوتتبعي ويسمون على هذا الأساس الشركاء في الجريمة [12].
إذا تأملت جيدا المساهمة الأصلية ( الفاعل الأصلي) والمساهمة التبعية ( الشريك) نجد بينهما اتفاق واختلاف.
فأما الإتفاق فيظهر في تدخل كل منهما على نحو ما في الجريمة، ويربط سلوكا بها ارتباط السبب بالنتيجة، لكن تختلفان من حيث السلوك اللازم في كل منهما، فسلوك المساهم الأصلي ( الفاعل الأصلي) معاقب عليه بذاته وبالتالي الفاعل معاقب في كل حال سواء ارتكب الجريمة بمفرده أو ساهم فيها مع غيره، أما سلوك المساهم التبعي( الشريك) فلا عقاب عليه في ذاته وإنما يعاقب عليه إذا وقعت الجريمة نتيجة له، ولو لم ينص المشرع صراحة على عقاب الشريك لاقتصر العقاب على الفاعل وحده لأن سلوك الشريك يدخل ضمن الأفعال المعاقب عليها بوصفها شروعا أي أن سلوك الشريك لا يعد من الأعمال المكونة للجريمة [13].
المطلب الثاني : نظريات في المساهمة الجزائية
الفقه الجنائي يحتوي على مجموعة نظريات تؤسس عليها فكرة المساهمة الجزائية وهي:
أولا : نظرية الإستعارة :
تستند هذه النظربة على أن الإنسان يستمد الصفة الإجرامية من فعل الفاعل الأصلي فلا توجد مساهمة جزائية يعاقب عليها القانون، وتظهر العلاقة بين الشريك والفاعل الأصلي من حيث أن الشريك يقوم بعمل تحضيري غير معاقب عليه لذاته، لكن ارتباطه بما يقوم به الفاعل هو الذي أصبغ عليه الصفة الإجرامية مما يستعيد بالضرورة التسوية الحاملة بين الفاعل الأصلي والشريك في المسؤولية والعقوبة. فكل ما يتوافر لدى الفاعل الأصلي من ظروف مخففة أو مشددة يوفر في كل من ساهم معه في الجريمة [14].
وتقوم هذه النظرية على التفرقة بين عمل الفاعل وعمل الشريك على أساس مقدارمساهمة كل منهما في الجريمة فيعتبر عمل الفاعل مساهمة أصلية في الجريمة بينما عمل الشريك مساهمة ثانوية.
وعمل الشريك لا يعد جريمة في ذاته طبقا لهذا المذهب، إذ لا يعاقب على مجرد المساعدة على السرقة إذا لم يرتكب الفاعل الأصلي السرقة بناءا على هذه المساعدة، وإنما يصبح فعل الشريك معاقب عليه إذا ارتكب الفاعل الجريمة وكان الشريك قد ساعده على ارتكابها، فهذا الشريك يستعيد الصفة الإجرامية لفعله من جريمة الفاعل الأصلي ونتيجة لذلك لا يعاقب الشريك إذا لم يكن الفاعل معاقب لسبب ما كالجنون أو عدم التمييز أو لسبب من أسباب الإباحة [15]. ونظرية الإستعارة تنقسم إلى:
1- نظرية الإستعارة النسبية :
مفاد هذه النظرية ضرورة التمييز بين الفاعل الأصلي والشريك من حيث المسؤولية والعقاب، فالشريك بإرتكابه أقل أعمالا أقل خطورة من أعمال الفاعل الأصلي.
2- نظرية الإستعارة المطلقة :
تنص هذه النظرية أن الشريك يستعيد تجريمه كاملا من الفاعل الأصلي وعليه فهو متساوي في المسؤولية والعقاب مع الفاعل الأصلي، ويؤدي الأخذ بنظرية الإستعارة المطلقة إلى نتائج غريبة حيث الشريك لا يعاقب في جريمة السرقة إذا كان الفاعل الأصلي ابن سارق أبيه، كما لا يعاقب الشريك إذا كان الفاعل الأصلي في جريمة قتل شخص مجنون ومن هذا تظهر هذه النظرية غير منطقية.
ثانيا : نظرية التبعية :
تستند هذه النظرية على فكرة تبعية فكرة الشريك للفاعل الأصلي، فتقوم على تحريم فعل الإشتراك لذاته شرط أن تقع الجريمة المساهم فيها من الفاعل الأصلي بإعتبار ذلك شرط لمعاقبة الشريك على مساهمته فيها لأنه لايمكن تصور مساهمة في جريمة لم تقع فعلا، وإذا امتنع الفاعل على جرمه أثناء العمل التحضيري ولمؤاخذة الشريك عند اشتراكه في الجريمة يجب أن يكون فعل الفاعل الأصلي من الأفعال الخاضعة لقانون العقوبات [16]. ويرى أتباع هذه النظرية الإحتفاظ بوحدة الجريمة لأن تجريم فعل الشريك يكون لذاته لأنه نشاط إجرامي، لأن إجرام الشريك نابع من فعله هو لا من فعل الجريمة لأن وقوع الجريمة مجرد شرط عقاب بالنسبة للشريك ومنه تقوم تبعية الشريك للفاعل، والظاهر في هذا المذهب فإن كل مساهم في الجريمة (فاعل أصلي أو شريك ) يسألا عن فعله وظروفه سواء بالتشديد أو التخفيف أو المنع من العقاب وهو ما مال إليه المشرع الجزائري [17]. وحسب هذه النظرية يقصد بالفعل المجرم الواقعة المادية أي الركن المادي للجريمة فقط بغض النظر عن الركن المعنوي لها فيعاقب الشريك متى قام الفاعل بسلوكه غير المشروع ولو توافرت للفاعل ظروف تنفي مسؤوليته الجزائية. واستقلال المساهمين كل حسب فعله وظروفه أدى إلى نتائج .
1- تقدير المسؤولية :
تقدر مسؤولية الشريك على نحو تراعي فيه خطورته الخاصة بغض النظر عن خطورة الفاعل. وهذا يؤدي إلى أن عقوبة الشريك قد تكون أشد وأخف من عقوبة الفاعل حسب الأحوال.
2- إبعاد مسؤولية الشريك عن الجرائم المحتملة :
تحدد مسؤولية الشريك في قصده الجنائي، فلا يسأل عن جريمة ارتكبها الفاعل ولو كانت جريمة محتملة إذا لم تكن في ذهنه عند الإشتراك.
3- إستقلال الفاعل بموانع المسؤولية أو موانع العقاب :
إن الشريك لا يتأثر بموانع المسؤولية أو موانع العقاب التي تلحق الفاعل الأصلي فلا تسقط مسؤولية الشريك عندما تنقضي الدعوى العمومية عن الفاعل الأصلي كأن يتنازل الضحية بالتقادم.
4- الأخذ بالمسؤولية المدنية :
إن مسؤولية الشريك فيما يخص المسؤولية المدنية تتم على نحو مستقل عن مسؤولية الفاعل الأصلي [18].
ثالثا : نظرية الإستقلالية :
تستند هذه النظرية على استقلال كل من ساهم في الجريمة عن بقية المساهمين فيها معه، وطبقا لهذه النظرية فالمساهمة تعتبر جريمة عن طريق تجريم الإشتراك كجريمة قائمة بذاتها ومنه استقلالية مسؤولية الشريك عن مسؤولية الفاعل الأصلي، ويلاحظ أن هذه النظرية أغلقت الروايط التي تربط بين المساهمين في جريمة واحدة وهي رابطة ذهنية تجمعهم نحو مشروع إجرامي معين، وهي بالتالي نظرية لا تتفق في مضمونها مع خاصية المساهمة الجزائية فلا يمكن تصور قيام مجموعة من الجرائم بعدد المساهمين في الجريمة الواحدة [19].
رابعا : موقف المشرع الجزائري من هذه النظريات :
يمكن تصنيف شراح القانون حول اتباعه لإحدى النظريات السابقة في تكييف الإشتراك إلى اتجاهات ثلاثة:
1- تكييف أحكام الإشتراك بفكرة الإستعارة :
يكيف بعض الفقهاء الإشتراك في القانون الجزائري بفكرة الإستعارة إلا أنه عندما يتعرض لأحكام سريان الظروف فنراه ينسب القانون الجزائري النتائج التي ترتب على فكرة الإستعارة.
ومنهم الفقيه كوكيلات والذي رأى أن المشرع الجزائري قد أقر مذهب الإشتراك التبعي أو استعارة الإجرام، وقد بين رأيه بقوله أن فعل الإشتراك غير معاقب عليه بهذا الوصف إلا بسبب استعارته الإجرام من الفاعل الأصلي.
ومن الملاحظ أن هذا الفقيه مع تأكيده في مواضيع مختلفة من دراسة لأحكام الإشتراك أن القانون الجزائري قد أخذ بفكرة الإستعارة قد انتهى حيث عالج مشكلة سريان الظروف الشخصية إلى نتائج مغايرة لهذه الفكرة، فبعد أن مثل لها بالعود وهو ظرف شخصي بحت ثم صفة الأبوة والبنوة وسبق الإصرار وهي ظروف يكيفها القضاء الفرنسي بالمختلطة ويقرر لها حكم العينية وأوضح أن هذه الظروف لا تسري من مساهم لآخر كما أنها لاتسري على الشريك إذا لم تتوافر لديه هذه النتائج لاتتفق مع المبدأ الذي رأى المشرع الجزائري قد أخذ به، ولذا انتقد ما تضمنته المادة 44/2 من قانون العقوبات الجزائري من إقرارها استغلال المساهمين لهذه الظروف الشخصية معللا ذلك بأن هذه الظروف تنعكس على الجريمة فتشدد من إثمها ولذا وجب سريانها من مساهم لآخر، إن الفقيه كوكيلات قد انطلق من منطلق خاطئ في تكييفه لأحكام الإشتراك فقد افترض أن المشرع الجزائري قد أخذ بفكرة الإستعارة، ثم لما رأى أن الأحكام القانونية لا تتلاءم مع هذا المبدأ انتقدها، ولو انطلق من النصوص وحاول استخلاص المبدأ منها لانتهى إلى نتيجة مغايرة، لكن عند التعرض لأهم نتائج الإستعارة نجده ينسبها إلى القانون الجزائري كما أن شراح القانون الجزائري من ذكر صراحة أن هذا القانون قد رفض صراحة فكرة الإستعارة المطلقة للإجرام، إلا أنه قد صنف الظروف المختلطة مع العينية، وهذا ما فعله القضاء الفرنسي، أن الفعل الأصلي لا يستمد وصفه في هذه الحالة إلا من الفاعل الأصلي وهو جوهر فكرة وحدة الجريمة، بينما فكرة الإشتراك جريمة مستقلة أو تعدد الجرائم يؤدي إلى أن الفعل الأصلي يستمد وصفه من الشريك كما يستمده من الفاعل، وأن القانون الجزائري يشترط العلم بالظروف العينية لسريانها وهوما يؤدي بالقول إلى وحدة الجريمة إذا توافر العلم لدى الشريك.
2- الإشتراك جريمة مستقلة :
إن المشرع الجزائري جرم فعل الشريك تحريما مستقلا أي أنه أنشأ جريمة خاصة أطلق عليها جريمة الإشتراك، وحيث وصف القانون الجزائري ضمن التشريعات التي تأخذ بمذهب الإشتراك جريمة مستقلة وترتب على اعتبار فعل الشريك في القانون الجزائري جريمة مستقلة بعض النتائج منها :
- امكانية عقاب الشريك دون وقوع جريمة من الفاعل الأصلي.
- امكانية العقاب على الشروع في الإشتراك.
- امكانية الإشتراك غي الإشتراك.
3- الإجرام الخاص بالشريك :
إن تطبيقات الإجرام الخاص بالشريك في قانون العقوبات الجزائري أقرته المادة 44/2 ، 3 منه على عدم سريان الظروف الشخصية على الشريك إلا إذا كانت متصلة به واشتراط العلم بالظروف العينية لسريانها، وقول أحد دراس القانون الجزائري أن هذا الأخير قد نبذ جزئيا فكرة استعارة الإجرام وقصره على الظروف الشخصية المنصوص عليها في المادة44 قانون العقوبات مما يفيد أنه يخضع الظروف المختلطة للعينية، ويفيد بالتالي أن الشريك يسأل عن الجريمة الأصلية مع أنها تستمد وصفها من قصد الفاعل وهو ما تؤدي إليه فكرة الإستعارة أو وحدة الجريمة [20]. ومنه فالمشرع الجزائري أخذ مذهبا وسطا بين النظرية التبعية ونظرية الإستقلالية ويظهر هذا في :
أ- مظاهر تأثره بالنظرية التبعية :
- النص على معاقبة الشريك بنفس العقوبة المقررة لجريمة المساهم فيها جناية أو جنحة المادة 44/1 قانون العقوبات.
- النص على تأثر المساهم في الجريمة بالظروف العينية (الموضوعية أو المادية) اللصيقة بالجريمة المشدد منها والمخفف متى كان يعلم بها المادة 44/3 قانون العقوبات.
ب- مظاهر تأثره بالنظرية الإستقلالية :
- النص على معاقبة المحرض على الجريمة بالعقوبة المقررة للجريمة المحرض عليها المادة 64 قانون العقوبات.
- النص على مسؤولية الفاعل المعنوي عن الجريمة التي دفع إليها شخصا غير مسؤول جزائيا المادة 64 قانون العقوبات.
- النص على استقلال كل مساهم قي الجريمة بظروفه الشخصية المادة 44 فقرة 2 قانون العقوبات.
المبحث الثاني : المساهمة الأصلية والمساهمة التبعية و التمييز بينهما
لكي نتمكن من تحديد ماهية المساهمة الأصلية والمساهمة التبعية يجب أن نتناول مفهومها وأهم المذاهب التي تناولتها والتمييز بينهما
المطلب الأول : المساهمة الأصلية :
تعد المساهمة الأصلية في الجريمة بتعدد الجناة الذين ارتكبوا جريمة واحدة أي أن الفاعلين قاموا بأدوار أساسية في ارتكاب ذات الجريمة فالمساهمة الأصلية قد تقوم وحدها فتحقق بالنسبة لجريمة معينة دون أي مساهمة تبعية، فيرتكب الجريمة أكثر من فاعل . إذن فهي الجريمة التي يتعدد فيها المجرمون في مرحلة التنفيذ المادي للجريمة وبالتالي منهم من يقومون بدور رئيسي في تنفيذ ركنها المادي ومن كان دوره رئيسي في الجريمة تسمى مساهمته أصلية . والمساهمة الأصلية نوعان.
أولا : المساهمة الأصلية المادية :
وتتفرع إلى الركن المادي لها، فهو يقتصر على الفعل الذي يرتكبه المساهم الأصلي دون النتيجة الإجرامية التي تترتب على أفعال المساهمين الأصليين وعلاقة السببية بين نشاط كل واحد منهم، وهذه النتيجة إذ أن الركن المادي والركن المعنوي للمساهمة الأصلية المادية يخضعان للقواعد العامة، أما الفعل المقترف من طرف المساهم الأصلي فهو الذي يتميز في المساهمة الأصلية بقواعد خاصة اختلفت التشريعات في الفقه والقضاء في شأنها في نطاق كل تشريع، والركن المعنوي للمساهمة الأصلية في الجريمة يتخذ صورة القصد الجنائي أو الخطأ غير العمدي.
ثانيا : المساهمة الأصلية المعنوية :
إن هذه المساهمة في الجريمة لا تقل من حيث خطورتها عن المساهمة الأصلية المادية إذا كان الفاعل في المساهمة الأصلية المادية يظهر على مسرح الجريمة متحملا مسؤوليته في الجرم المقترف، فإن الفاعل في المساهمة الأصلية المعنوية يحقق إجرامه عن طريق شخص آخر مستقلا بنيته أو عدم تميزه.
المطلب الثاني : المساهمة التبعية :
وهي المساهمة التي يتعدد فيها المجرمون في مرحلة قبل التنفيذ المادي للجريمة، أي هي مرحلة التفكير والإصرار على ارتكاب الفعل المجرم وهم على هذا لا يقومون بدور رئيسي، وإنما بدور ثانوي أوتتبعي ويسمون على هذا الأساس الشركاء في الجريمة .
إذا تأملت جيدا المساهمة الأصلية ( الفاعل الأصلي) والمساهمة التبعية ( الشريك) نجد بينهما اتفاق واختلاف.
فأما الإتفاق فيظهر في تدخل كل منهما على نحو ما في الجريمة، ويربط سلوكا بها ارتباط السبب بالنتيجة، لكن تختلفان من حيث السلوك اللازم في كل منهما، فسلوك المساهم الأصلي ( الفاعل الأصلي) معاقب عليه بذاته وبالتالي الفاعل معاقب في كل حال سواء ارتكب الجريمة بمفرده أو ساهم فيها مع غيره، أما سلوك المساهم التبعي( الشريك) فلا عقاب عليه في ذاته وإنما يعاقب عليه إذا وقعت الجريمة نتيجة له، ولو لم ينص المشرع صراحة على عقاب الشريك لاقتصر العقاب على الفاعل وحده لأن سلوك الشريك يدخل ضمن الأفعال المعاقب عليها بوصفها شروعا أي أن سلوك الشريك لا يعد من الأعمال المكونة للجريمة .
المطلب الثالث : التمييز بين المساهمة الأصلية والمساهمة التبعية
قبل أن نتناول التمييز في هذه المساهمة لا بد أن نشير إلى مفهوم المساهمة الأصلية والمساهمة التبعية.
أولا : مفهوم المساهمة الأصلية (الفاعل الأصلي) :
إن الفاعل بوجه عام هو من يرتكب الجريمة فتتحقق العناصر المادية والمعنوية والمساهمة تبدأ بتعدد الجناة في ارتكاب جريمة واحدة [21].
وقد حددت المادة 41 من قانون العقوبات الركن المادي للجريمة بقولها " يعتبر فاعلا كل من ساهم مساهمة مباشرة في تنفيذ الجريمة" ومعنى هذا أن الركن المادي للجريمة يتمثل في المساهمة المباشرة في تنفيذ الجريمة بعد ارتكاب الأعمال التنفيذية التي يتكون منها الركن المادي يعد مساهما مباشرا في تنفيذها ويحاسب كما لو ارتكبها بمفرده [22].
ثانيا : مفهوم المساهم التبعي (الشريك) :
الشريك هو شخص ساهم بدور مساهمة غير مباشرة في ارتكاب الجريمة أي أنه لم يساهم في تنفيذها، فإقتصر دوره على المشاركة بتقديم المساعدة والعون للفاعل أو الفاعلين في تنفيذ عملهم الإجرامي المتمثل في تحقيق نتيجة إجرامية وتنص المادة 42 قانون العقوبات على أنه " يعتبر شريكا في الجريمة من لم يشترك اشتراكا مباشرا ولكنه ساعد بكل الطرق أو عاون الفعل أو الفاعلين على ارتكاب الأفعال التحضيرية أو المسهلة أو المنفذة لها مع علمه بذلك"، كما تنص المادة 43 ق.ع " يأخذ حكم الشريك من اعتاد أن يقدم مسكنا أو ملجأ أو مكانا للإجتماع لواحد أو أكثر من الأشرار الذين يمارسون اللصوصية أو العنف ضد أمن الدولة أو الأمن العام أو ضد الأشخاص أو الأموال مع علمهم بسلوكهم الإجرامي".
ومنه فإن دور الشريك يقتصر على القيام بنشاط لمساعدة الفاعل على ارتكاب الجريمة وهذا العمل الذي يقوم به هو عمل غير مجرم لذاته وإنما اكتسب صفته الإجرامية لصلته بالفاعل الإجرامي الذي ارتكبه الفاعل لما كانت الأعمال التحضيرية تسبق الأعمال المادية لتحقيق الجريمة فإن عمل الشريك عادة ما يسبق عمل الفاعل أو يزامنه في بعض الحالات [23].
ثالثا : التمييز بين المساهم الأصلي والتبعي :
المساهمة الجنائية تطرح اشكالية التفرقة والتمييز بين الفاعل الأصلي والتبعي وماهي الحدود الفاصلة بين مايعتبر مساهمة أصلية وما يعتبر مساهمة تبعية والمشرع الجزائري عرفها في المادتين 41-42 ق.ع.ج إن نص المادة 44 قانون عقوبات جزائري شابهت الفاعل الأصلي والتبعي [24] من ناحية العقاب وأقرت نفس العقوبة دون أن تتجاهل التمييز بين الفاعل والشريك وهي:
1- المذهب الموضوعي :
يستند هذا المذهب في التفرقة بين الفاعل والشريك على السلوك الذي يأتيه المساهم في الجريمة والمعيار المميز هو مقدار المساهمة من الناحية المادية في إحداث النتيجة الإجرامية فكلما كان الفعل أكثر خطورة ومساهمة من وقوع النتيجة كان مقترفه فاعلا.
وكلما كان السلوك أقل خطورة وأضعف مساهمة في إحداث النتيجة كان القائم به شريكا في الجريمة ويستند هذا المذهب على موقف المشرع الجزائي الذي عند تجريمه للسلوكات يعتمد على الفعل المادي.
- تقييم المذهب :
يتميز المذهب الموضوعي بوضوحه وببساطته حيث يكتفي بالتفرقة بين الفاعل الأصلي والشريك الرجوع إلى النص الجزائي المقرر للجريمة لمعرفة الركن المادي الذي تقوم عليه للقول بعد ذلك أن المساهم فاعل أو شريك وينتقد المذاهب من حيث تصنيفه لدائرة الأفعال التي يطغى عليها الطابع الإجرامي لإقتصاره على الأفعال المكونة للركن المادي.
2- المذهب الشخصي :
إن هذه النظرية في التمييز بين الفاعل الأصلي والشريك تستند على الجانب الشخصي أي الإرادة أي الإعتماد على الإرادة أي الإعتماد على الإرادة للتفرقة بين الفاعلين بحيث نية كل واحد متميزة عن الآخر، فالفاعل أو المساهم الأصلي يجب أن تتوافر لديه نية ارتكاب الجريمة، أي لديه مشروع إجرامي خاص به ،أما الشريك من لم تتوافر لديه نية الإشتراك في جريمة غيره أي يقدم مساعدة لغيره في تحقيق مشروعه الإجرامي وبالتالي فإن دور الشريك دور ثانوي.
تقييم المذهب :
انتقدت هذه النظرية من حيث أنها لا يمكن التفرقة بين الفاعل الأصلي والشريك على النية، فالمساهم عند ارتكابه للنشاط الإجرامي لا يفكر فيما إذا كان نشاطه أصلبا أو تبعيا كما أنه لا توجد وسيلة للكشف عن النية دون الرجوع إلى العمل المادي الذي أداه المساهم وبهذا نستند إلى المذهب الموضوعي.
3- موقف المشرع الجزائري من المذهبين :
إن المشرع الجزائري اعتمد النظرية الشخصية أي أنه اعتمد في التمييز بين الفاعل الأصلي والشربك على نية وإرادة المساهمين في الفعل الإجرامي، فيعتبر كل من ساهم مساهمة مباشرة فاعلا ومن ساهم مساهمة غير مباشرة شريكا المادة 41، 42 قانون العقوبات ،ويتجلى اعتماد المشرع الجزائري للنظرية الشخصية أي اعتماد نية الفاعل النص على أن المحرض يعتبر فاعلا أصليا للجريمة بإعتبار أن الجريمة نتاج اتجاه وإرادته إليها ولذلك فإن معاقبة المحرض غير مشترطة بإرتكاب الجريمة المحرض عليها وقد اختلف الفقه الجزائري في تحديد نطاق اعتماد المشرع الجزائري لهذه النظرية على النحو الآتي :
- رأي يرى أن مآل التفرقة بين الفاعل الأصلي والشريك هو التواجد على مسرح الجريمة وبالتالي فإن الفاعل بالإضافة إلى من يقوم بالفعل المكون للركن المادي للجريمة هو كل من يقوم بأفعال المساهمة مساعدة ومتممة للجريمة على مسرح الجريمة.
- ورأي يرى الإعتماد على الركن المعنوي للمساهمة الجنائية، فكل من يتوافر لديه هذا الركن للمساهمة الأصلية يكون فاعلا أصليا، أما من توافر لديه الركن المعنوي للإشتراك فيكون شريكا، لأن الركن المعنوي قائم على الإرادة والعلم.
- ويختلف هذا الرأي عن الرأي الأول، أنه لا يشترط التواجد على مسرح الجريمة كشرط للتفرقة بين الفاعل الأصلي والشربك لأن مثل هذا التواجد لا يكفي للتفرقة لأن إرادة المساهم قد لا تنصرف لإرتكاب الجريمة لوحده ولكن لمساعدة الفاعل وهو ما يتفق مع جوهر النظرية الشخصية.
رابعا : التداخل بين المساهم الأصلي والشريك في القانون الجزائري :
1- إمكانية اعتبار الشريك فاعلا :
إن تقديم المعلومات والمساعدة السابقة على الجريمة لا يمكن أن توصف بأنها مساهمة أصلية فهي أفعال اشتراك ومرتكبها شريك، أما بالنسبة المساعدة المعاصرة للجريمة وخاصة في الأفعال المتممة للجريمة فإنه من الجائز أن تكيف بعض صورها بالمساهمة الأصلية وأن يعتبر مرتكبها فاعلا بالنظر إلى ظروف كل قضية، نظرا لإتصال حدود كل من نوعي المساهمة وتداخل صورها وهذا ليس خروجا عن إرادة المشرع نظرا لمرونة عبارة المساهمة المباشرة في التنفيذ مما يفهم منه أن المشرع قد ترك الفرصة أمام القضاء بالنسبة لهذه الأفعال لكن يحدد منها ما يعتبر اشتراكا [25]. ويتضح هذا من إدراج بعض الحالات التي كيفت فيها محكمة النقض الفرنسية الشريك بالفاعل لتحقيق هذين الهدفين، فإذا كان هدفهما من تكييف المتظاهرين الذين يرافقون في مظاهرة مشروعه شخصا حاملا لعلم ممنوع بالفاعلين لهذه الجريمة لكي يمكن معاقبتهم لأن هذه الجريمة مخالفة والإشتراك في المخالفات لا يعاقب عليه طبقا للمادة 44 ق.ع.
أو يعاقب من ساعد خليلته على ارتكاب جريمة إجهاض فإمتنعت في آخر لحظة لكي لا يفلت من العقاب فإنه يمكن تحقيق هذا الهدف في ظل القانون الجزائري ولو بدون تكييفه بالفاعل نظرا للإجرام الخاص بالشريك لأن العدول ظرف شخصي لا يتأثر به إلا من توافر لديه.
وتكييف محكمة النقض الابن الذي أعد وسهل جريمة قتل أمه بواسطة شخص آخر بالفاعل لكي لا يعاقب بعقوبة جريمة قتل الأصول، ولا ضرورة لهذا التكييف في ظل القانون الجزائري، لأن مبدأ الإجرام الخاص بالشريك يؤدي إلى تطبيق تلك العقوبة عليه ولو مع هذا التكييف.
2 - إمكانية اعتبار الفاعل شريكا :
إن دافع محكمة النقض الفرنسية إلى إمكانية اعتبار الفاعل شريك في رغبتها في التخلص من تنائج فكرة الإستعارة وهي معاقبة الشخص عن جريمة قتل كفاعل لها بعقوبة أخف من التي تطبق عليه لو كان شريكا في نفس الجريمة ولذا لجأت إلى اعتبار الفاعل شريكا لكي تشدد عليه العقوبة إستنادا إلى فكرة اللإستعارة .
ولا ضرورة في القانون الجزائري لإتباع هذه النظرية التي لقيت انتقادا من طرف أغلب الفقهاء والتي تتعارض مع المنطق ومع رغبة المشرع مادام هذا القانون يأخذ بالإجرام الخاص بالشريك.
وبناءا على ذلك فإن المساهمة في جريمة السرقة إذا لم تتوافر لديه صفة الخادم لا لزوم لتكييفه بالشريك لتشديد عقوبته لأن هذه الصفة بصريح نص المادة 44/2 ق.ع ظرف شخصي لا يضار به إلا من توافر لديه ويقاس على ذلك من ساهم بصورة أصلية في جرائم اختلاس أموال الدولة، التي ترتكب من طرف محاسبين عموميين ولا تتوافر لديهم هذه الصفة، ومن يساهم بصورة أصلية في جريمة قتل أصول يرتكبها ابن ضد أبيه دون أن تتوافر لديه هذه العلاقة بينه وبين الضحية [26].
خامسا : أهمية التمييز بين المساهم الأصلي والشريك :
تظهر أهمية التمييز بين المساهم الأصلي والشريك من حيث أحكام قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية والقضاء.
أولا- من حيث تطبيق أحكام قانون العقوبات :
إن التمييز بين نوعي المساهمة الجنائية في تطبييق أحكام قانون العقوبات إلى كون المساهم الأصلي في الجريمة صورة جلية من الإجرام إذ الفعل الذي يرتكبه المساهم الأصلي غير مشروع لذاته أما المساهمة التبعية فوجه الإجرام فيها أقل وضوحا بإعتبار أن الغالب في فعل المساهم التبعي أن يكون شروعا في ذاته ولكن تصبغ عليه الصفة غير المشروعة نظرا للعلاقة التي تقوم بينه وبين فعل المساهم الأصلي ويفضل أهمية أوجه التفرقة التي تتبع هذا الأصل فيمايلي:
1- من حيث النطاق المكاني للقانون :
إذا ساهم شخص خارج اقليم الدولة بوصفه فاعلا أو شريكا في جريمة وقعت في هذا الإقليم فإنه يخضع لقانونه، إذا كانت تدخل في اختصاص محاكمة المادة 03 ق.ع مثل أن يقدم الجاني وهو في الخارج للمجني عليه سموما قصد قتله فلا يحدث إلا بعد عودته للجزائر، فيعتبر فاعلا في الجريمة أو أن يساعد شخصا آخر على تقديم هذا السم في جريمة التسميم، والأمر يختلف إذا ساهم شخص داخل الإقليم في جريمة ارتكبت خارجه خارجه ولكن تختص لها محاكمة وطبقا للمادة 03 ق.ع وفي هذه الحالة يجب التفرقة بين حالتين إذا كانت مساهمة هذا الشخص تبعية فهو لا يخضع لقانون الإقليم كما لو ساعد شخص داخل التراب الجزائري شخصا آخر يقيم خارجه على إعطاء الضحية المقيم في الخارج شرابا مسموما قصد قتل الضحية في الإقليم ثم يستولي مساهم آخر معه على أموال الضحية في الخارج [27].
2- من حيث نظام التجريم :
قد لا يمتد نطاق التجريم في بعض التشريعات إلى مجال المساهمة التبعية في طوائف معينة من الجرائم إذ هناك بعض التشريعات لا تفرض العقاب على المساهمة التبعية في المخالفات بينما تعاقب على المساهمة الأصلية فيها وهو ما أخذ به المشرع الجزائري 44/1 ق.ع.3.
3- من حيث طلب الأركان الخاصة ببعض الجرائم :
يتطلب المشرع لتوافر أركان بعض الجرائم تحقق صفة خاصة في مرتكبها وتسمى الجرائم الخاصة ماديا، مثل صفة الموظف العام في جريمة الرشوة وصفة الزوجية في صفة الزنا، هذه الصفة يجب أن تتوافر لدى الفاعل الأصلي دون الشريك.
وعلى الرغم من ذلك ترجع أهمية التفرقة بين نوعي المساهمة وفي هذا النوع من الجرائم إلى أنه إذا كانت مساهمة الجاني أصلية وجب التحقق من وجود الصفة المطلوبة قانونا لديه حتى يسأل عن الجريمة، أما إذا كانت مساهمة تبعية فلا ضرورة للبحث عن الصفة الخاصة، إذ يسأل الجاني الإشتراك سواء توافرت لديه هذه الصفة أم لم تتوفر، وتطبيقا لذلك قضي بأنه إذا كان الموظف العام شريكا لغير الموظف فلا تطبق عليه إلا إذا ساهم مع الفاعل الأصلي في الأعمال التي أتمت الجريمة أي كان فاعلا مع الغير.
4- من حيث تأثسر أسباب الإباحة :
1- الإباحة المطلقة: سبب الإباحة المطلقة يفيد كل شخص مثاله الدفاع الشرعي.
2- الإباحة النسبية: أما سبب الإباحة النسبية فلا يفيد إلا من توافرت لديه صفة معينة أو كان مركز قانوني مثل حق مباشرة الأعمال الطبية التي لا يستطيع ممارستها إلا الطبيب.
فإذا كنا بصدد سبب الإباحة المطلق فلا أهمية للتفرقة بين المساهم الأصلي والمساهم التبعي فكل منهما يستفيد من الإباحة طالما توافرت شروطها، أما إذا كنا بصدد سبب الإباحة النسبي فلا يستفيد منه من يرتكب الفعل كمساهم أصلي إلا إذا توافرت لديه الصفة أو المركز القانوني، أما المساهم التبعي فلا يشترط توافر هذه الصفة أو المركز لديه، وإنما يكفي لإستعادته من الإباحة أن تتوافر هذه الصفة لدى المساهم الأصلي فشريك الطبيب يستفيد من الإباحة المقررة للطبيب [28]. أما إذا كان المساهم الأصلي غير الطبيب فإن الشريك لا يستفيد من هذا السبب من أسباب الإباحة ولو كان هو نفسه طبيبا.
5- من حيث تأثير الظروف :
في كثير من التشريعات تقوم المساهمة الجزائية على مبدأ إستعارة شريك إجرامه من إجرام الفاعل، فنشاط الفاعل تكمن فيه الصفة غير المشروعة بينما نشاط الشريك هو في الأصل غير مجرم لا يستمد هذه الصفة نتيجة لإتصاله بالفعل غير المشروع الذي ارتكبه الفاعل ويترتب على ذلك أن الظرف الذي يتوافر لدى الفاعل ويكون من شأنه تغيير وصف الجريمة القانوني هو الذي يعتد به القانون دون الظرف الذي يتوافر لدى الشريك ويكون له نفس الشأن ولما كان الأخد بمبدأ وحدة الجريمة وهو ما تأخذ به التشريعات التي تتبنى مبدأ استعارة الشريك إجرامه من إجرام الفاعل مؤداه أن يسأل كل المساهمين عن الجريمة التي ارتكبها المساهم الأصلي، فإن الشريك يسأل عن الجريمة بوصفها الجديد الذي يجعله عليها القانون نتيجة لتوافر ظرف معين لدى الفاعل شرط أن يكون عالما به المكادة 44/3 يسأل كل من الفاعل والشريك عن الجريمة التي ارتكبها الفاعل دون أن يكون للظرف الذي تحقق في شخص المساهم التبعي أي أثر على وصفها القانوني ومثال ذلك إن كان المساهم الأصلي دون التبعي طبيبا قام بإجهاض امرأة يسأل عن جنحة الإجهاض طبقا للمادة 306 ق.ع. ويسأل المساهم التبعي معه عن جناية إجهاض أيضا، أما إذا كانت تعلم وقت قيامه بنشاطه بصفة توافر صفة الطبيب لديهن أما إذا توافرت صفة الطبيب لدى المساهم التبعي دون الأصلي فإن كلا منهما يسأل عن جنحة إجهاض فقط.
6- من حيث إعتبار التعدد ظرفا مشددا :
إن بعض التشريعات تذهب لبعض الجرائم اعتبار بعدد المساهمين في ارتكاب الجريمة ظرفا مشددا لعاقب كل منهما، مثل جريمة السرقة المادة 353-354 ق.ع وعلل ذلك إن تعدد الفاعلين يجعل الجريمة أسهل وأسرع فضلا عما يدخله من الرعب في الصحة بينما لا يتحقق ذلك إذا وجد المساهم الأصلي مساهم تبعي ظل بعيدا عن مسرح الجريمة ، وعندما تبين في العمل أن المساهمة التبعية بالمساعدة في الأعمال المعاصرة لإرتكاب الفعل تتحقق فيه علة التشديد كذلك وذهب القضاء في مصر وفرنسا إلى اعتبار الشريك الذي يقدم المساهمة للفاعل الأصلي في إتمام الجريمة فاعلا مع الغير على الرغم مما في ذلك الحل من معارضة للمعيار الموضوعي الذي يأخذ به القانون الفرنسي والمصري.
7- من حيث الشروع في ارتكاب الجريمة :
الشروع في المساهمة التبعية لا يعاقب القانون عليها بينما الشروع في الأفعال التي تقوم بها المساهمة الأصلية يرتب مسؤولية كل من المساهمين الأصلي والتبعي في هذه الجريمة فإذا قدم "س" سلاحه لـ"ع" لكي يرتكب به جريمة قتل فإرتكب "ع" الجريمة مستعملا أداة أخرى أو قدم "س" مساعدة لـ "ع" على ارتكاب جريمة السرقة فلم تلق المساعدة قبولا من "ع" فإنه لا يسأل في كلتا الحالتين عن الشروع في المساهمة التبعية وهذه نتيجة منطقية لآخر مبدأ استعارة الشريك إجرامه من إجرام الفاعل [29].
كذلك في مجال الشروع فيما يتعلق بتأثير العدول الإختياري من جانب المساهم الأصلي على سائر المساهمين، إذ تنتفي مسؤولية من ساهم معه مساهمة تبعية بينما يسأل من ساهم مساهمة أصلية حتى ولم يقم هذا الأخير بأي دور في التنفيذ مثلا إذا ساعد "س" كل من "ع" و "ل" على ارتكاب الجريمة بتوزيع الأدوار بينهما فبدأ في تنفيذ الجريمة لا يسأل "س" لأنه يستفيد من عدول "ع" تطبيقا لنظرية إستعارة الشريك إجرامه من إجرام الفاعل ولا يسأل "ع" لأنه عدل بإختياره وبالتالي لم تتوافر في حقه أركان الشروع ولكن يسأل "س" عن الفعل الذي أتاه "ع" بإعتباره شروعا في الجريمة وتعليل ذلك أنه وقف لقواعد المساهمة الأصلية يعتبر كل فاعل أنه قد أراد فعل كل زميل له ويسال عنه ومن الأصول الثابتة في المساهمة الجنائية، أن كل مساهم يسأل عن عمله وعن عمل غيره نظرا إلى الرابطة التي تجمع بينهم وتقوم بها وحدة جريمتهم ولا يحاول دون ذلك أن يعرض لأحد الفاعلين سبب خاص به يعفيه من العقاب .
8- من حيث العقوبة :
بالرغم من أن القاعدة العامة في بعض التشريعات ومنها القانون الجزائري هي المساواة أمام القانون في العقوبة بين المساهمين في الأصلي والتبعي بحيث يعاقب كلا منهما بالعقوبة المقررة الجريمة التي ساهم إلا أننا كثيرا ما نجد إستثناءات من هذه القاعدة، فقد ينص القانون على معاقبة المساهم التبعي بعقوبة أخف من عقوبة المساهم الأصلي، مثل ذلك ما تنص عليه المادة 135 ق.ع. مصري التي تنص على" المشاركون في القتل الذي يستوجب الحكم على فاعله يعاقبون بالإعدام أو بالأشغال الشاقة المؤبدة".
ثانيا: من حيث تطبيق ق إ ج :
إن المشرع يولي أهمية للتمييز بين المساهمة الأصلية والمساهمة التبعية من تطبيق قانون الإجراءات الجزائية متنوعة فبعضها يتعلق باللآثار التي تترتب على شكوى الضحية والبعض الآخر يتعلق بالإناث.
1- من حيث تأثير شكوى الضحية :
الأصل أن تحريك الدعوى العمومية من إختصاص النيابة العامة لكن قانون الإجراءات الجزائية قيد أحوال معينة لسلطة النيابة العامة في تحريك الدعوى بإشتراط تقديم شكوى من الضحية. مثال ذلك اشتراط تقديم شكوى من الضحية في جرائم الزنا بين الزوجين المادة 339 ق.ع.ج وكذلك السرقة بين الأزواج والأصول والفروع المادة 339 ق.ع.ج كما جاء في قانون الإجراءات الجزائية على أنه إذا تعدد المتهمون وكانت الشكوى مقدمة ضد أحدهم تعتبر أنها مقدمة ضد أحدهم تعتبر أنها مقدمة ضد الآخرين ولكن تطيق هذه القاعدة على إطلاقها بالنسبة لجريمة الزنا يفوت الغرض من قيد الشكوى فعله القيد في هذه الجريمة هي الحرص على مصلحة العائلة، وهذه العلة لا تتحقق إذا قدمت شكوى ضد الزوج الزاني أو الزوجة الزانية وجب على النيابة أن الدعوى كذلك ضد الشريكة أو الشريك، أما إذا قدمت الشكوى ضد الشريك أو الشريكة وحدهما فلا يكون لهما أي أثر في تحريك الدعوى قبله وتكون دعوى النيابة غير مقبولة ضدها.
2- من ناحية الإختصاص :
يخضع المتهمون في جريمة واحدة لإختصاص محكمة واحدة، ويعني ذلك أن وحدة الجريمة التي ساهموا فيها تبرر الخروج على مبدأ الإختصاص المكاني، واهمية التمييز بين الفاعل والشريك تظهر من الناحية العلمية فيما يتعلق بالإختصلص النوعي، إلى اختصاص المحاكم الجزائية بالجنح والمخالفات واختصاص محاكم الجنايات بالجنايات المادة 248-328 من قانون الإجراءات الجزائية، إذ يتوقف تحديد المحكمة المختصة على نوع الجريمة وهذا بدوره يتعدد وفقا لظروف الجريمة التي يعتد في شأنها بالفاعل الأصلي دون الشريك [30].
3- من حيث الإثبات :
لإدانة الفاعل يجب أن يثبت أنه ارتكب الجريمة أو ساهم في تنفيذها، أما بالنسبة للشريك فيجب إقامة دليل الإثبات على الجريمة الأصلية التي إرتكبها المساهم الأصلي، وكذلك قد يميز القانون بين المساهمين الأ"صلي والتبعي من حيث طرق الإثبات، فعلى الرغم من الأصل الإثبات في المواد الجزائية أن يكون بكافة الطرق، وقانون الإجراءات الجزائرية الجزائري قد حصر في المادة 341 منه، الأدلة القانونية التي يمكن بها إثبات مساهمة شريك الزوجة في جريمة الزنا، بحيث لا يمكن القول بمساهمة في هذه الجريمة ما لم يتوفر في حقه أحد هذه الأدلة فيحين لا يتقيد القاضي بأدلة خاصة في إثبات زنا الزوجة أو الزوج أو شريكة الزوج.
ومما تقدم تتضح الأهمية المتعددة الجوانب للتمييز بين الفاعل الأصلي والشريك وقد لفت المؤتمر الدولي لقانون العقوبات المنعقد في أثينا سنة 1957م إلى أن نظام المساهمة يجب أن يضع في الإعتبار الفروق الجوهرية الناتجة من ناحية عن مساهمة الجناة في فعل مشترك ومن ناحية أخرى عن شخصية كل جان ومسؤوليته الشخصية [31].
ثالثا : في القضاء الجزائري :
إن ضرورة اللجوء إلى بعض قرارات غرفة الإتهام علنا نكشف معيار التمييز الذي يتبعه القضاء الجزائري ويبدو من هذه القرارات الصادرة عن غرفة الإتهام بمحكمة جنايات مدينة العاصمة تمسكها بالمعيار الموضوعي الشكلي الذي يضيق من نطاق المساهمة الأصلية ويحصرها في الأفعال التي تكون الركن المادي للجريمة وماعدا ذلك من الأفعال التي تتصل بهذا الركن لا تعتبر من عناصره فتعتبرها أفعال اشتراك وتكيف بالتالي مرتكبها بالشريك ويتجلى هذا في قضية تتعلق بالقتل العمدي اعتبرت غرفة الإتهام فاعلا بطعن الضحية بالسكين بينما اعتبرت شريكين بالمساعدة في هذه الجريمة اكتفينا بالمشاركة في المضاربة التي أدت إلى موت الضحية فالمشاركة في هذه الجريمة أو في هذه القضية تكفي لإعتبار مرتكبها مع توافر نية القتل لديه مساهما مباشرا في الجريمة [1].
وفي قضية مماثلة كيفت شريكا بالمساعدة في الجريمة أدى إلى الموت من كان واقفا إلى جانب المعتدين وهو حامل لآداة وهو يهدد بها الأشخاص الحاضرين ويمنعهم من الإقتراب لنجدة الضحية ورغم أنه كان من المسببين في إثارة المضاربة التي حصلت كما أن المشاركة في المضاربة التي أفضت إلى موت الضحية في القضية الثانية لا تكفي لإعتبار مرتكبها مع توافر نية القتل لديه مساهم مباشر في الجريمة.
وفي قضية تتعلق بضرب أفضى إلى موت دون قصد إحداثه اعتبرت شريكا بالمساعدة المساهم الذي اتجه مع شخصين آخرين قصد الإنتقام من الضحية إلا أنه لم يتبين حقه أنه ساهم فعلا في هذا الضرب [2].
الخاتمة
إن المساهمة الجنائية تتحقق عند ارتكاب مجموعة من الجناة لجريمة واحدة، وحتى نوزع المسؤولية بينهم ميزنا بين من يعتبر الفاعل الأصلي و من يعتبر شريكا و هذا بالاعتماد على نظرية الشروع القائمة على مبدأ بدأ التنفيذ، وهكذا يعد شريكا كل من قام بأعمال تحضيرية لا ترقى الى البدأ في التنفيذ أو قام بالأعمال المنفذة أو المسهلة للجريمة لكن شرط ألا يكون في مسرح الجريمة ولا يوجد تلازم زمني بين فعل الفاعل الأصلي و الشريك.
إن المساهمة الجنائية الثانوية تتطلب ضرورة توافر اركان أو عناصر و هي الركن الشرعي و الركن المادي و المعنوي، فإذا تخلف ركن من هذه الاركان تنتفي مسؤولية الشريك وبهذا الخصوص قضت المحكمة العليا بالنقد في العديد من القرارات و الاحكام لعدم توافر عنصر القصد.
و بالعودة الى المشرع الجنائي نجد انه نص على عقاب الشريك بنفس العقوبة المقررة للفاعل الاصلي، غير انه و مراعاة لمبدا تفريد العقاب فقد نص على ظروف معينة سواء كانت شخصية متصلة بالجاني التي لا تأثر إلا فيمن توفرت فيه سوء كانت مخففة او مشددة للعقاب، او ظروف موضوعية و التي تتصل بماديات الجريمة و هي تتأثر بكل المساهمين إذا توافر عنصر العلم بها أو ظروف مختلطة التي تتصل بالشخص الجاني.
الهوامــــش
[1] - د/ عبد الفتاح مصطفى الصيفي ق ع دار الهدى ص 398.
[2] - د/ عبد الله أوهايبية محاضرات في شرح قانون العقوبات ص 147.
[3] - عبد الله سليمان قانون شرح العقوبات دار الهدى ص 156.
[4] - د/ محمد العساكر نظرية الإشتراك في الجرمة ق.ع.ج والقانون المقارن دكتوراه 78 جامعة بن عكنون ص 26-286.
[5] - د/ عبد الفتاح الصيفي قانون العقوبات دار الهدى ص 399.
[6] - د/ محمد زكي أبو عامر قانون العقوبات القسم العام دار الجامعة الجديدة للنشر 1996، ص266.
[7] - د/ عبد الله سليمان المرجع سبق ذكره.
[8] - د/ عبد القادر الستار المساهمة الأصلية في الجريمة دار النهظة العربية 1967، ص 80،19،16.
[9] - فوزية عبد الستار المرجع السابق، ص 123-124.
[10] - فوزية عبد الستار المرجع السابق.
[11] - د/ محمد زكي ابو عامر قانون العقوبات القسم العام دار الجامعة الجديدة للنشر 1996، ص 266.
[12] - د/ محمد زكي ابو عامر قانون العقوبات القسم العام دار الجامعة الجديدة للنشر 1996، ص 399.
[13] - د/ عوض محمد قانون العقوبات القسم العام 1998 ص 365.
[14] - د/ عبد الله أوهايبية محاضرات في شرح القانون الجزائري ص13 إلى 148.
[15] - د/ عادل قودة محاضرات في قانون العقوبات ديوان المطبوعات الجامعية 1988 ص 127.
[16] - د/ عبد الله أوهايبية محاضرات في شرح القانون الجزائري ص 148.
[17] - د / عادل قودة محاضرات المرجع السابق ص 128.
[18] - د/عبد الله سليمان شرح القانون الجزائري ص 148.
[19] - - د / عادل قودة محاضرات المرجع السابق ص 128.
[20] - د/ عبد الله أوهايبية المرجع السابق ص 150-151.
[22] - د/عبد الله سليمان شرح القانون الجزائري ص 165-166.
[23] - د/عبد الله سليمان شرح القانون الجزائري ص 177.
[24] - د/ عبد الله أوهايبية محاضرات في شرح قانون العقوبات الجزائري ص 154
[25] - د/ محمد العسكري نظرية الإشتراك في الجريمة 1978 ص 421، 422
[26] - د/ محمد العسكري نظرية الإشتراك 1978 ص 423.
[27] - د/ فوزية عبد الستار المساهمة الأصلية في الجريمة دار النهظة العربية 1967 ص 726.
[28] - د/ فوزية عبد الستار المرجع السابق ص 29-30.
[29] - د/ فوزية عبد الستار المرجع السابق ص 32-33-34.
[30] - د/ فوزية عبد الستار المرجع السابق ص 38.
[31] - د/ فوزية عبد الستار المرجع السابق ص 38-39.
البحث 06
لمطلب الأول : تعريف المسؤولية الجنائية.
للمسؤولية الجنائية مفهومان : الأول مجرد و الثاني واقعي ، و يراد بالمفهوم الأول صلاحية الشخص لأن يتحمل تبعة سلوكه و هنا نجد المسؤولية صفة في الشخص أو حالة تلازمه سواء وقع منه ما يقتضي المساءلة أو لم يقع منه شيء و يراد بالمفهوم الثاني (الواقعي) تحميل الشخص تبعة سلوك صدر منه حقيقة و هنا المسؤولية ليست مجرد صفة أو حالة قائمة بالشخص بل هي جزاء ايضا و هذا المفهوم يحتوي على المفهوم الأول لأنه لا يتصور تحميل شخص تبعة عمله المجرم بخضوعه للجزاء المقرر لفعله في قانون العقوبات.
تطور مفهوم المسؤولية الجنائية : لم تكن المسؤولية الجنائية فكرة مجهولة في القوانين القديمة ، و ان كانت تحدد على نحو مخالف لها هي عليه الآن ، ذلك أن القانون يتأثر بمعتقدات البيئة التي ينشأ فيها ، فالمسؤولية الجنائية لا يجب أن تعزل عن اطارها التاريخي في سياق نمط الحياة و طرق التفكير اللذين عرفا ، في المجتمعات القديمة.
لقد شغلت فكرة السلام و الاستقرار المجتمعات القديمة ، و لذا فلا غرابة أن نجدها سعيا وراء تحقيق هذه الغاية تضحي بالحاجات الفردية فلقد اهتدت تلك المجتمعات بفضل اعتقادها الديني و ارتباط الإنسان بالجماعة التي ينتمي إليها و قصور تفكيرها حول طبيعة الخطأ إلى القول بنوع من المسؤولية الجنائية تميزك بالخصائص التالية :
المظهر الآلي و الموضوعي للمسؤولية الجنائية : ساد الاعتقاد قديما بأنه لا بد من وجود مذنب وراء كل فعل ضار ، يكون مسؤولا عنه ، فإذا عرف الفاعل مسبب الضرر ، فإن رد الفعل عليه يكون تلقائيا أو آليا ، لم تكن المجتمعات تهتم بصفات فاعل الضرر الشخصية فلم تميز فاعل عاقل أو مجنون ، كبير أو صغير ، حيوان أو إنسان ، فإسناد الفعل الضار إلى أي مصدر كان يجعله مسؤولا ، فالفعل و الضرر هما ما يميزان المسؤولية (لذا فهي موضوعية)
المظهر الجماعي و الشامل للمسؤولية : كانت النظرة إلى المسؤولية أوسع و أشمل مما هو معروف اليوم ، فقد كانت تتوسع لتشمل أشخاصا لا علاقة لهم بالفعل المرتكب.
كمسؤول الأسرة كلها أو عشيرة الجاني أو قبيلته عن فعل أحد أفرادها فلم تكن المجتهدات القديمة تفرق بين شخص و آخر .
تطور فكرة المسؤولية (ظهور مسألة الخطأ) : فكرة المسؤولية الموضوعية لم تكن لتستمر على مدى الأزمة ، فقد بدأ كفرة الخطأ تتبلور شيئا فشيئا لتنحصر المسؤولية ج في أضيف الحدود ، و ساهم في هذا التطور ظهور الدولة التي أخذت على عاتقها إقامة العدالة فبفضل الدولة بدأت المجتمعات القديمة تتحويل عن مفهوم المسؤولية الجماعية الضالمة الى مفهوم المسؤولية الفردية العادلة ، ليترسخ بعد ذلك مبدأ ”شخصية العقاب” تواحد من أهم مبادئ المسؤولية الجنائية في الوقت الحاضر .
تأثير الدين : أجهد الحكام انفسهم في المجتمعات القديمة لارضاء الآلهة و التنفيذ بأوامر الدين فأنزلوا أشد العقوبات بمن يخالف التعاليم الدينية ، خشية من ان تحل لعنتها على المجرم بالمجتمع ، و لقد ورثت الدولة عن المجتمعات القديمة هذا الاتجاه ، فدعمتته لما في ذلك من تقوية لمركزها باعتبارها حامية المقدسات ، و باعتبار الجرائم الدينية عامة .
• هذا و كان لظهور الدين المسيحي أثر بالغ في تعديل مضمون الجزاء و المسؤولية في الفكر الغربي ، فلقد وجدت المسحية في الخطيئة اساس مفهوم الجريمة فمن يرتكب الخطيئة يعد اثما و يكون مسؤولا ، و في هذا النطاق أفاض رجال الفقه الكنسي في مناقشة بعض المفاهيم التي تعد اليوم أساسا للمسؤولية ج كالاسناد الإثر و الجزاء ، على سبيل المثال : استناد الواقعة الإجرامية إلى فاعلها و تحميله نتائجها (الاعتماد على الارادة في تفسيرها). و من ناحية أخرى فقد ربط الفكر المسيحي الاثم بالنية فمرتكب الجريمة ليس اثما ان لم تتوافر لديه نية الاجرام (الارادة ، و حربة الاختيار).
• و في وقت لاحق ظهر الإسلام بنظريته المميزة الى التجريم و العقاب ، فقد حددت الشريعة الاسلامية شروط المساءلة الجنائية على نحو يفوق أحدث النظريات الجائية ، فالعقل و الارادة الحرة هما مناظ تحمل التبعة تحملا كاملا من حيث النتائج و الغايات ، و هو ما أجمل عليه الفقهاء المسلمين من ان التبعة التامة لا تقوم إلا على العاقل ، فلا يثبت تكليف الأعلى من أو في عقلا سليما بأن كان بالغا عاقلا و يسقط الاثم في حالة الخطأ (الغلط) و النسيان و الاكراه ، لقوله صلى الله عليه و سلم “رقع القلم على ثلاث : عن الصغير حتى يحتلم و عن النائم حتى يستيقظ ، و عن المجنون حتى يفيق” كما راعت الشريعة الجانب النفسي في الجريمة.
شروط المسؤولية الجنائية : حتى تتحقق المسؤولية الجنائية لا بد من حدوث واقعة توجب المسؤولية الجنائية و شرط الواقعة الموجبة للمسؤولية الجنائية أن تكون جريمة و كذا حتى تتحقق م ج لا بد من وجود شخص معين يحملها و يلزم في هذا المسؤول شرطان ، أن يكون أهلا لتحمل المسؤولية و الثاني أن يكون هو مرتكب الجريمة .
موجب المسؤولية الجنائية : حتى تقوم م ج لا بد أن تكون هناك جريمة وقعت و أن نستوفي الجريمة أركانها و ان يكون الشخص خاضعا لقانون العقوبات.
مناط المسؤولية الجنائية : الأهلية ج هي أساس م ج و لا تكتمل الأهلية الجنائية إلا باجتماع أمرين هما :
التميز وحرية الإختيار . يقصد بها : مجموعة الصفات الشخصية اللازم توفرها في الشخص حتى يمكننا أن ننسب إليه الواقعة الإجرامية . التي إقترفها عن إدراك واردة .
وعليه فهي تقييم أو تقدير لحالة الفرد النفسية والعقلية بحيث تكون لديه القدرة على تحمل تبعة عمله . ولاتتحقق الأهلية إلا إذا توافر العقل والرشد بحيث يكون قادرا على التمييز والإدراك ويقتضي ذلك أمرين
- النضج العقلي الكافي : لايعبر الفرد أهلا للمسؤولية إلا بعد أن تتضح ملكاته النفسية والذهنية ويصبح قادرا على التمييز .
- الصحة العقلية : بلوغ الفرد لسن معين يجعله عاقلا مميزا .
- حرية الاختيار : حرية الاختيار التي يمكن الأخذ بها هي حرية الاختيار الواقعية التي تمكن الفرد من التحكم بإرادته وتوجيهها التوجيه السليم المتفق مع القانون .
- صفة المسؤول : الإنسان لا يسأل بصفته فاعلا أو شريكا إلا عما يكون لنشاطه دخل في وقوعه من الأعمال التي نص القانون على تجريمها . سواء كان ذلك بالقيام بفعل أو الامتناع الذي يحرمه القانون .
- مدى لزوم العلم بنص التجريم : العلم بنص التجريم عنصر في القصد الجنائي ومن الفقهاء من يعتبر هذا العلم شرطا لنفاذ القانون وسريان أحكامه على المخاطبين به ومنهم من يعتبر العلم بالقانون شرطا لثبوت المسؤولية وقاعدة عدم جواز الاعتذار بجهل القانون مقررة بنصوص صريحة في عدد من التشريعات المعاصرة .
المسؤولية الجنائية بين الحتمية و الحرية (اساس المسؤولية الجنائية) :
يوجد في هذا الصدد مذهبان الأول تقليدي و يبين المسؤولية على أساس حرية الانسان في الاختيار ، و الثاني وضعي و هو يبني المسؤولية على اساس الخطورة الاجرامية للجاني.
المذهب التقليدي : فصل المسؤولية الجنائية عن المسؤولية الاخلاقية.
يرى أنصار هذا المذهب أن اساس المسؤولية يبنى على أساس حرية الانسان في الاحتياز فكل انسان بالغ عاقل يستطيع التمييز بين المباح و المحظور ، كما يستطيع التحكم في سلوكه فلا يأتي من الأفعال إلا ما يريد و لهذا فإنه يبغي ان يسأل عما وقع منه و أن يتحمل تبعته .
المذهب الوضعي Ecole position : ترى المدرسة الوضعية أنه لا يمكن بأسس المسؤولية الجنائية على أساس اخلاقي أو أدبي فالإنسان مسيتر لا مخير ، و لهذا الخصوص يقول جارو فالو أحد اقطاب المدرسة “لا تستطيع أن تبني قانونيا العقابي على أساس المسؤولية الاخلاقية فإرادة الفرد تخضع و على الدوام لمؤثرات داخلية و خارجية.
و يلخص الفتية أنريكو فري موقف المدرسة الوضعية يقوله : أن المدرسة الوضعية تنكر حريت الاختيار و اذا فهي تنكر المسؤولية الأدبية و فكرة الإثم و الاستناد المعنوي و لا تهتم (لا بالانسان الفيزيائي المادي) الذي تترب عليه المسؤولية الجنائية.
فالمدرسة الوضعية تنادي نبوع آخر من المسؤولية تسمى المسؤولية الاجتماعية التي تقوم على الخطوره الإجرامية التي يمثلها الجاني و التي تستجوب التدخل لمنع الإجرام.
* و أمام هذه الآراء المتعارضة حول أساس المسؤولية ج و التي تعكس الخلاف الفلسفي القديم حول حقيقة الإنسان : هل هو مسير أم مخير : مدارس فقهية للتوفيق بين المدرستين
عملت المدارس الوسيطة على تجنب الخلاف بين المدرستين بشأن القول بحرية الاختيار أو رفعت ، انتقاء أفضل ما عندها في محولة للوصول إلى (ساس جديد تقوم عليه المسؤولية) و لكن هذه المحاولات لم تصل إلى جديد .
موانع المسؤولية الجنائية :
الحقول أو عاهة الحقول: يشترط لهذا المانع شرطان.
الأول : توافر الجنون أو عاهة العقل : الجنون هو كل آفة تعتري الإنسان فتؤثر على أجهزته أو قواه التي تهيمن على إدراكه أو اختباره فتفسد أحدهما أو كلاهما سواء كانت هذه الآفة أصلية أو عارضة سواء تمثلت في مرض عقلي أو عصبي أو نفسي أو عضوي ، و المشرع ساوى بين الجنون و عاهة العقل لأنهما يؤديان إلى أثر واحد هو فقد حرية الاختيار.
الجنون يتسع ليشمل كل خلل عقلي و يتناسب هذا الرأي مع لا نص القانوني خاصة و أن المادة 47 التي تتكلم عن الجنون ترجعنا إلى المادة 21 التي تتكلم عن الخلل العقلي، مما يوحي بأن القانون يتكلم عن الحالتين بمعنى واحد.
- معاصرة الجنون لزمن ارتكاب الجريمة : لا أثر للجنون السابق على ارتكاب الجريمة إذا اثبت أن الجاني كان مصابا بالجنون و لكنه شفي منه قبل أن يرتكب جريمته ، فشرط التوافق الزمني هو المحول عليه لمنع المسؤولية ، إذا العبرة بسلامة الإرادة عند افتراق الجريمة.
أثر الجنون الطارئ بعد ارتكاب الجريمة :
إذا وقع الجنون بعد الجريمة و قبل المحاكمة: فإنه يحول الجنون الطارئ دون اتخاذ الإجراءات القانونية و محاكمة المتهم فلا يجوز محاكمة المجنون إلا بعد أن يعود إلى رشده.
أما إذا وقع الجنون أثناء المحاكمة: لا يحاكم المجنون حتى يشفى ، فلا يجوز محاكمة من لا يستطيع الدفاع عن نفسه ، أو الحكم على من لا يفهم العقاب .
و إذا وقع الجنون بعد الحكم بالدانة يوجد وقف تنفيذ العقوبة حتى يتم شفاء الجاني اذا لا يجوز تنفيذ العقوبة على المجنون .
وضع المجنون في الحجز القضائي : إذا اثبت جنون المتهم أو أي خلل عقلي يمتع مسؤوليته وقت ارتكاب الجريمة أو أن يكون المتهم قد اعتراه خلل عقلي بعد ارتكاب الجريمة فإنه يجوز للقاضي أن يأمر بوضعه في الحجز القضائي كتدبير آمن وقائي بموجب نص المادة 21 التي نصت على ما يلي : الحجز القضائي في مؤسسة نفسية هو وضع الشخص بناء على قرار قضائي في مؤسسة مهيئة لهذا الغرض بسبب خلل في قواه العقلية قائم وقت ارتكاب الجريمة او اعتراه بعد ارتكابها.
صغر السن : تختلف التشريعات الوضعية على تحديد سن معين ، يعد الفرد بعد بلوغه مسؤولا عن أعماله الإجرامية ، تبعا للسياسة (الجنائية التي تنتهجها في هذا الميدان فأغلب التشريعات تعتبران الطفل الذي يبلغ سن السابعة معدوم التمييز و لا يحاسب على أي فعل يرتكبه و تمتد هذه المدة في القوانين الأخرى إلى سن الثانية عشر و حتى الخامسة عشر في بعض القوانين ، نصت المادة 49 من قانون ع الجزائري على ما يلي : “لا توقع على القاصر الذي لم يكمل الثالثة عشر إلا تدابير الحماية أو التربية”
و يلاحظ في النص أن قانون العقوبات الجزائري قد ميز بين ثلاث مراحل للمسؤولية بحسب عمر الجاني القاصر على النحو التالي :
المرحلة الأولى: و هي المرحلة التي تسبق سن الثالثة عشر، و هي مرحلة ايغدام الاهلية و انعدام المسؤولية العقابية تبعا لذلك ، يتضح ذلك من نص م49 ، المشار إليها أن الصبي دون 13 لا يعد مسؤولا بحكم القانون.
المرحلة الثاني : وهي المرحلة التي تمتد من سن 13 حتى 18 عاما من عمر القاصر و هي مرحلة نقص الأهلية و يسأل فيها الجاني القاصر مسؤولية مخففة تبعا لنقص الأهلية ، فإذا ارتكب القاصر بعد بلوغه 13 و قبل بلوغه سن الرشد الجنائي (18) جريمة فإن القانون يسمح بإخضاعه لتدابير الحماية أو العقوبات المخففة.
و تطبيق تدابير الحماية أو التربية لا تثير أمرا جديدا ، فقد رأينا أن هذه التدابير تطبق حتى على من لم يبلغ سن 13 و لكن الجديد هو إمكانية تطبيق العقوبات المخففة فيما يعني أن المشرع يعتقد بإرادة القاصر و يرتب له جزءا جنائيا و لو في حدود بينتها المادة 50 على النحو التالي :
- إذا قضي بأن يخض القاصر الذي يبلغ سنة من 13 إلى 18 لحكم جزائي فإن العقوبة التي تصدر عليه تكون كالآتي:
إذا كانت العقوبة التي تفرض عليه هي الإعدام أو السجن المؤيد فإنه يحكم عليه بعقوبة الحبس من 10 سنوات إلى 20 سنة.
و إذا كانت العقوبة هي السجن أو الحبس المؤقت فإنه يحكم عليه بالحبس لمدة تساوي نصف المدة التي كان يتعين الحكم عليه بها إذا كان بالغا، هذا و أضافت المادة 51 الحكم الخاص لمواد المخالفات فأجازت أن يحكم على القاصر إما بالتوضيح أو الغرامة.
كما أن النص لم يقيد القاضي و لم يجب عليه تخفيض الغرامة فهو يحكم في حدود سلطة التقديرية (القاصر يتساوى مع البالغ عند الحكم بالغرامة).
- Enseignant: ZAADI MOHAMED DJELLOUL
- Enseignant: RAHMANI HASSIBA