- Teacher: SLIMANI AHMED
فكر جزائري لمستوى ماستر 1 فلسفة عامة
- Teacher: SLIMANI AHMED
عبد
الحميد بن باديس رائد النهضة والإصلاح في الجزائر
لقد كان ابن باديس -كما وصفه مالك بن نبي-: " مناظرا فحما،ومربيا بناء،ومؤمنا متحمسا،وصوفيا ولها،ومجتهدا يرجع إلى الأصول الإيمانية المذهبية، ويفكر في التوفيق بين هذه الأصول توفيقا عزب عن الأنظار، إبان العصور الأخيرة للتفكير الإسلامي". وكانت شخصية الإمام ابن باديس -كما عنه يقول الدكتور عمار الطالبي-:" غنية ومعبرة عن أزمة المجتمع الإسلامي لا تماثله إلا شخصية جمال الدين الأفغاني في ثرائها وشمولها وجرأتها،وتعبيرها عن جميع جوانب المشكلات الاجتماعية والأخلاقية والدينية والعلمية والسياسية التي يتخبط فيها العالم الإسلامي".
- Teacher: SLIMANI AHMED
مقياس الفكر الجزائري
السنة أولى ماستر فلسفة
المحاضرة الاولى
الفكر الجزائري في الفترة القديمة
الفكر المغاربي (الأمازيغي) القديم
الفكر الجزائري جزء لا يتجزأ من الفكر البشري على مر التاريخ. ونعني به فكر أولائك الذين ينتمون إلى رقعة جغرافية تدعى الجزائر،وكانت لهم مساهمات في مجال الفكر والثقافة والفن والأدب منذ التاريخ القديم وصولا إلى التاريخ الحدث والمعاصر. ولهذا سنتعرف على بعض أعلام الفكر والثقافة في الجزائر وما خلفوه لنا من أعمال وأثار. وستكون البداية من الفترة القديمة قبل ميلاد السيد المسيح وقبل الفتح العربي الإسلامي. للتعرف على ثقافة فكر شمال إفريقيا القديم أو الفكر المغاربي-الامازيغي- القديم .
يوبــــا الثانـــي:
ولد حوالي52 ق م، وتوفي 23 م
ولد يوبا أو جوبا الثاني (Juba2) في مملكة نوميديا، وهو ابن الملك يوبا الأول الذي قاوم الرومان مقاومة شرسة، وبعد هزيمة يوبا الأول أمام القوات الرومانية، أسر يوليوس قيصر ابنه يوبا الثاني الذي كان طفلا صغيرا بين خمس وسبع سنوات، فحمله إلى روما، حيث نشأ في البلاط الفاخر، وعاش في كنف الإمبراطور أغسطس خلف قيصر، فعلمه الفنون والآداب والعلوم وشؤون الحكم في مدارس روما وأثينا ومعاهدهما. ونظرا لمكانة يوبا الثاني الثقافية، وصدق ولائه، وإخلاصه للإمبراطور الروماني القيصر أوكتافيوس، فقد أجلسه هذا الأخير على عرش موريطانيا الغربية؛ نظرا لما قام به من خدمات جليلة لصالح شعبه. وبالتالي، حكم يوبا الثاني خمسين سنة في ظل الحماية الرومانية. ولم يضيع هذه السنوات إلا فيما يعود على شعبه الوفي بالخير والسؤدد والهناء. وبالتالي، "عرفت أيامه بالاستقرار والهدوء حتى توفي سنة23م، ليخلفه ابنه بطليموس الذي نهج سياسة أبيه في توحيد الأمازيغيين، وتحقيق آمالهم وطموحاتهم.
وما يلاحظ على شخصية يوبا الثاني أنها شخصية متميزة بموسوعيتها الفكرية والثقافية، وذات خبرة محنكة في مجال السياسة والتدبير الإداري، بله عن نبل أخلاقها، ووفائها الشهم، وإيثارها التضحية من أجل الشعب ولمصلحة الشعب. وفي هذا الصدد، يقول الباحث المغربي محمد بوكبوط:" لعله من المفيد الإشارة إلى شخصية هذا الملك المتميزة، فعلاوة على أصله النوميدي الأمازيغي، وتربيته الرومانية، فهو بونيقي بما ورثه مع قومه من حضارة قرطاج، وإغريقي بثقافته وذوقه الفني، ومصري بزواجه من ابنة كليوباترة ملكة مصر، كل هذه الجوانب روعيت بدون شك من طرف الإمبراطور عند اختيار يوبا لاعتلاء عرش موريطانيا.".
هذا، وقد أنشأ يوبا الثاني في عاصمتيه" شرشال" و" وليلي" حكما ديمقراطيا نيابيا تمثيليا، إذ طالب بتكوين مجلس بلدي يتم انتخاب أعضائه من بين المواطنين الأحرار، ويتولى كل مجلس تسيير أمور المدينة على غرار المدينة الرومانية .
بالإضافة إلى الجانب الإداري، فقد حقق عصر يوبا الثاني طفرة اقتصادية متنوعة، وازدهارا تجاريا كبيرا ؛ لأنه شجع الزراعة والصناعة والتجارة. وأقام مشاريع صناعية كبرى في عدة مدن.
وفي الحقيقة، فقد تميزت أيام يوبا الثاني (25 ق.م-33 بعد الميلاد) بالازدهار الاقتصادي في جميع المجالات، وعلى جميع المستويات والأصعدة والقطاعات. وبطبيعة الحال، فقد كان عصر يوبا الثاني عصر الرخاء الاقتصادي، وعهد التطور التجاري، وفترة تحسن الأحوال الاجتماعية، وانتعاش النهضة الفكرية والثقافية.
إسهامـــات يـــوبا الثانـــي في مجـــال الفكر والثقافـــة :
تعد إسهامات يوبا الثاني في مجال الثقافة والفكر أهم من إنجازاته السياسية والإدارية والاقتصادية، فقد عرف يوبا الثاني مفكرا ومثقفا وعالما أكثر مما عرف حاكما سياسيا.
مـــؤلفـــات يوبـــا الثانـــي:
يعتبر يوبا أو جوبا الثاني - إلى يومنا هذا- من كبار العلماء والمثقفين الأمازيغ الذي عرفوا عند اليونان والرومان والمثقفين اللاتين بسعة المعرفة، والتبحر الموسوعي.إذ كان يمتاز بكثرة العلم والاطلاع، وكان كثير السفر والبحث والتجوال، وموسوعي المعارف والفنون. وقد ألف كثيرا من الكتب والبحوث والمصنفات في التاريخ والجغرافيا والرحلة والطبيعيات والفنون والآداب والطب والعلوم الاستكشافية. لكن هذه المؤلفات النادرة والثمينة لم تصل إلينا سليمة، بل ثمة إشارات إليها في كتب المؤرخين مبثوثة هنا وهناك...
هذا، ويرى الدكتور حسين مجدوبي أن من أسباب ضياع مؤلفات يوبا الثاني هي الحروب التي شهدتها فترة بطليموس وأيديمون مع القوات الرومانية إبان كاليغولا. هذا، ولا نعرف من مؤلفات يوبا الثاني " سوى تسعة عناوين . ولاشك أنه نشر كثيرا غيرها. وكانت كلها باللغة الإغريقية، ولم يصلنا أي واحد منها. ولكن بقيت لنا منها مقتطفات كثيرة بفضل الاستشهادات المروية عنه بنصها إلى حد ما، والمبعثرة في كتب مختلف المؤلفين، مثل: پلين، وبلوتراك، وأثيني، وغيرهم. والحق أن جل هذه المقتطفات قصيرة جدا، كما تعسر معرفة الكتاب الذي أخذت الفقرة منه، عندما ينعدم ذكر المرجع..."
ومن أهم هذه الكتب التي ألفها يوبا الثاني، نذكر: ليبيكا، وأرابيكا، وموسوعة الموسيقى الضخمة، وكتاب تاريخ روما، و الآثار الرومانية، وكتاب الأشباه(15 جزءا)، ومختصر الآشوريين (جزءان)، ورسالة صغيرة عن نبات أوفورب، وكتاب عن فن الرسم أو الرسامين (ثمانية أجزاء)، وتاريخ المسرح، وغيرها من الكتب والرسائل والمخطوطات الضائعة...
وعليه، فقد كان يوبا الثاني - حسب شارل أندري حوليان- في كتابه(تاريخ شمال أفريقيا):" يحسن اليونانية واللاتينية والبونيقية، وكان في تآليفه آخذا من كل شيء بطرف، فلم يبق علم واحد غريبا عنه، وكان في إمكانه أن يكتب في كل موضوع بفضل مكتبته الثرية ونساخه الذين لا يعرفون التعب .غير أن تآليفه لم تبق بعده، ولعله من المؤسف أن يكون كتاب ليبيكا قد ضاع، إذ ربما وجدنا في كتاباته عرضا لبعض المعلومات عن التقاليد المحلية."
اهتم يوبا الثاني اهتماما متميزا بالجانب الثقافي والعلمي والفكري، فقد اعتمد على المقاربة الثقافية في تحقيق التنمية الشاملة، والدليل على ذلك عنايته بالعلماء والمكتبات والتوثيق العلمي والمتاحف
أنشأ يوبا الثاني خزانات ضخمة في المدن التي كان يشرف عليها، خاصة مكتبات قصوره، وقد جمع فيها أنواعا من الكتب والمخطوطات القيمة والدراسات النفيسة، خاصة المخطوطات والكتب اليونانية والمصرية واللاتينية والفينيقية التي توجد في مكتبة قرطاج، وقد ورثها عن جده الأكبر همبسال .
وعليه، فقد كانت مكتبات يوبا الثاني العامة، وخزاناته الخاصة العامرة بالكتب والمخطوطات والوثائق القيمة والثمينة، مثالا دالا وشاهدا حقيقيا على مدى اهتمام يوبا الثاني بالفكر والعلم والثقافة. وبالتالي، لم يكن الإنسان الأمازيغي القديم جاهلا أو أميا أو متعطشا إلى الحروب، بل كان يعنى بالتأليف والكتابة والإنتاج كما وكيفا، بل كان يوبا الثاني سيد المثقفين الغربيين في تلك الآونة، ومستشارا ثقافيا بارزا للقيصر أغسطس.استقطب يوبا الثاني، نحو عاصمتيه شرشال ، كبار الأدباء والفنانين والنحاتين والعلماء والأطباء من قرطاجنة واليونان وإيطاليا... كتاباته، كما جلب مهندسين ومثالين وفنانين آخرين للعمل في العمارات التي كان يزين بها عاصمته..."
ويعني هذا أن يوبا الثاني قد جمع حوله كثيرا من العلماء والفنانين والنساخين والأدباء والمبدعين والعلماء والمهندسين ...وكان يغدق عليهم الأموال والهبات والمكافآت تشجيعا لهم وتحفيزا وتقديرا وتنويها وتكريما.
يعد يوبا الثاني من أهم المؤلفين للموسوعات في التاريخ القديم؛ ويمكن القول بأن الأمازيغ كانوا سباقين إلى تأليف الموسوعات الكبرى. فقد ألف يوبا الثاني موسوعة ضخمة، في ثلاثة مجلدات ضخمة، سماها بالليبيات أو ليبيكا(Libyca )، جمع فيها رحلاته العلمية المختلفة، وضمنها كشوفاته الطبيعية والجغرافية المتنوعة، وأرفقها بأحاديثه عن المغرب، سيما ما يتعلق بالمجتمع الأمازيغي، على مستوى اللغة والعادات والتقاليد والأعراف. بمعنى أن هذا الكتاب مخصص لتاريخ أفريقيا الشمالية وباقي القارة الأفريقية. "
كان يوبا الثاني معجبا بالمكتبات الأدبية، فقد اطلع على الكثير منها، حينما نفي إلى إيطاليا قبل تتوجيه بالحكم، فقد مارس كتابة الشعر والنقد، فقد نقد دور لييونتوس (Leonteus) في مسرحية تراجيدية تسمى بهيبسيبل (Hypsipyle). وفي هذا الصدد.
هذا، وقد اهتم أيضا بالكتابة السردية، وسعى إلى جمع القصص وتوثيقها، حيث تضمنت موسوعة يوبا الثاني، خاصة (ليبيكا)، قصصا أمازيغية فانطاستيكية متنوعة، خاصة قصة (الأسد الحقود) التي مازالت تروى من قبل الجدات في عدة مناطق أمازيغية في المغرب باللغة البربرية، كما ورد ذلك جليا في كتاب(لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين) للباحث المغربي محمد شفيق .
وقد ذكر يوبا الثاني أيضا، في موسوعته (ليبيكا)، مجموعة من القصص الخرافية الأخرى، سيما قصة عودة البطل هيركوليس إلى طنجة، علاوة على قصص أخرى ضاعت بسبب ضياع موسوعة ليبيكا وباقي مؤلفات أغسطس الأخرى.
اهتم يوبا الثاني بالفنون اهتماما كبيرا، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على رهافة إحساسه، وسمو ذوقه الفني والجمالي، وتأثره بالثقافات المجاورة، مثل: الثقافة اليونانية، والثقافة المصرية، والثقافة الفينيقية، والثقافة القرطاجية، والثقافة الرومانية، والثقافة الأفريقية، والثقافة الأمازيغية المحلية.
لقد أقبل يوبا الثاني على الموسيقى بشغف مثير، ونهم متميز، فقد اهتم بها كثيرا، وخصص لها كتبا وافية وشاملة، عرّف فيها بمخترعي الموسيقى، وأشار إلى طبيعة حرفتهم والآلات الفنية التي كان يستعملونها، ورصد إيقاعاتها وألحانها. وفي الوقت نفسه، تحدث بإسهاب عن الفنون المجاورة للموسيقى، مثل: الرقص، والتمثيل، والمسرح، والنحت. وكان يوبا الثاني يستدعي العلماء والفنانين والأدباء من روما وأثينا ليفيدوا الأمازيغيين ويمتعوهم في المجال الثقافي والفني بصفة عامة، والفن الموسيقي والمسرح. ويثمن الكثير من الباحثين الإنجازات القيمة التي حققها الملك المثقف يوبا الثاني في مجال الدراما والتمثيل والتكوين المسرحي.
لم تظل مكانة يوبا الثاني الثقافية والعلمية حبيسة تامازغا فقط، بل انتشر صيتها متوسطيا، سيما في بلاد اليونان والرومان. و قد كرمه مثقفو أثينا، ووضعوا له تمثالا جليلا. وهكذا، فقد أشاد به الدارسون القدماء والمحدثون ؛ بسبب كفاءته الحاذقة، وعبقريته المتميزة، وحنكته السياسية المدبرة، فقد أثبت الباحث المغربي محمد شفيق بأن يوبا الثاني كان يكتب"باليونانية في التاريخ والجغرافيا والفلسفة والأدب وفقه اللغة المقارن، فتعجب من نبوغه " فلوتارخوس Plutarkhos "، ومن كونه" بربريا نوميديا، ومن أكثر الأدباء ظرفا ورهافة حس"...."
وقد تأثر به كثير من المؤرخين القدامى، فاعترفوا بنبوغه المعرفي الموسوعي، مثل: الروماني تيتوس ليفيوس (Tite-Live)، واليوناني تيودور الصقلي (Diodore de Sicile.)، وألكسندر الميلي(Alexandre de Milet)، والروماني بلينيوس الأكبر (Pline l'Ancien)، وآخرين ...
وعليه، يمكن أن نعد يوبا الثاني من أكبر المثقفين الذين أنجبتهم تامازغا إلى جانب أبوليوس (أفولاي) وأوغسطين.
المراجع:
المحاضرة في الأصل هي اختصار مع بعض التصرف لكتاب الدكتور جميل حمداوي بعنوان "يوبا الثاني الملك الأمازيغي المثقف".
المحاضرة الثانية
لوكيوس أبوليوس: (افولاي)
كاتب وفيلسوف أمازيغي، ولد حوالي سنة 125 م في منطقة مادور. وهي مداورش الحالية بولاية سوق أهراس ،تلقي علومه الأولية ودرس الخطابة في قرطاجة بتونس ، ثم انتقل إلي اليونان في أثينا اطلع على فلسفة أفلاطون.وتعمق فيها وكان شغوفاً جداً وأراد أن يعرف كل شيء من العلوم الطبيعية والفلك والطب، إلي الموسيقى وقرض الشعر، وكان يحب الأسفار والتنقل، فطاف بعدة بلدان وأقطار وأحتك بالعديد من الحضارات والثقافات، وبعد غيبة طويلة حافلة، عاد أدراجه ليقيم في موطنه الأصلي: شمال أفريقيا، فأستقر في: طرابلس حينا، ثم بمدينة: قرطاج، إلي حين مماته فيها نحو سنة180 م.
وأهم حدث في حياة ابوليوس، والذي فجر فيه طاقاته الفكرية واللغوية الفذة، تمثل في واقعة الدعوة المغرضة التي أقامها عليه أهل أرملة ثرية واتهموه فيها بأنه أرغم هذه المرأة علي الزواج به عن طريق السحر والرقية الخبيثة، طمعا منه في مالها، وقد أبرأ نفسه من هذه التهم في مؤلفه الضخم "في السحر أو دفاع ابوليوس"
ومن مؤلفاته الصغرى: "أفلاطون و عقيدته"، وكتاب: "جني سقراط" الذي عرض فيه المذهب الديني للفيلسوف الشهير: سقراط، وكذلك كتابه: "في العالم"، والذي هومجرد ترجمة بتصرف لمقالة الفيلسوف: أرسطو: "في الكون".
أما أشهر أعماله الأدبية علي الإطلاق فهو مؤلفه الخالد: الحمار الذهبي أو "الإمساخات"، وهو عبارة عن قصة في أحد عشر جزءا، وصف فيها مغامراته الشخصية الرئيسية للقصة وهو فتى يُعرف باٍسم: لوقيوس، امسخ حمارا - أي تحول إلى حمار، بفعل مرهم سحري، ثم عاد بعد مغامرات وأحداث رمزية شتى إلى صورته الإنسانية، وتنتهي قصة: "الاٍمساخات"، بالإشادة بالأسرار المقدسة، وتحديداً الجزء الحادي عشر الذي يتخلل مطلعه فرح ديني.
رواية الحمار الذهبي:
الحمار الذّهبيّ أو التّحوّلات" ثانية روايتين خلّفهما لنا الأدب اللاّتينيّ. مؤلّفها لوكيوس أبوليوس، أحد أشهر كتّاب القرن الثّاني وُلد في مادورة ( مدوروش بالجزائر حاضرا في 124 م. تعلّم بقرطاج وأثينا ثمّ أقام، وربّما اشتغل محاميا، بروما. ثمّ عاد إلى إفريقية، وتزوّج بأوية ( طرابلس) أثناء سفر إلى الإسكندريّة أرملة غنيّة، رفع ضدّه ابنها وحمو أخيه وعمّه قضيّة بتهمة تعاطي السّحر في محكمة صبراتة 159 ، فكتب "مرافعة عن نفسه". ثمّ عاش في قرطاج حيث كتب عدّة خطب ومقالات جمع بعضها تحت اسم "المنتخبات". له كذلك كتب فلسفيّة: أفلاطون ومذهبه.
كما تنسب إليه كتب أخرى في مجالات عدّة. يرجّح أنّه كتب روايته هذه بعد 170 ، وأنّه اقتبسها من كاتب يونانيّ بقي ملخّص من قصّته يُنسب للقيانوس السّموساطيّ معاصره السّوريّ، لكنّه صاغها بأسلوبه الفذّ وأعطاها إلى جانب طابعها الشّيّق بعدا فلسفيّا. وممّا يعطي قصّته نكهة فريدة مزاوجته بين أساليب شتّى من تشويق وفكاهة وإثارة جنسيّة ورعب وفظاعة وفخامة وجلال. ولها كذلك قيمة تاريخيّة ثابتة فهي مصدر مهمّ لمعرفة ديانات المسارّة المنتشرة في الإمبراطوريّة الرّومانيّة في ذلك العصر والّتي أثّرت في المسيحيّة، وعلى الأخصّ ديانة إيزيس.
ومن الطّريف أنّ بطلها حمار أو بالأحرى إنسان مُسخ حمارا لكنّه احتفظ بقدراته العقليّة، ونقلته الصّدف بين أيد شتّى، فشارك من خلال تنقّله في عدّة مغامرات وشاهد أخرى أو سمع بها.
فهو بنحو ما كبطلي الأوديسّة والإنياذة. وتصف لنا الرّواية، في أسلوب غلب عليه الطّابع الهزليّ، معاناة الحمار على أيدي النّاس، صغارهم وكبارهم، ومن كلا الجنسين. لكن قرائن عديدة تحمل على الاعتقاد بأنّ أبوليوس أراد من خلال مغامرات حماره الممتعة تبليغنا رؤيته الأفلاطونيّة، والأقرب بالأحرى إلى الأفلاطونيّة المحدثة وللمذاهب الغنوصيّة، لمعنى الحياة الإنسانيّة. قبل الإفساح لأبوليوس نودّ الإشارة إلى أنّا ألحقنا بالرّواية تراجم للشّخصيّات الميثولوجيّة والتّاريخيّة والأماكن الواردة وتفسيرا لمعاني أسماء شخصيّات الرّواية "وجلّها يونانيّة، وهي جزء من أساليب الفكاهة عنده.
المراجع:
لوكيوس أبوليوس، الحمار الذهبي أو التحولات، ترجمة عمّار الجلاصي
فتحي بن خليفة، الامازيغ والفلسفة، الحوار المتمدن العدد2766-11سبتمبر2009.
المحاضرة الثالثة:
القديس أوغسطين:
هو أوراليو أوغسطين، أشهر آباء الكنيسة اللاتينية، ولد سنة 354 م في مدينة:طاغست ، تسمي اليوم بسوق أهراس بالجزائر، ومات في هيبون -عنابة الحالية- سنة 430 م ، كان أبوه وثنيا ويدعى: باتريكيو، وأمه نصرانية تدعى: مونيكا.درس أولا في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى: مادورا، ليدرس الخطابة، كان مولعا باللاتينية وبالأدب اللاتيني، وكان غير ميال لليونانية التي لا يبدو أنه أتقن منها سوى بعض المبادئ الأولي. وعلى الرغم من أن أمه المتدينة قد حضته مبكراً على العماد إلا أٍنه لم ينتصر، وعاد اٍلى: طاغست، حيث عاش حياة منحلة، ندم عليها فيما بعد كما يشهد على ذلك كتابه " الاٍعترافات".
كانت الخطابة هي الفن الذي درسه اوغسطين في قرطاج حيث يروي لنا انه تفوق على اقرانه في فن الخطابة. وفي أثناء دراسته في قرطاج عثر أوغسطين على مؤلفات شيشرون التي أثرت فيه تأثيرا ظاهرا وصارت مصدرا ومعينا ينهل منه آيات الفلسفة والخطابة .
كما عزم ايصا على قراءة الكتاب المقدس من باب الاطلاع لا غير، فسرعان ما انصرف عنه بعد وجده كتابا ركيكا اذا ما قرن بنصوص شيشرون ذات المنزلة الادبية الرفيعة، ومع ذلك فإن مطالعة المتاب المقدس أثارت في نفسه موضوعات ومسائل شتى كان من أبرزها مشكلة تفسير أصل الشر وهي مكلة محيرة شغل بها أوغسطين الشغل كله فظل يبحث عن تفسير لها معظم سني حياته.
لم يكن اوغسطين فيلسوفا من فلاسفة العصور الوسطى بل كان من فلاسفة آباء الكنيسة في نهاية العصر القديم. كان أوغسطين مرهف الإحساس قوي العاطفة كثير التأثر جامعا الى جانب هذا بين ورع قوي ورغبة شديدة ملحة في الشهوات واللذات والأخذ بأكبر نصيب من الحياة ولهذا كانت نفسه ميدانا لصراع كبير بين قطبين متنافرين ولم يستطع الا في النهاية أن يوفق بين القطبين بأن قضى على أحدهما.
تساءل أوغسطين عن معنى الحقيقة و ماالسبيل إليها أي ما هو المنهج الذي بجب أن يسير عليه كيما يكتشفها. ومن ناحية اخرى شغلته مشكلة الشر وأصله في الوجود. فقام يبحث في المسائل الفلسفية دون التمسك بواحد منها وبدأ بالكتب المقدسة فلم يجد فيها الكفاية فانصرف الى المانوية لانه رأى أن هذا الدين يتحدث عن الحقيقة ويجعل الغاية من الوجود اكتشاف الحقيقة. ثم بعد ذلك انتابته موجة عرمة الشك المطلق فصار بذلك من اتباع المدهب الشكي. الا هذا الشك لم يدم طويلا خيث قرر الحروج منه خاصة لما رأى ان بعض العلوم تمتز باليقين كالرياضيات.
لم يجد أوسطين ضالته الا في المعرفة الودانية الفلبية أي المعرفة النابعة من الروحن فذات مرة بينما كان في الحديقة وخو في صراع عنيف مع أهوائه وإذا بصوت غني و يقول : خذ وافرأ. فبدا له أن أمرا إلهيا صدر اليه فتناول رسائل القديس بولس وشرع في قراءاتها فحمدت أهواؤه وانطفأت شعلة شهواته وبدأ فلبه يفيض نورا و إيمانا . وانتهى على اعتناق المسيحية .
المراحع:
عبد الرحمن بدوي، فلسفة العصور الوسطى
يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الاوربية في العصر الوسيط.
جاريث ب.ماثيوز، أوغسطين، ترجمة أيمن فؤاد زهري.
المحاضرة الرايعة
الفكر الجزائري في العصر الاسلامي الوسيط
يعد التاريخ الفكري و الثقافي لأية امة هو المقياس الأساسي والاداة الفعالة لوزن وفياس مدى نهضتها ورقيها وتقدمها ومدى مشاركتها في تشييد الحضارة الإنسانية.
شهدت الحزائر في العصر الإسلامي الوسيط حركة علمية نشيطة و عرفت حواضر ثقافية كانت بمثابة منارات للعلم و المعرفة بمختلف اصنافها، كما ظهر علماء أطفاء في مختلف العلوم العقلية و النقلية، فأرخ أحمد الغبريني لعلماء بجاية في كتابه الموسوم بـ عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية. وأرخ ابن مريم لعلماء تلمسان في كتابه: البستان في ذكر الاولياء والعلماء بتلمسان. وارخ محمد الحفناوي لكثير من العلماء في كتابه: تعريف الخلف برجال السلف.
لقد أنجبت الجزائر فطاحل العلماء و الادباء و الشعراء والفقهاء والكتاب و المفكرين من أمثال ابن رشيق المسيلي وسحنون القيرواني وابن عرفة والآبلي واحمد الغبريني و عبد الرحمن الاخصري و أبو مدين شعيب شيخ ابن عربي في التصوف و غيرهم كثير شاركوا في بناء صرح الحضارة العربية الاسلامية وإثرائها تلك الحضارة التي ستكون أهم رافد لنهضة أوربا ويقظتها.
المراجع:
يحي بوعزيز، أعلام الفكر والثقافة في الجزائر المحروسة.
المحاضرة الخامسة
عبد الرحمن الأخضري
يعدّ عبد الرحمن بن محمد الصغير بن محمد ابن عامر الأخضري البسكري المالكي من أهم علماء الجزائر في القرن العاشر الهجري، فقد ذاع صيته في تلك الفترة واشتهر بمؤلفاته التي تلقت اهتمامًا واسعًا من قبل أهل العلم والمعرفة ونشرت ما بين بغداد والأزهر والقاهرة والزيتونة.
المولد والنشأة
ولد العالم عبد الرحمن الأخضري سنة (920 هجري /1514م) ببلدة بن طيوس، وتربى بأحضان عائلة عرفت بالعلم والتقوى، والده العالم والمدرس محمد الصغير، وأخوه أحمد الأخضري كان عالمًا ومدرسًا أيضًا. فيديو قد يعجبك: تعليمه لقد كان حافظًا للقرآن الكريم، وتلقى الفقه وعلوم اللغة وعلم المواريث ثم التحق بتعليمه في القسطنطينية، ثم جامع الزيتونة وتعلّم على يد أبي يحيى بن عقبة في قفصة وأبي عبدالله القلجاني وقطن في تونس، وتقدّم في الفقه والعربية والمنطق وشارك في الفضائل وتخصص في التدريس والإفتاء، وكان زاهدًا ورعًا تام العقل مهاب، ومنذ أن كان صغيرًا ظهرت قدراته العقلية نحو العلوم، إذ كان يؤلف المواد الدراسية في بعض المواد.
مؤلفاته
ألف العالم الأخضري في جميع جوانب المعرفة العقلية والشرعية والفقهية واللغوية والرياضية والفلكية ومن أشهر مؤلفاته: السلم المرونق في علم المنطق؛ وهو كتاب يحتوي على نظم في علم المنطق، ويعد من أشهر الكتب العالمية الذي ترجم إلى الفرنسية. نظم الجواهر المكنون في ثلاثة فنون: علم البلاغة والبيان والبديع. نظم السراج في علم الفلك. المنظومة القدسية في التصوف. نظم أزهر المطالب في هيئة الأفلاك والكواكب في علم الأسطرلاب. متن الأخضري في العبادات، وضع الأخضري هذا المختصر نثرًا في فقه العبادات على مذهب الإمام مالك بن أنس.
يغلب على مؤلفاته الطابع المدرسي، وذلك بسبب اهتماماته بالتربية والتعليم، وكان أسلوبه يعتمد على ترويض عقول المتعلمين وسهولة إيصال المعلومة للطلاب بتلخيص المادة، ثم يقوم بشرحها لذلك نجد الأخضري عمل على إنجاز الشروح الوافية لجميع مؤلفاته في شتى العلوم، وهذه الطريقة إن كانت تقليدية فقد أفادت عددًا كبيرًا من طلبة العلم. مكانته وأخلاقه كان رجلًا صالحًا زاهدًا متصوفًا، وشهد له بإسهامه في ازدهار الحياة الثقافية، وبذلك استطاع أن يصل إلى مكانة علمية في نفوس أهله ومجتمعه بسبب تواضعه، ويظهر ذلك جليًا في مؤلفاته.
المراجع:
https://mawdoo3.com/%D8%B9%D8%A8%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D9%85%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%B6%D8%B1%D9%8A_(%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85_%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1%D9%8A)
المحاضرة السادسة
أبو مدين شعيب
هو الشيخ الفقيه المحقق، الواصل، القطب شيخ مشايخ الإسلام في عصره، إمام العباد والزهاد سيدى أبو مدين شعيب بن الحسين الأنصاري، الأندلسي التلمساني، أصله من أسبيلية، أخذ العلم عن أكابر علماء عصره أمثال:
-الشيخ الإمام سيدى عبد القادر الجيلاني قدس سره (المتوفي 560هـ) قرأ عليه بالحرم الشريف كثيرًا من الحديث وألبسه الخرقة، وأودعه كثيرًا من أسراره، وحلاه بملابس أنواره.
-والولي العارف العلامة أبى حسين على بن إسماعيل بن حرزهم (المتوفي بفاس سنة 559هـ) وينتهي نسبه إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان }. وهو من أقدم شيوخ أبى مدين، لازمه وقرأ عليه الرعاية للحارث المحاسبى.
-والعلامة الفقيه الحافظ أبى الحسن على بن غالب، فقيه فاس ومفتيها (المتوفي سنة 568هـ) قرأ عليه سنن الترمزي.
-والولي العارف الشيخ أبى على الدقاق (المتوفي بين القرن السادس والسابع) كان من أكابر الصوفية بالمغرب، وكان يفتخر بالشيخ أبى مدين، ويقول:
أنا أول من أخذ عنه الشيخ أبو مدين علم التصوف.
وقد ذكر العلامة ابن قنفذ كثيرًا من شيوخه وأصحابه وتلاميذه في أنس الفقير الذي بين أيدينا فصلا نطول بذكرهم، فإنما القصد التعريف -بإيجاز- بالشيخ }.
وقد ذكر العلامة المؤرخ يوسف بن يعقوب التادلى (المتوفي سنة 627هـ) في التشوف
إلى معرفة رجال التصوف، والمقرى في نفخ الطيب ومحمد بن محمد مخلوف في شجرة النور
الذكية وغيرهم من المحقيين أنه قد تخرج على يديه ألف شيخ من الأولياء والأفياء
أولى الكرامات، منهم الإمام العارف المحقق الحافظ سيدى محى الدين ابن العربى صاحب
الفتوحات المكية (المتوفي سنة 638هـ)،
والعارف الشيخ سيدى أبو محمد عبد الرحيم القنائى، والعارف الشيخ سيدى أبو عبد الله
القرشى. وكان يحضر مجلسه ويثنى عليه الإمام الحافظ الفقيه أبو محمد عبد الحق الإشبيلى
(المتوفي سنة 581هـ) احب الأحكام الكبرى في الحديث، كان يزور سيدى أبى مدين }،
ويتردد عليه، وكان يقول في شأن سيدى أبى مدين: ((هذا وارث على الحقيقة)).
عقيدته :
كان الشيخ أبو مدين رحمه الله على عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، المبنية على هدى الكتاب والسنة التي لا يزيغ عنها إلا هالك.
وقد سجلها بقلمه في غاية من الحسن والبراعة وقد نشرت مصحوبة بترجمتها إلى الإنجليزية ضمن الأعمال الشعرية لأبى مدين نشر جمعية النصوص الإسلامية بكامبريدج -بريطانيا سنة 1996 ترجمة: فنست كورنيل وهى هذه:
الحمد الله الذي تنزه عن الحد والأين والكيف والزمان والمكان. المتكلم بكلام قديم أزلى -صفة من صفاته قائم بذاته لا منفصل عنه ولا عائًد إليه لايحل في المحدثات ولايجانس المخلوقات، ولايوصف بالحروف والأصوات -تنزهت صفات ربنا عن الأرض والسموات.
اللهم إنا نوحدك، ولانحدك، ونؤمن بك ولانكفيك، ونعبدك ولانشبهك. ونعتقد أن من شبهك بخلقك لم يعرف الخالق من المخلوق.
﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الاخلاص].
صدق الله الذي تقدست عن سمة الحدوث ذاته، وتنزهت عن التشبيه بصفة الجثث صفاته، وشهدت بوحدانيته آياته.
الأول الذي لابداية لأوليته، والآخر الذي لانهاية لأبديته، الظاهر الذي لاشك فيه، الباطن الذي ليس له شبيه، الحى الذي لايموت ولايفنى، القادر الذي لايعجز ولايعنى، المريد الذي أضل وهدى وأفقر وأغنى، السميع الذي يسمع السر والأخفي، البصير الذي يدرك دبيب النمل على السفلى، العالم الذي لايضل ولاينسى.
المتكلم الذي لايشبه كلامه كلام موسى عليه السلام. كلم موسى بكلامه القديم، المنزه عن التأخير والتقديم -لابصوت يقرع ولابنداء يسمع ولابحروف ترجع. كل الحروف والأصوات والنداء محدثة بالنهاية والابتداء- جل ربنا وعلا وتبارك وتعالى- له العظمة والكبرياء والقدرة والسناء ، وله الأسماء الحسنى والصفات العليا.
حياته ليست لها بداية فالبداية بالعدم مسبوقة، قدرته ليست لها نهاية فالنهاية بالتخصيص ملحوقة، إرادته ليست بحادثة فالحوادث بالأضداد مطروقة. سمعه ليس بجارحة فالجارحة مخروقة. بره ليس بحدقة فالحدقة مشقوقة. علمه ليس بكسبى فالكسبى بالتأمل والاستدلال يعلم. ولابضرورى فالضرورى على الإرادة والإنحراف يلزم. كلامه ليس بصوت فالأصوات توجد وتعدم. ولابحرف فالحروف تؤخر وتقدم.
جل ربنا عن التشبيه بخلقه وكل خلقه عن القيام بكنه حقه بل هو القديم الأزلى الدائم الأبدى الذي ليس لذاته قد ولا ليده زند ولا لوجهه خلل ولا له قبل ولا بعد.
ليس بجوهر فالجوهر بالتحيز معروف، ولا بعرض فالعرض بإستحالة البقاء مووف، ولا بجسم فالجسم بالجهة محفوف، فهو خالق الأجسام والنفوس.
ورازق أهل الجود والبؤوس، ومقدر السعود والنحوس، ومدبر الأفلاك والشموس.
هو الله لا إله هو الملك القدوس على العرش استوى من غير تمكن ولاجلوس. لا العرش له من قبله القرار، ولا التمكن له من جهة ولا الاستقرار. العرش له حد ومقدار والرب لاتدركه الأبصار. العرش تكيفه خواطر العقول، وتصفه بالعرض والطول وهو مع ذلك محمول. الذي لا يحول ولايزول. العرش بنفسه هو المكان وله جوانب وأركان، وكان إليه ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان. ليس له تحت فيقله، ولا فوق فيظله، ولا جوانب فتعدله، ولا خلف فيسنده، ولا أمام فيحده. جل عن التجريد والتقرير والتكيف والتصوير والتشبيه والنظير.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصيرُ﴾ [الشُّورى:11]
آثاره العلمية
كتبه : لم تذكر لنا المراجع التي أرخت للشيخ أبى مدين } أنه ترك كثيرًا من المصنفات، وكذا المراجع المعنية بأسامى الكتب ومؤلفيها. فلم نعثر له إلا على كتأبين اثنين:
الأول : أنس الوحيد ونزهة المريد في علم التوحيد، نسبه إليه إسماعيل باشا في إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون (3/132) وقال: شرحه شهاب الدين أحمد بن عبد القادر، المعروف بباعشن، وسماه: البيان والمزيد المشتمل على معاني التنزيه وحقائق التوحيد.
وقد نسبه إليه أيضًا يوسف إليان سركيس في معجم المطبوعات 345، وذكر أنه طبع بمصر سنة 1300هـ ولم يذكر أسم المطبعة التي قامت بطبعه.
ويوجد منه نسختان بالمكتبة الأزهرية.
الأولى: ضمن مجموعة بخط محمد بن أحمد الحسنى التلمساني (ت962هـ) من الورقة (952) حليم (33586).
الثانية : ضمن مجموعة بخط محمد بن أحمد الحسنى التلمساني (ت962هـ) من الورقة (251 إلى 256) تحت رقم (861) مجاميع الجوهرى (42112).
الثاني: مفاتيح الغيب لإزالة الريب وستر العيب.
نسبه إليه الزركلى في الأعلام (3/166) وذكر أنه مخطوط في شستربتى تحت رقم (3259).
ب-شعره:
لقد كان الإمام الشيخ أبو مدين } إلى جانب كونه محدثاُ فقيهًا، كان شاعرًا أدبيًا وشعره في غاية الجودة والنفاسة، والحسن والبراعة لفظًا ومعنى. وقد نال شعره شهرة واسعة، كما أن البعض من شعره ينشد ويغنى في محافل الذكر.
هذا فضلًا عن اهتمام العلماء به، فقيدته الرائية المشهورة والتي مطلعها:
|
ما لذة
العيش إلا حبة الفقرا |
* |
هم
السلاطين والسادات والأمرا |
قد قام بشرحها والتعليق عليها الإمام العارف ابن عطاء الله السكندرى احب الحكم المتوفي سنة (709هـ) ومن قبله الإمام سيدى محى الدين ابن العربى المتوفي سنة (638هـ) والذي قام بتخميسها.
وقد تفضل شيخ الإسلام الإمام الدكتور عبد الحليم محمود -شيخ الأزهر الأسبق رحمه الله- بنشر هذا الشرح والتخميس مع كثير من أشعاره في كتابه القيم الذي كتبه عن حياة أبى مدين رحمه الله([1])
ثناء العلماء عليه
-نقل العلامة المؤرخ أبو يعقوب التادلي المعروف بابن الزيات المتوفي سنة (627هـ)، في التشوف 314، 324.
عن الشيخ العارف أبى البر أيوب بن عبد الله الفهري: كان أبو مدين زاهدًا فاضلًا، عارفًا بالله تعالى، قد خاض من الأحوال بحارًا، ونال من المعارف أسرارً وخصوصًا مقام التوكل لايشق غباره ولا تجهل آثاره، وكان مبسوطًا بالعلم مقبوضًا بالمراقبة كثير الالتفات بقلبه إلى الله تعالى حتى ختم الله له بذلك اهـ
وقال ابن الزيات: سمعت محمد بن إبراهيم الأنصاري يقول: خرج أبو مدين ألف تلميذ ظهرت على يد كل واحدٍ مهنم كرامة.
-وقال العلامة الشيخ أبو العباس الغبريني المتوفي سنة (704هـ) في عنوان الدراية ص55.
الشيخ الفقيه، المحقق، الواصل، شيخ مشايخ الإسلام في عصره، إمام الزهاد والعباد وخاصة الخلصاء من العباد.
-وقال المؤرخ الأديب أبو العباس المقري المتوفي سنة (1041هـ) في نصخ الطيب (9/356) في وصف مدينة تلمسان:
وقد خرج بهلمسان من العلماء والصلحاء مالا ينبضط، ويكفيها افتخارًا دفن ولي الله سيدي أبى مدين بها، وهو شعيب بن الحسين الأندلسي، شيخ المشايخ، وسيد العارفين، وقدوة السالكين.
ونقل عن ابن عد التلمساني (ت901هـ) في النجم الثاقب قوله:
كان الشيخ سيدي أبو مدين فردًا من أفراد الرجال، ودرًا من دور الأولياء الأبدال، جمع الله له علم الشريعة والحقيقة، وأقامة ركن الوجود هاديًا وداعيًا للحق، فقصد بالزيارة من جميع الأقطار وأشتهر بشيخ المشايخ.. وكان من أعلام العلماء، وحفاظ الحديث خصوصًا جامع الترمزي، وكانت ترد عليه الفتاوى في مذهب مالك فيجيب عنها في الوقت.
-وقال المؤرخ ابن العماد الحنبلي ، المتوفي سنة (1089) في شذارت الذهب (4/303): كان من أهل العمل والإجتهاد، منقطع القرين في العبادة والنسك.
وفــاتــــه:
لما أشتهر أمر الشيخ أبى مدين } ببجاية سعى به عند خلفاء بني عبد المؤمن بمراكش، فامر السلطان بطلوعه من (بجاية) إلى (مراكش)، وكتب إلى والي بجاية بالوصية عليه وأن يتحمل خير محمل، فأخذ الشيخ أبو مدين في السفر، وشق ذلك على كثير من أصحابه وعز عليهم فراقه فقال لهم: لا عليكم شعيب شيخ كبير ضعيف لا قدرة له على المشي، ومنيته قدرت بغير هذا المكان ولابد من الوصول إلى موضع المنية فقيض الله لي من يحملني إلى مكان الدفن برفق.
وأرتحل به إلى أن وصل إلى تلمسان، ونزل بها بالموضع الذي يقال له العباد وقال لرفقائه: لا بأس بالنوم في هذا المكان، ووافته المنية بهذا المكان في عام (594هـ) رحمه الله تعالى، فشرفت به تلك البقاع، وهذه جملة من كراماته }، وقبره بالعباد([3]) مشهور وحوض مورود، والدعاء عنده مستجاب.
قال أبو علي الصواف -رحمه الله- لما أحتضر الشيخ أبو مدين أستحييت أن أقول له أوصني، فأتيته بغيري وقلت له : هذا فلان فأوصه.
فقال: سبحانه الله! وهل كان عمري كله معكم إلا وصية؟ وأي وصية أبلغ من مشاهدة الحال؟
وقال أبو علي الصواف: آخر ما سمعته منه عند النزع قوله الله . الله . الله! حتى رق صوته، وقال بعضهم: آخر ما سمع منه الله الحق، وقال بعضهم آخر ما سمع منه: الله الحي. وأي ما كان فهذه خاتمة حسنى ومرتبة عليا يظهر فيها صدق قول النبي > ((يموت المرء على ما عاش عليه)).
المرجع:
https://alsufi.net/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%A9/%D8%AA%D8%B5%D9%81%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A8/113-%D8%A3%D9%86%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D9%8A%D8%B1-%D9%88%D8%B9%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%8A%D8%B1/23-1-%20-%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D9%81-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%A3%D8%A8%D9%89-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%B1%D8%AD%D9%85%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87
- Teacher: SLIMANI AHMED
الفكر الجزائري في الفترة القديمة
الفكر المغاربي (الأمازيغي) القديم
الفكر الجزائري جزء لا يتجزأ من الفكر البشري على مر التاريخ. ونعني به فكر أولائك الذين ينتمون إلى رقعة جغرافية تدعى الجزائر،وكانت لهم مساهمات في مجال الفكر والثقافة والفن والأدب منذ التاريخ القديم وصولا إلى التاريخ الحدث والمعاصر. ولهذا سنتعرف على بعض أعلام الفكر والثقافة في الجزائر وما خلفوه لنا من أعمال وأثار. وستكون البداية من الفترة القديمة قبل ميلاد السيد المسيح وقبل الفتح العربي الإسلامي. للتعرف على ثقافة فكر شمال إفريقيا القديم أو الفكر المغاربي-الامازيغي- القديم .
يوبــــا الثانـــي:
ولد حوالي52 ق م، وتوفي 23 م
ولد يوبا أو جوبا الثاني (Juba2) في مملكة نوميديا، وهو ابن الملك يوبا الأول الذي قاوم الرومان مقاومة شرسة، وبعد هزيمة يوبا الأول أمام القوات الرومانية، أسر يوليوس قيصر ابنه يوبا الثاني الذي كان طفلا صغيرا بين خمس وسبع سنوات، فحمله إلى روما، حيث نشأ في البلاط الفاخر، وعاش في كنف الإمبراطور أغسطس خلف قيصر، فعلمه الفنون والآداب والعلوم وشؤون الحكم في مدارس روما وأثينا ومعاهدهما. ونظرا لمكانة يوبا الثاني الثقافية، وصدق ولائه، وإخلاصه للإمبراطور الروماني القيصر أوكتافيوس، فقد أجلسه هذا الأخير على عرش موريطانيا الغربية؛ نظرا لما قام به من خدمات جليلة لصالح شعبه. وبالتالي، حكم يوبا الثاني خمسين سنة في ظل الحماية الرومانية. ولم يضيع هذه السنوات إلا فيما يعود على شعبه الوفي بالخير والسؤدد والهناء. وبالتالي، "عرفت أيامه بالاستقرار والهدوء حتى توفي سنة23م، ليخلفه ابنه بطليموس الذي نهج سياسة أبيه في توحيد الأمازيغيين، وتحقيق آمالهم وطموحاتهم.
وما يلاحظ على شخصية يوبا الثاني أنها شخصية متميزة بموسوعيتها الفكرية والثقافية، وذات خبرة محنكة في مجال السياسة والتدبير الإداري، بله عن نبل أخلاقها، ووفائها الشهم، وإيثارها التضحية من أجل الشعب ولمصلحة الشعب. وفي هذا الصدد، يقول الباحث المغربي محمد بوكبوط:" لعله من المفيد الإشارة إلى شخصية هذا الملك المتميزة، فعلاوة على أصله النوميدي الأمازيغي، وتربيته الرومانية، فهو بونيقي بما ورثه مع قومه من حضارة قرطاج، وإغريقي بثقافته وذوقه الفني، ومصري بزواجه من ابنة كليوباترة ملكة مصر، كل هذه الجوانب روعيت بدون شك من طرف الإمبراطور عند اختيار يوبا لاعتلاء عرش موريطانيا.".
هذا، وقد أنشأ يوبا الثاني في عاصمتيه" شرشال" و" وليلي" حكما ديمقراطيا نيابيا تمثيليا، إذ طالب بتكوين مجلس بلدي يتم انتخاب أعضائه من بين المواطنين الأحرار، ويتولى كل مجلس تسيير أمور المدينة على غرار المدينة الرومانية .
بالإضافة إلى الجانب الإداري، فقد حقق عصر يوبا الثاني طفرة اقتصادية متنوعة، وازدهارا تجاريا كبيرا ؛ لأنه شجع الزراعة والصناعة والتجارة. وأقام مشاريع صناعية كبرى في عدة مدن.
وفي الحقيقة، فقد تميزت أيام يوبا الثاني (25 ق.م-33 بعد الميلاد) بالازدهار الاقتصادي في جميع المجالات، وعلى جميع المستويات والأصعدة والقطاعات. وبطبيعة الحال، فقد كان عصر يوبا الثاني عصر الرخاء الاقتصادي، وعهد التطور التجاري، وفترة تحسن الأحوال الاجتماعية، وانتعاش النهضة الفكرية والثقافية.
إسهامـــات يـــوبا الثانـــي في مجـــال الفكر والثقافـــة :
تعد إسهامات يوبا الثاني في مجال الثقافة والفكر أهم من إنجازاته السياسية والإدارية والاقتصادية، فقد عرف يوبا الثاني مفكرا ومثقفا وعالما أكثر مما عرف حاكما سياسيا.
مـــؤلفـــات يوبـــا الثانـــي:
يعتبر يوبا أو جوبا الثاني - إلى يومنا هذا- من كبار العلماء والمثقفين الأمازيغ الذي عرفوا عند اليونان والرومان والمثقفين اللاتين بسعة المعرفة، والتبحر الموسوعي.إذ كان يمتاز بكثرة العلم والاطلاع، وكان كثير السفر والبحث والتجوال، وموسوعي المعارف والفنون. وقد ألف كثيرا من الكتب والبحوث والمصنفات في التاريخ والجغرافيا والرحلة والطبيعيات والفنون والآداب والطب والعلوم الاستكشافية. لكن هذه المؤلفات النادرة والثمينة لم تصل إلينا سليمة، بل ثمة إشارات إليها في كتب المؤرخين مبثوثة هنا وهناك...
هذا، ويرى الدكتور حسين مجدوبي أن من أسباب ضياع مؤلفات يوبا الثاني هي الحروب التي شهدتها فترة بطليموس وأيديمون مع القوات الرومانية إبان كاليغولا. هذا، ولا نعرف من مؤلفات يوبا الثاني " سوى تسعة عناوين . ولاشك أنه نشر كثيرا غيرها. وكانت كلها باللغة الإغريقية، ولم يصلنا أي واحد منها. ولكن بقيت لنا منها مقتطفات كثيرة بفضل الاستشهادات المروية عنه بنصها إلى حد ما، والمبعثرة في كتب مختلف المؤلفين، مثل: پلين، وبلوتراك، وأثيني، وغيرهم. والحق أن جل هذه المقتطفات قصيرة جدا، كما تعسر معرفة الكتاب الذي أخذت الفقرة منه، عندما ينعدم ذكر المرجع..."
ومن أهم هذه الكتب التي ألفها يوبا الثاني، نذكر: ليبيكا، وأرابيكا، وموسوعة الموسيقى الضخمة، وكتاب تاريخ روما، و الآثار الرومانية، وكتاب الأشباه(15 جزءا)، ومختصر الآشوريين (جزءان)، ورسالة صغيرة عن نبات أوفورب، وكتاب عن فن الرسم أو الرسامين (ثمانية أجزاء)، وتاريخ المسرح، وغيرها من الكتب والرسائل والمخطوطات الضائعة...
وعليه، فقد كان يوبا الثاني - حسب شارل أندري حوليان- في كتابه(تاريخ شمال أفريقيا):" يحسن اليونانية واللاتينية والبونيقية، وكان في تآليفه آخذا من كل شيء بطرف، فلم يبق علم واحد غريبا عنه، وكان في إمكانه أن يكتب في كل موضوع بفضل مكتبته الثرية ونساخه الذين لا يعرفون التعب .غير أن تآليفه لم تبق بعده، ولعله من المؤسف أن يكون كتاب ليبيكا قد ضاع، إذ ربما وجدنا في كتاباته عرضا لبعض المعلومات عن التقاليد المحلية."
اهتم يوبا الثاني اهتماما متميزا بالجانب الثقافي والعلمي والفكري، فقد اعتمد على المقاربة الثقافية في تحقيق التنمية الشاملة، والدليل على ذلك عنايته بالعلماء والمكتبات والتوثيق العلمي والمتاحف
أنشأ يوبا الثاني خزانات ضخمة في المدن التي كان يشرف عليها، خاصة مكتبات قصوره، وقد جمع فيها أنواعا من الكتب والمخطوطات القيمة والدراسات النفيسة، خاصة المخطوطات والكتب اليونانية والمصرية واللاتينية والفينيقية التي توجد في مكتبة قرطاج، وقد ورثها عن جده الأكبر همبسال .
وعليه، فقد كانت مكتبات يوبا الثاني العامة، وخزاناته الخاصة العامرة بالكتب والمخطوطات والوثائق القيمة والثمينة، مثالا دالا وشاهدا حقيقيا على مدى اهتمام يوبا الثاني بالفكر والعلم والثقافة. وبالتالي، لم يكن الإنسان الأمازيغي القديم جاهلا أو أميا أو متعطشا إلى الحروب، بل كان يعنى بالتأليف والكتابة والإنتاج كما وكيفا، بل كان يوبا الثاني سيد المثقفين الغربيين في تلك الآونة، ومستشارا ثقافيا بارزا للقيصر أغسطس.استقطب يوبا الثاني، نحو عاصمتيه شرشال ، كبار الأدباء والفنانين والنحاتين والعلماء والأطباء من قرطاجنة واليونان وإيطاليا... كتاباته، كما جلب مهندسين ومثالين وفنانين آخرين للعمل في العمارات التي كان يزين بها عاصمته..."
ويعني هذا أن يوبا الثاني قد جمع حوله كثيرا من العلماء والفنانين والنساخين والأدباء والمبدعين والعلماء والمهندسين ...وكان يغدق عليهم الأموال والهبات والمكافآت تشجيعا لهم وتحفيزا وتقديرا وتنويها وتكريما.
يعد يوبا الثاني من أهم المؤلفين للموسوعات في التاريخ القديم؛ ويمكن القول بأن الأمازيغ كانوا سباقين إلى تأليف الموسوعات الكبرى. فقد ألف يوبا الثاني موسوعة ضخمة، في ثلاثة مجلدات ضخمة، سماها بالليبيات أو ليبيكا(Libyca )، جمع فيها رحلاته العلمية المختلفة، وضمنها كشوفاته الطبيعية والجغرافية المتنوعة، وأرفقها بأحاديثه عن المغرب، سيما ما يتعلق بالمجتمع الأمازيغي، على مستوى اللغة والعادات والتقاليد والأعراف. بمعنى أن هذا الكتاب مخصص لتاريخ أفريقيا الشمالية وباقي القارة الأفريقية. "
كان يوبا الثاني معجبا بالمكتبات الأدبية، فقد اطلع على الكثير منها، حينما نفي إلى إيطاليا قبل تتوجيه بالحكم، فقد مارس كتابة الشعر والنقد، فقد نقد دور لييونتوس (Leonteus) في مسرحية تراجيدية تسمى بهيبسيبل (Hypsipyle). وفي هذا الصدد.
هذا، وقد اهتم أيضا بالكتابة السردية، وسعى إلى جمع القصص وتوثيقها، حيث تضمنت موسوعة يوبا الثاني، خاصة (ليبيكا)، قصصا أمازيغية فانطاستيكية متنوعة، خاصة قصة (الأسد الحقود) التي مازالت تروى من قبل الجدات في عدة مناطق أمازيغية في المغرب باللغة البربرية، كما ورد ذلك جليا في كتاب(لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين) للباحث المغربي محمد شفيق .
وقد ذكر يوبا الثاني أيضا، في موسوعته (ليبيكا)، مجموعة من القصص الخرافية الأخرى، سيما قصة عودة البطل هيركوليس إلى طنجة، علاوة على قصص أخرى ضاعت بسبب ضياع موسوعة ليبيكا وباقي مؤلفات أغسطس الأخرى.
اهتم يوبا الثاني بالفنون اهتماما كبيرا، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على رهافة إحساسه، وسمو ذوقه الفني والجمالي، وتأثره بالثقافات المجاورة، مثل: الثقافة اليونانية، والثقافة المصرية، والثقافة الفينيقية، والثقافة القرطاجية، والثقافة الرومانية، والثقافة الأفريقية، والثقافة الأمازيغية المحلية.
لقد أقبل يوبا الثاني على الموسيقى بشغف مثير، ونهم متميز، فقد اهتم بها كثيرا، وخصص لها كتبا وافية وشاملة، عرّف فيها بمخترعي الموسيقى، وأشار إلى طبيعة حرفتهم والآلات الفنية التي كان يستعملونها، ورصد إيقاعاتها وألحانها. وفي الوقت نفسه، تحدث بإسهاب عن الفنون المجاورة للموسيقى، مثل: الرقص، والتمثيل، والمسرح، والنحت. وكان يوبا الثاني يستدعي العلماء والفنانين والأدباء من روما وأثينا ليفيدوا الأمازيغيين ويمتعوهم في المجال الثقافي والفني بصفة عامة، والفن الموسيقي والمسرح. ويثمن الكثير من الباحثين الإنجازات القيمة التي حققها الملك المثقف يوبا الثاني في مجال الدراما والتمثيل والتكوين المسرحي.
لم تظل مكانة يوبا الثاني الثقافية والعلمية حبيسة تامازغا فقط، بل انتشر صيتها متوسطيا، سيما في بلاد اليونان والرومان. و قد كرمه مثقفو أثينا، ووضعوا له تمثالا جليلا. وهكذا، فقد أشاد به الدارسون القدماء والمحدثون ؛ بسبب كفاءته الحاذقة، وعبقريته المتميزة، وحنكته السياسية المدبرة، فقد أثبت الباحث المغربي محمد شفيق بأن يوبا الثاني كان يكتب"باليونانية في التاريخ والجغرافيا والفلسفة والأدب وفقه اللغة المقارن، فتعجب من نبوغه " فلوتارخوس Plutarkhos "، ومن كونه" بربريا نوميديا، ومن أكثر الأدباء ظرفا ورهافة حس"...."
وقد تأثر به كثير من المؤرخين القدامى، فاعترفوا بنبوغه المعرفي الموسوعي، مثل: الروماني تيتوس ليفيوس (Tite-Live)، واليوناني تيودور الصقلي (Diodore de Sicile.)، وألكسندر الميلي(Alexandre de Milet)، والروماني بلينيوس الأكبر (Pline l'Ancien)، وآخرين ...
وعليه، يمكن أن نعد يوبا الثاني من أكبر المثقفين الذين أنجبتهم تامازغا إلى جانب أبوليوس (أفولاي) وأوغسطين.
المحاضرة في الأصل هي اختصار مع بعض التصرف لكتاب الدكتور جميل حمداوي بعنوان "يوبا الثاني الملك الأمازيغي المثقف".
- Teacher: SLIMANI AHMED