التشريع المدرسي مقرر لفائدة طلبة السنة الثالثة ليسانس علوم تربية، تخصص تربية خاصة
- Enseignant: SI MOHAMED SADIA
المحاضرة الاولى:
مفهوم التربية البيئية
ما هو مفهوم التربية البيئية وما الذي تسعى إليه ؟
عرفت جامعة أليوني الأمريكية التربية البيئية Environmental Education بأنها نمط من التربية يهدف الى معرفة القيم وتوضيح المفاهيم وتنمية المهارات اللازمة لفهم وتقدير العلاقات التي تربط بين الإنسان وثقافته وبيئته البيوفيزيائية. كما إنها تعني التمرس على إتخاذ القرارات ووضع قانون للسلوك بشأن المسائل المتعلقة بنوعية البيئة.
وعرفها القانون العام للولايات المتحدة بإنها عملية تعليمية تعني بالعلاقات بين الإنسان والطبيعة، وتشمل علاقة السكان والتلوث، وتعدد السكان والتلوث، وتوزيع الموارد، وإستنفاذها، وصونها، والنقل، والتكنولوجيا، والتخطيط الحضري والريفي مع البيئة البشرية الكلية.
وتُعرف التربية البيئية أيضاً بأنها:
* التعلم من أجل فهم وتقدير النظم البيئية بكليتها، والعمل معها وتعزيزها.
* التعلم للتبصر بالصورة الكلية المحيطة بمشكلة بيئية بعينها من نشأتها ومنظوراتها وإقتصادياتها وثقافاتها والعمليات الطبيعية التي تسببها والحلول والمقترحة للتغلب عليها.
* أنها تعلم كيفية إدارة وتحسين العلاقات في الإنسان وبيئته بشمولية وتعزيز. وهي تعلم كيفية إستخدام التقنيات الحديثة وزيادة إنتاجيتها، وتجنب المخاطر البيئية، وإزالة العطب البيئي القائم، وإتخاذ القرارات البيئية العقلانية.
* عملية تكوين القيم والإتجاهات والمهارات والمدركات اللازمة لفهم وتقدير العلاقات المعقدة التي تربط الإنسان وحضاراته بمحيطه الحيوي الفيزيقي والمحافظة على مصادر البيئة.
والتربية- من وجهة نظر الأستاذين رشيد الحمد ومحمد صباريني- هي عملية بناء وتنمية للإتجاهات والمفاهيم والمهارات والقدرات والقيم عند الأفراد في إتجاه معين لتحقيق أهداف مرجوة. والتربية بذلك تكون بمثابة إستثمار للموارد البشرية يعطي مردوداً ديناميكياً في حياة الأفراد وتنمية المجتمعات. وفي هذا المفهوم للتربية، فان التربية البيئية هي عملية تكوين القيم والإتجاهات والمهارات والمدركات اللازمة لفهم وتقدير العلاقات المعقدة التي تربط الإنسان وحضارته بالبيئة التي يحيا بها، وتوضيح حتمية المحافظة على موارد البيئة ضرورة حسن إستغلالها لصالح الإنسان، وحفاظاً على حياته الكريمة ، ورفع مستويات معيشته.
أما التربية البيئية فهي، باختصار، الجانب من التربية، الذي يساعد الناس على العيش بنجاح على كوكب الأرض، وهو ما يعرف بالمنحى البيئي للتربية. كما تعرف التربية البيئية على أنها تعلم كيفية إدارة وتحسين العلاقات بين الإنسان وبيئته بشمولية وتعزيز.وتعني التربية البيئية ايضاً تعلم كيفية إستخدام التقنيات الحديثة وزيادة إنتاجيتها، وتجنب المخاطر البيئية، وإزالة العطب البيئي القائم، واتخاذ القرارات البيئية العقلانية.
وتُعد التربية البيئية إتجاهاً وفكراً وفلسفة، هدفها تسليح الإنسان في شتى أرجاء العالم بـ (خلق بيئي) أو ( ضمير بيئي) يحدد سلوكه وهو يتعامل مع البيئة في أي مجال من مجالاتها.." الخلق البيئي" يجب ان يكون العامل المؤثر في إتخاذ القرارات البيئية مهما كان مستواها.. بناء مدينة، أو إنشاء جسر، أو شق طريق، أو بناء سد، أو إقامة مصنع، أو إصطياد سمك في نهر، أو التخلص من القمامة المنزلية،أو التنزه على شاطئ البحر أو في حديقة عامة..وحتى القرارات الأكبر على المستوى السياسي والإقتصادي، يجب ان تحسب حساباً للبيئة في إطارها العالمي لأن المصالح البشرية واحدة، ومستقبل الجنس البشري واحد.. " الخلق البيئي" معناه ان يعي الإنسان الوحدة والتكامل البيئي في عالمنا المعاصر، حيث يمكن ان تترتب على القرارات التي تتخذها البلاد المختلفة، وعلى مناهج سلوكها، اَثار على النطاق الدولي.. الخلق البيئي أو الضمير البيئي الذي تهدف التربية البيئية الى إيجاده أو تنميته عند كل إنسان في المجتمع العالمي، يعني أن يتكيف الإنسان من أجل البيئة، لا ان يستمر في تكييف البيئة من أجله- الخلق البيئي،بإختصار، معناه " التعايش مع البيئة"، وبذلك تسهم التربية البيئية في حماية البيئة...
وتسعى التربية البيئية- بحسب الأستاذ راتب السعود - الى إعداد الأفراد ليكونوا متوافقين مع بيئتهم، ويتمثل ذلك في تعليم الفرد كي يكون قادراً على القراءة والكتابة Literate وفهم الأرقام، وإستعمالها Numerate وفهم نظم البيئة الطبيعية المعقدة التي هو جزء منها، وإستخدامها بمسؤولية وتعزيز Ecolate. ويعتبر الشرط الأخير من خصائص الإنسان المربي Educated الهدف الأساسي للتربية البيئية التي تسعى الى إعداد الفرد الإنساني للعيش الآمن في كوكب الأرض. ومن هنا تتضح العلاقة الوثيقة بين التربية والبيئة، والتي أفرزت مجالاً تربوياً له أصوله ومبرراته وفلسفته وأهدافه ومحتواه ومستلزمات تعليمه وتقويمه، ألا وهو التربية البيئية Environmental Education.
الى ذلك يضيف الأستاذان الحمد وصباريني بان التربية البيئية تسعى الى إيجاد وعي وطني بأهمية البيئة بالنسبة لمتطلبات التنمية الأقتصادية والإجتماعية والثقافية بحيث تؤدي الى إشراك السكان كافة طوعاً لا كرهاً، وبطريقة مسؤولة وفعالة، في صياغة القرارات التي تمس نوعية البيئة بكافة مكوناتها.وتهدف التربية البيئة أخيراً الى إيجاد وعي على أهمية التكامل البيئي في العالم المعاصر.
ويدعو الأستاذان بشير عربيات و أيمن مزاهرة الى التفريق بين التثقيف البيئي والتوعية البيئية. فالأول غير الثاني.وإذا كان الوعي البيئي يندرج في سياق حملات الإرشاد السريعة، فالتثقيف أو التربية البيئية هي أحد علوم البيئة المتعددة العناوين والمراحل، والذي يقتضي له برامج متخصصة ضمن جداول زمنية يشارك فيها الجميع بدون إستثناء كل من نطلق عمله وطموحاته.
المحاضرة الثانية:
لمحات من مسيرة التربية البيئية وتطورها
تعكس الأدبيات المتوفرة التي تتناول مسيرة التربية البيئية وجهتي نظر تختلفان قليلاً، وهما:
وجهة النظر الأولى، ويتبناها العديد من الباحثين، ومنهم الأستاذة رشيد الحمد وحمد صباريني وعصام الحناوي، وغيرهم،وتؤكد بان "التربية البيئية" ليست حديثة العهد، وإنما لها أصولها القديمة، لكنها إكتسبت أهمية أكبر في الآونة الأخيرة نتيجة لأنبثاق الوعي بالمشكلات البيئية الكبرى.. كالمشكلة السكانية، ومشكلة الطاقة، ومشكلة الغذاء، ومشكلة التلوث، ومشكلة إستنزاف الموارد..الخ.
ووفقاً لوجهة النظر هذه، ظل مفهوم التربية البيئة وثيق الصلة في تطوره بمفهوم البيئة ذاتها وبالطريقة التي كان ينظر بها اليها.وقد إنتقل من نظرة الإقتصار، بصفة اساسية،على تناول البيئة من جوانبها البايولوجية والفيزيائية، الى مفهوم اوسع مدى، يتضمن جوانبها الأقتصادية والأجتماعية والثقافية. وقد بَرزَ ما يوحد بين هذه العوامل المختلفة من ترابط.. بيد ان التربية كانت دائماً ترتبط بالبيئة على نحو ما،ذلك لأن الإنسان كان يعد لمواجهة الحياة في المجتمعات القديمة، وحتى اليوم، في قطاعات كبيرة من سكان الريف، من خلال تجارب وثيقة الصلة بالطبيعة. وما برحت النظم التربوية الحديثة تتخذ لمناهجه، الى حد ما،أهدافاً ومضامين لها علاقة بالبيئة،حتى وان كانت تنظر اليها من جوانبها البايولوجية والفيزيائية بصفة اساسية.
وكان ذلك هو واقع الحال، بوجه خاص، بالنسبة للمواد الدراسية المتصلة بعلوم الحياة، التي كان كل منها يُعالََج، علاوة على ذلك، بصورة منفصلة ودون تنسيق. وفي هذا الأطار التقليدي كان يًنتظر من الدارس ان يؤلف بين المهارات المكتسبة بنفسه، ويستخلص منها نظرة شاملة عن الواقع البيئي، ويدرك كنه العلاقات القائمة بين عناصره المتباينة.وقد كان هذا (التعلم) يتسم في الغالب بالتجريد والإنفصال عن الواقع البيئي الذي من المفروض ان يكون هدفاً للدراسة.كما كان يسرف في إقتصاره على تقديم بعض المعارف عن الطبيعة، متجاهلاً في كثير من الأحيان دوره في إحياء وتطوير سلوكه، والإحساس بالمسؤولية إزاء الطبيعة. ولم يكن مفهوم البيئة ذاته، وقد أختزل الى جوانبه الطبيعية وحدها، كافياً لتقدير الدور الذي يمكن للعلوم الإجتماعية ان تنهض به من أجل فهم البيئة البشرية وتحسينها.
وجهة النظر الثانية يجسدها إعتقاد سائد لدى الكثيرين، وفحواه ان المشكلات والقضايا البيئية هي مشكلات وقضايا عرفناها حديثاً- منذ منتصف القرن الماضي.الخبير البيئي الدولي د.عصام الحناوي لا يتفق مع هذا الإعتقاد، مؤكداً بأن الدراسات العلمية المتعمقة توضح بان المشكلات البيئية لازمت الحياة على سطح الأرض منذ بدايتها.. وقد أوضح العلماء تغير الظروف البيئية الطبيعية، خلال العصور الجيولوجية المختلفة، تغيراً كبيراً،أدى الى إنقراض أنواع كثيرة من أنواع الحياة النباتية والحيوانية، وظهور أنواع جديدة، فيما أسماه داروين بعملية الإختيار الطبيعي. وكانت بعض التغيرات البيئية قوية، بحيث أدت الى فناء كامل للديناصورات، مثلاً، منذ 65 مليون سنة، فيما عرف بانه أضخم فناء حدث لنوع من أنواع الحياة في التأريخ.في كل هذا كانت العوامل البيئية الطبيعية هي المتحكمة في بقاء أو إنقراض أنواع الحياة.
ومع بداية الإنسان الأول بدأت مرحلة التفاعل بينه وبين البيئة الطبيعية المحيطة به.فقد عاش الإنسان الأول على صيد الحيوانات، وجمع النباتات ليأكل، وإستخدم في ذلك أدوات حجرية مختلفة، وسكن الكهوف، وإكتشف كيف يوقد النار.وكان دائم التجوال بحثاً عن المأكل.وعندما بدأ الإنسان الأول يشعر ان نشاطاته أدت الى نقص شديد في أعداد الحيوانات، التي كان يقوم بإصطيادها،وفي مساحة النباتات التي كان يجمعها، شرع في تغيير أنماط حياته، وإتجه الى الإستقرار في مستوطنات بشرية بدائية، وتعلم إستئناس وتربية الحيوانات، وزراعة النباتات منذ أكثر من 10 اَلاف سنة.
وهكذا إستبدل الإنسان الأول حياة التجوال والصيد والجمع، المرهقة والمحفوفة بالمخاطر، بحياة الإستقرار الأكثر أماناً لتلبية حاجاته الأساسية، وتعلم مهارات مختلفة، مثل صنع الأواني من الفخار، وبناء المأوى، ثم صناعة الأدوات الحديدية والنحاسية وغيرها- كما هو معروف من الحضارات القديمة في مصر ووادي الرافدين وإيران وتايلند منذ نحو 7 اًلاف سنة.
وخلال تلك الأزمنة القديمة أدت أنشطة الإنسان الى بعض المشكلات البيئية، خاصة في النظم الطبيعية لإنتاج الغذاء، مثل تدهور التربة، بسبب الرعي الجائر، وإزالة الأشجار، وغيرها. ولقد كان هذا التدهور شديداً في بعض المناطق، حتى أنه أدى الى إندثار حضارات بأكملها، مما دفع الإنسان الى تعلم صون الطبيعة..فتم صون بعض الحيوانات طبقاً لمعتقدات دينية، وحرمت بعض المعتقدات قطع الأشجار والنباتات، وبدأت جماعات كثيرة تتعلم كيف تؤقلم حياتها وتسد حاجاتها بالتنسيق مع الظروف البيئية المحيطة بها. فالبداوة التقليدية،مثلاً، تمثل صورة حية للهجرة الموسمية التي تتحكم فيها ظروف البيئة الطبيعية( وفرة الماء، وبالتالي عشب المراعي)، كما تمثل التفاعل الحساس والمتوازن بين الإنسان البدوي وبيئته الصحراوية، وكيف أنه إستطاع لقرون طويلة الحفاظ على التوازن بين متطلباته وقدرة البيئة الصحراوية على التحمل وإعادة التأهل.وهناك أمثلة كثيرة توضح لنا كيف ان البدو في مناطق الصين الوسطى، ودول شمال أفريقيا، وغيرها، كانوا يعرفون أين، ومتى يحطون الرحال، ومتى، والى أين يرحلون مرة أخرى..
منذ نحو 2500 سنة، كتب علماء الأغريق عن العلاقة بين الإنسان والبيئة المحيطة به، وكيف ان الإنسان بسلوكه وأفعاله يمكن ان يؤثر بالإيجاب او السلب في هذه البيئة.ففي حدود عام 350 قبل الميلاد أعلن أفلاطون مخاطباً عشيرته:" ان معظم العلل الإجتماعية والبيئية التي تعانون منها هي تحت سيطرتكم، على ان تكون لديكم العزيمة والشجاعة لكي تغيروها".وكان أفلاطون أول من نادى بأن الذي يحدث تدهوراً في البيئة، عليه ان يتحمل نفاقات إعادة تأهيلها. فذكر في كتاب " القوانين":"إن الماء يمكن تلويثه بسهولة، ولذا فانه يتطلب حماية القانون.ومن يقوم بتلويث الماء بقصد،عليه ان ينظف البئر او الجدول، بالإضافة الى تعويض المتضررين من هذا التلوث".
وتجدر الإشارة هنا الى ان هذا المبدأ هو أساس ما يعرف اليوم بمبدأ " من يلوث عليه ان يتحمل نفقات إزالة التلوث!"..
والواقع، تتوفر أدلة قوية على أن التربية البيئية ليست حديثة العهد، بل لها جذورها القديمة في ثقافات الشعوب.وثمة رأي يُرجِع نشأة التربية البيئية الى القرن التاسع عشر، من خلال ربط التربية بالطبيعة، وتلقي الأديان السماوية على عاتق الإنسان مسؤولية إستثمار الطبيعة والعناية بها، معتبرة ان سوء إدارة الطبيعة إثم كبير شأنه في ذلك شأن الخطايا الأخلاقية، وأن الإهتمام بالطبيعة ورعايتها هو فضيلة أخلاقية أساسية، داعية الإنسان على نحو واضح وصريح الى التعاطف مع الطبيعة، وعدم إساءة إستخدامها، الى جانب تحبيب الطبيعة الى الإنسان وتقربه منها، وجعل ما بين الإنسان والطبيعة إنسجاماً والفة ومودة..
بيد أن التربية البيئية، كفكر وممارسة وتطبيق، إكتسبت محتواها العلمي، كجزء متمم للعلوم البيئية، وتطورت على نحو كبير، في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، بفضل الحركة المتنامية والمتصاعدة لأنصار البيئة وحماتها،وتحت تأثير الأنشطة، وخاصة المؤتمرات العلمية الدولية التي كرست للبيئة ومشكلاتها..
المحطات الرئيسية لتطور مسيرة التربية البيئة وتأثيرات المؤتمرات الدولية في هذه المسيرة
أدناه أبرز المؤتمرات البيئية الدولية، التي عقدت خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، وأهم نتائجها بأختصار:
1- مؤتمر ستوكهولم 1972- إعترف بدور التربية البيئية في حماية البيئة.
2- ميثاق بلغراد 1975- وضع إطاراَ شاملاً للتربية البيئية، وحدد أسس العمل في مجالها.
3- مؤتمر تبليسي 1977- وضع مبادئ وتوجهات للتربية البيئية.
4- مؤتمر موسكو 1987- وضع إستراتيجية عالمية للتربية البيئية.
5-مؤتمر ريو دي جانيرو 1992- أكد على إعادة تكييف التربية البيئية ناحية التنمية المستدامة، وزيادة الوعي البيئي العالم، وتعزيز برامج التدريب البيئي.
المحاضرة الثالثة
أهداف التربية البيئية
مع أن التربية البيئية ليست حديثة العهد، بيد أنه منذ عهد قريب بدأ الإهتمام بدمج البيئة صراحة في عملية التعليم، ولكن بإعطاء الأوليات والعناية بالمشكلات التي تتعلق بحماية الموارد الطبيعية والحياة النباتية والحيوانية، او ما يتصل بهما من موضوعات.
إن الأهداف، او الأسس، أو المنطلقات للتربية البيئية، عديدة، وتشمل ما يلي:
بما ان المشكلات البيئية تتسم بالتعقيد، فينبغي أن تواجه بمجالات المعرفة المختلفة.ويتعين النظر للمشكلات البيئية في سياقها المحلي،أولاً، ومن ثم العالمي،حتى يدرك الفرد حجم المشكلات، ويقتنع بها وبخطورتها.فالتربية البيئية تكون أكثر تاثيراً في الأفراد عندما توضح لهم.والسلوك الظاهر للناس تجاه البيئة يعتمد على المعارف والقيم التي يمتلكونها.
وكان ميثاق بلغراد،الذي تمخض عن الندوة الدولية التي عقدت في العاصمة اليوغسلافية في تشرين الأول/أكتوبر 1975، قد شرح غايات وأهداف التربية البيئية كونها تهدف الى تمكين الإنسان من فهم ما تتميز به البيئة من طبيعة معقدة نتيجة للتفاعل بين جوانبها البايولوجية والفيزيائية والإجتماعية والثقافية.. ولابد لها بالتالي من ان تزود الفرد والمجتمعات بالوسائل اللازمة لتفسير علاقة التكافل التي تربط بين هذه العناصر المختلفة في المكان والزمان بما يسهل توائمهم مع البيئة ويساعد على إستخدام موارد العالم بمزيد من التدبير والحيطة لتلبية إحتياجات الإنسان المختلفة في حاضره ومستقبله. وينبغي للتربية البيئية كذلك ان تسهم في خلق وعي وطني بأهمية البيئة لجهود التنمية، كما ينبغي لها ان تساعد على إشراك الناس بجميع مستوياتهم وبطريقة مسؤولة وفاعلة في صياغة القرارات التي تنطوي على مساس بنوعية بيئتهم بمكوناتها المختلفة، وفي مراقبة تنفيذها.. ولهذه الغاية ينبغي للتربية البيئية ان تتكفل بنشر المعلومات عن مشروعات إنمائية بديلة لا تترتب عليها اَثار ضارة بالبيئة، الى جانب الدعوة الى إنتهاج طرائق للحياة تسمح بإرساء علاقات متناسقة معها.
ومن غايات التربية البيئية أيضاً تكوين وعي واضح بالتكامل البيئي في عالمنا المعاصر حيث أنه يمكن ان تترتب على القرارات، التي تتخذها البلدان المختلفة، وعلى مناهج سلوكها، اَثار على النطاق الدولي.
وثمة دور بالغ الأهمية للتربية البيئية من هذه الناحية يتمثل في تنمية روح المسؤولية والتضامن بين بلاد العالم، بصرف النظر عن مستوى تقدم كل منها، لتكون اساساً لنظام يكفل حماية البيئة البشرية وتطويرها وتحسينها.
ان بلوغ هذه الغايات إنما يفترض تكفل العملية التربوية بنشر معارف وقيم وكفايات عملية ومناهج سلوك من شأنها ان تساعد على فهم مشكلات البيئة وحلها..
فبالنسبة للمعارف يتعين على التعليم ان يوفر الوسائل اللازمة وبدرجات متفاوتة في تعميقها وخصوصياتها تبعاً لتباين جماهير المتعلمين لإدراك وهم العلاقات القائمة بين مختلف العوامل البايولوجية والفيزيائية والإجتماعية والإقتصادية التي تتحكم بالبيئة من خلال اَثارها المتداخلة في الزمان والمكان. وإذ يقصد من هذه المعارف ان تسفر عن تطوير مناهج السلوك وأنشطة مؤاتية لحماية البيئة وتحسينها، فمن الضروري ان يتم تحصيلها قدر الإمكان عن طريق وضع البيئات الخاصة موضع الملاحظة والدراسة والتجربة العلمية..
وفيما يتعلق بالقيم ينبغي للتربية البيئية ان تطور مواقف ملائمة لتحسين نوعية البيئة، فلا سبيل الى إحداث تغيير حقيقي في سلوك الناس إتجاه البيئة إلا إذا أمكن لغالبية الأفراد في مجتمع معين ان يعتنقوا، عن إرادة حرة ووعي، قيم أكثر إيجابية، تصبح أساساً لأنضباط ذاتي. ولهذه الغاية ينبغي للتربية البيئية ان تسعى الى توضيح وتنسيق ما لدى الأفراد والمجتمعات من إهتمامات وقيم أخلاقية وجمالية وإقتصادية بقدر ما لها من تأثير على البيئة..
أما عن الكفايات العملية،فان الهدف هو تزويد كافة أفراد المجتمع،أي مجتمع، بمجموعة بالغة التنوع من الكفايات العلمية والتقنية، تسمح بإجراء أنشطة رشيدة في مجال البيئة، وذلك عن طريق الإستعانة بأساليب متعددة، تتفاوت في درجة تعقيدها. والمقصود بوجه عام هو إتاحة الفرصة في كافة مراحل التعليم المدرسي وغير المدرسي لأكتساب الكفايات اللازمة للحصول على المعارف التي تتوافر في البيئة، والتي تسمح بالمشاركة في إعداد حلول قابلة للتطبيق على المشكلات الخاصة بالبيئة وتحليلها وتقييمها، ذلك لأن القيام بصورة مباشرة ومحدودة بأنشطة ترمي الى حماية البيئة وتحسينها هو خير وسيلة لتنمية هذه الكفايات .
وتشكل هذه الأهداف كلها عملية تربوية موحدة، حيث لا طائل يرجى من أنشطة تربوية ترمي الى تحقيق أهداف معينة بصورة مشتتة، وجزئية. ولا يجدي ذلك كثيراً في تطوير نهج جديد شامل تجاه البيئة.
يشير د. غازي أبو شقراء الى أن أهداف التربية البيئية حددت بما يلي:
تعزيز الوعي والإهتمام بترابط المسائل الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والبيئية (الإيكولوجية) في المناطق المدينية والريفية.
إتاحة الفرص لكل شخص لإكتساب المعرفة والقيم والمواقف وروح الإلتزام والمهارات الضرورية لحماية البيئة وتحسينها.
خلق أنماط جديدة من السلوك تجاه البيئة لدى الأفراد والجماعات والمجتمع ككل.
ودعا أبو شقراء الى إسترشاد التربية البيئية بالمبادئ التالية:
1- البيئة وحدة متكاملة- بجوانبها الطبيعية، والتي صنعها الإنسان- وكذلك بجوانبها التكنولوجية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية والأخلاقية والجمالية.
2- التربية البيئية عملية متواصلة مدى الحياة، تبدأ في مرحلة ما قبل المدرسة وتستمر في جميع المراحل التربوية النظامية وغير النظامية.
3- الأخذ بمنهج جامع بين فروع المعرفة يستعين بالمضمون الخاص لكل فرع منها لتيسير التوصل الى نظرة شمولية متوازية.
4- التعرف الى القضايا البيئية الكبرى من منظور محلي وقومي وإقليمي ودولي.
5- التركيز على الأوضاع البيئية الحالية والمحتملة مع مراعاة الإطار التأريخي لهذه الأوضاع.
6- تعزيز التعاون على الصعيد المحلي والقومي والإقليمي والدولي في تلافي المشكلات البيئية والإسهام بحل هذه المشكلات.
7- أن تؤخذ صراحة بعين الإعتبار الجوانب البيئية في مخططات التنمية والتطوير.
8- الربط بين الحس البيئي ومعرفة البيئة والمهارات الكفيلة بحل مشكلاتها وتوضيح القيم المتعلقة بها في كل مرحلة من مراحل العمر.
9- مساعدة الدارسين على إكتشاف أعراض المشكلات وأسبابها الحقيقية.
10- التأكيد على تشعب المشكلات ومن ثم ضرورة تنمية الفكر النقدي والمهارات الكفيلة بحل المشكلات.
11- إستخدام بيئات متنوعة للتعلم، ومجموعة كبيرة من النماذج التربوية، في التعلم والتعليم عن البيئة، مع التأكيد على الأنشطة العملية والتجارب المباشرة.
وتناول أ.د. راتب السعود هذه الأهداف بتفصيل أكثر،موضحاً بأنه على الرغم من ان للتربية البيئية أصولها القديمة إلا أنها إكتسبت أهمية خاصة منذ السبعينات من القرن العشرين نتيجة لحدوث وعي بالمشكلات البيئية الكبرى التي بدأت تؤثر بعمق في نوعية الحياة البشرية، وتهدد مستقبل الأجيال، مثل الإنفجار السكاني، والتلوث، وإستنزاف الموارد الطبيعية، إذ إنطلقت التربية البيئية من إعتراف مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة البشرية، الذي عقد في ستوكهولم/السويد عام 1972، بدور التربية كركن من أركان المحافظة على البيئة، فأصدر المؤتمر التوصية 96 التي دعت اليونسكو خاصة، ووكالات الأمم المتحدة الأخرى عامة، الى إتخاذ التدابير اللازمة لبرنامج جامع لعدة فروع علمية للتربية البيئية في المدرسة وخارجها، من حيث الإهتمام بالبيئة وحمايتها، ويوجه الى جميع قطاعات السكان. وكانت هذه التوصية اساساً ومنطلقاً ومبدأ هادياً إستندت إليه اليونسكو في تحديد الأهداف الخمسة التالية للبرنامج الدولي للتربية البيئية الذي ترعاه بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وهي:
1-تشجيع تبادل الأفكار والمعلومات والخبرات المتصلة بالتربية البيئية بين دول العالم وأقاليمه المختلفة.
2- تشجيع تطوير نشاطات البحوث المؤدية الى فهم أفضل لأهداف التربية البيئية ومادتها وأساليبها، وتنسيق هذه النشاطات.
3- تشجيع تطوير مناهج تعليمية وبرامج في حقل التربية البيئية وتقويمها.
4- تشجيع وتدريب وإعادة تدريب القادة المسؤولين عن التربية البيئية، مثل المخططين والباحثين والإداريين والتربويين.
5- توفير المعونة الفنية للدول الأعضاء لتطوير برامج في التربية البيئية.
كيف السبيل لبلوغ أهداف التربية البيئية ؟
عن هذا السؤال يجيب رشيد الحمد ومحمد سعيد صباريني بان بلوغ هذه الأهداف يتطلب عملية تربوية تستطيع:
- تأمين المعرفة الخاصة بالعلاقات بين مختلف العوامل البيولوجية والفيزيائية والاجتماعية التي تتحكم في البيئة، من خلال أثارها المتداخلة، تكون قادرة على تطوير مناهج للسلوكن وإستحداث نشاطات مناسبة، من خلال الملاحظة والدراسة والتجريب لصيانة البيئة.
- تطوير مواقف ملائمة لتحسين نوعية البيئة عن طريق إحداث تغيير حقيقي في سلوك الناس إتجاه بيئتهم، بحيث يؤدي ذلك الى إيجاد الشخصية المنضبطة ذاتياً والتي تتصرف في البيئة بروح المسؤولية.
- الإستعانة بأساليب شتى لتزويد الناس بمجموعة متنوعة من الكفايات العملية والتقنية التي تسمح بإجراء أنشطة رشيدة في البيئة.ويمكن تحقيق ذلك عن طريق أتاحة الفرصة في كافة مراحل التعليم (النظامي وغير النظامي) لإكتساب الكفايات القادرة على كسب المعارف المتوفرة عن البيئة، تكون قادرة بالفعل للإسهام في وضع حلول قابلة للتطبيق لمشكلات البيئة.
المحاضرة الرابعة:
البعد التربوي التربية البيئية
يعتبر البعد التربوي Educational Dimension من ابعاد مشكلة التلوث البيئي التي لها أهمية كبيرة، وذلك من خلال نشر الوعي البيئي المرتكز على أخلاقيات بيئية Educational Ethics تدعو الجميع لضرورة الإنتماء الى هذه القرية الكونية بإيجابية وتفاؤل.وإن نقطة إنطلاق الإهتمام في هذا الجانب بدأت من مؤتمر ستوكهولم، الذي عقد خلال الفترة ما بين 5-16 حزيران / يونيو 1972 تحت عنوان " عالم واحد فقط !"، حيث تضمن المؤتمر إن الإنسان صنيع بيئته وصانعها في اَن واحد. وإن بين المجتمع والبيئة علاقة وثيقة، فهي معيله الطبيعي الذي يوفر له فرصة للنمو الفكري والإجتماعي والروحي.
وتهدف التربية البيئية كمفهوم الى بناء المواطن الإيجابي الواعي بمشكلات البيئة، وتنمية الوعي بأهمية البيئة، وتنمية القيم الإجتماعية، ودراسة المشكلات البيئية، وتحليلها، من خلال منظور القيم، وتنمية المهارات اللازمة لفهم وتقدير العلاقات التي تربط بين الإنسان وبيئته البيوفيزيائية.وتهدف ايضاً الى تنمية أخلاق بيئية تسعى الى إيجاد التوازن البيئي ورفع مستوى المعيشة للأفراد، وتنمية مفهوم جماهيري اساسي للعلاقات الإنسانية والتفاعلات البيئية ككل،بالأضافة الى تزويد المواطنين بمعلومات دقيقة وحديثة عن البيئة ومشكلاتها بهدف معاونتهم على إتخاذ القرارات السليمة لإسلوب التعايش مع البيئة وتوعية المجتمع، وبأن من حق كل مواطن إتخاذ القرارات بشأن المشكلات البيئية.
ويقع على عاتق التربية البيئية مسؤوليات ضخمة لتحقيق التعاون بين الدول لتوفير حياة كريمة لكل البشر، عن طريق الإستغلال العلمي للموارد المتاحة، وتوجيه الإهتمام الى المشكلات البيئية المعاصرة، وضرورة دراسة المشكلات الناجمة عن التغيرات التكنولوجية التي احدثها الإنسان وكانت لها اَثار سيئة على الأنظمة البيئية، كالتلوث.
وتتمثل مسؤولية التربية البيئية أيضاً في دراسة المشكلات البيئية وتحليلها من خلال منظور شامل وجامع لفروع المعرفة يتيح فهمها على نحو سليم.كما دعت ندوة بلغراد عام 1975 الى أهمية التربية البيئة التي تهدف الى تكوين جيل واع مهتم بالبيئة وبالمشكلات المرتبطة بها، ولديه المعارف والقدرات العقلية، والشعور بالإلتزام، بما يتيح له ان يمارس، فردياً أو جماعياً، حل المشكلات القائمة، وأن يحول بينها وبين العودة للظهور.
ومن هنا فان التربية البيئية أصبحت بعداً مهماً من ابعاد حل مشكلة التلوث البيئي من خلال غرسها لأخلاقيات بيئية عند الأفراد.وفي هذا الإتجاه يقول ليوبولد- أستاذ البيئة الشهير:"إننا نحقق فكرة أخلاقية-المحافظة على الأرض حين ننظر على أنها مجتمع ننتمي إليه.وبذلك يمكننا أن نستخدم الأرض بطريقة تنم عن الحب والإحترام".
والتربية البيئية المرتكزة على وعي بيئي كبير وأخلاق بيئية رفيعة، كفيلة في أن تسهم في الحد من التلوث وتدهور الحياة، بالإضافة الى دور العقيدة التربوية في غرس القيم الإيمانية والسلوكيات الإيجابية للتعامل مع البيئة.
المحاضرة الخامسةة:
خصائص التربية البيئية وسماتها
تتسم خصائص التربية البيئية بجملة من السمات يوجز رشيد الحمد ومحمد صباريني أبرزها بالتالي:
* التربية البيئية تتجه عادة الى حل مشكلات محدودة للبيئة البشرية عن طريق مساعدة الناس على إدراك هذه المشكلات.
* التربية البيئية تسعى لتوضيح المشكلات البيئية المعقدة وتؤمن تظافر أنواع المعرفة اللازمة لتفسيرها.
* التربية البيئية تأخذ بمنهج جامع لعدة فروع علمية في تناول مشكلات البيئة.
* التربية البيئية تحرص على ان تنفتح على المجتمع المحلي إيماناً منها بأن الأفراد لا يولون إهتمامهم لنوعية البيئة ولا يتحركون لصيانتها أو لتحسينها بجدية وإصرار إلا في غمار الحياة اليومية لمجتمعهم.
* التربية البيئية تسعى بحكم طبيعتها ووظيفتها لتوجه شتى قطاعات المجتمع الى بذل جهودها بما تملك من وسائل لفهم البيئة وترشيد إدارتها وتحسينها، وهي بذلك تأخذ بفكرة التربية الشاملة المستديمة والمتاحة لجميع فئات الناس.
* التربية البيئية تتميز بطابع الإستمرارية والتطلع الى المستقبل.
إن التربية البيئية تعد إستجابة للأزمة البيئية التي تواجه البشرية.وهي تتناول حالات واقعية، توجب المشاركة في دراستها.وتأخذ أهداف التربية البيئية المعرفية بالمنحى التداخلي.والتربية البيئية ذات طابع كلي في توجهاتها.وتضمن الفعل في تعاملها مع المشكلات البيئية.وتستخدم، بشقيها الطبيعي الصناعي، وسطاً للتعلم.وتبحث عن البدائل في دراسة الحالات البيئية.وتسعى الى تبني المدخل القيمي الذي يعني تلازم بناء أنماط سلوكية تساعد بالمحافظة على البيئة.وتهتم باسس الأختيار بين بدائل الحالات البيئية.وتهدف التربية البيئة الى تطوير مهارات حل المشكلات البيئية.
وهي جهد لا ينبغي ان يترك للتربويين لوحدهم، بل هو جهد مجتمعي تشترك في تحقيقه كافة الجهود، الرسمية منها والأهلية.والتربية البيئية ليست فكراً نظرياً، ولا وجهات نظر، بل هي علم تطبيقي يتجلى بالفعل والممارسة.
وكان ميثاق بلغراد في عام 1975 قد اشار الى ان السعي الى تحقيق الغايات والأهداف التي عرضناها يضفي على عملية التعلم خصائص معينة، ويتطلب توافر شروط معينة فيها، سواء في ما يتعلق بتصميم مضمون التربية وتنظيمه، أو بأساليب التعليم والتعلم وطريقة تنظيم هذه العملية.وقد تكون أهم سمة لهذه التربية هي كونها تتجه الى حل مشكلات محدودة للبيئة الإنسانية، فهدفها معاونة الناس أياً كانت الفئة التي ينتمون اليها، وأياً كان مستواهم، على إدراك المشكلات التي تقف حائلاً دونما فيه خيرهم كأفراد وجماعات، وتحليل أسبابها، وتقييم الطرق والوسائل الكفيلة بحلها.وهي تهدف كذلك الى إشراك الفرد في وضع تحديد إجتماعي للأستراتيجيات والأنشطة الرامية الى حل المشكلات التي تؤثر على نوعية البيئة.وإذا كانت توجد اليوم مشكلات بيئية كثيرة، فمرد ذلك، في جانب منه، الى أن قلة ضئيلة من الناس كانوا قد أعدوا لتبني مشكلات تتسم بالتحديد والتعقيد، فضلاً عن إبجاد حلول فاعلة لها.وقد اساء التعليم التقليدي، بإفراطه في التجريد وعدم التناسق، إعداد الأفراد لمواجهة ما يطرأ على واقعهم من تعقيدات متغيرة ، في حين ان التربية، التي تتخذ من مشكلات بيئية محدودة محوراً لها، تتطلب، على العكس، تظافر المعارف بشتى جوانبها لتفسير الظواهر الواقعة المعقدة. ومع ذلك تبرز سمة أخرى من سماتها الأساسية، وهي كونها تأخذ بمنهج جامع لعدة فروع علمية في تناول مشكلات البيئة.
والواقع أنه يحسن لفهم هذه المشكلات على نحو سليم ان تكون على البيئة، من وجوه الترابط القائمة بين الظواهر والأوضاع السائدة، والتي كان أتباع نهج يعتم على فرع واحد من فروع العلوم، سينحو الى تجزأتها. فالنهج الجامع لعدة فروع علمية يتجاهل الحدود الفاصلة بين العلوم التخصصية، ويعنى بأعطاء نظرة أكثر شمولاً وابعد عن التبسيط للمشكلات الماثلة، إذ انه لا يتمثل في البدء بوضع العلوم المختلفة جنباً الى جنب، ولكن في فهم العملية فهماً شاملاً قبل التطرق الى تحليل إحدى المشكلات الخاصة وحلها.. على ان التوصل الى تربية جامعة لعدة فروع علمية بصورة حقة يشكل مطلباً صعباً، ينبغي ان نسعى الى تحقيقه تدريجياً.. ويفترض لذلك ان تقوم إتصالات ميسرة بين المعلمين بفضل ما يتلقاه المختصون من تدريب جديد ووضع نظام ملائم للتعليم يأخذ في أعتباره الروابط الفكرية والمنهجية بين فروع العلم على إختلافها. وتدعو الحاجة الى وضع تعليم يستجيب للإحتياجات الإجتماعية إستجابة فاعلة للتنويه بإحدى الخصائص الرئيسية الأخرى للتربية البيئية وهي إنفتاحها على المجتمع المحلي المعين. فليس يفترض في التربية، التي تهدف الى حل مشكلات بيئية محددة، ان تعمل على تنمية المعارف والمهارات وحسب، بل وان تعمل أيضاً، وبوجه أخص، على تطوير عرف محلي يمارس في بيئات محددة، ومن التحقق ان الأفراد والجماعات لا يولون إهتمامهم لنوعية البيئة، ولا يتحركون لحمايتها او تحسينها بعزم وإصرار إلا في غمار الحياة اليومية لمجتمعهم المحلي، وحين يواجهون ما يعترض سبيلهم من مشكلاتها.. ولهذا النهج الجماعي أهمية لأنه من الجلي ان كثيراً مما يسمى بالمشكلات الوطنية لا يعدو كونه حصيلة مشكلات فردية وان كانت مشتركة بين عدة مجتمعات محلية في وقت واحد.. وإذا أمكن حل مشكلات معينة تخص أحد المجتمعات المحلية فاننا نكون قد قطعنا بذلك، في الوقت نفسه، شوطأ صوب تحسين البيئة لصالح مجتمع أوسع نطاقاً مثل القطر او المنطقة. ويتطلب تحسين نوعية البيئة من ناحية أخرى، توفر الإدارة السياسية اللازمة، ونهوض شتى قطاعات المجتمع ببذل جهود لدعمها بكفاياتها وبما تملكه من وسائل متعددة. ذلك ان التظافر الحقيقي بين قدرات المعرفة وغيرها من العناصر، مثل القيم، والنظرة الجمالية، والمهارات العملية في إطار الجهود المنسقة، ومشاركة الأفراد داخل مختلف الجماعات والمرافق التي يتكون منها المجتمع المحلي، سيؤدي الى فهم البيئة وترشيد إدراتها وتحسينها.
وهناك، في النهاية، جانب اَخر، من الجوانب الأساسية للتربية البيئية، وهو ما تتميز به طابع الإستمرارية والتطلع الى المستقبل.فحتى وقت قريب من تأريخ الإنسانية كان التغيير في الإطار الإجتماعي والثقافي والطبيعي للحياة يحدث ببطء، وكان من الميسور في ظروف كهذه ان يتعلم أبناء الأجيال الجديدة قيم اَباءهم ومعارفهم، وان ينقلوها الى أبنائهم، وهم على يقين من ان هذا التراث الثقافي سيكون كافياً لضمان تلاءمهم مع المجتمع.. ومنذ الثورة الصناعية وخلال النصف الثاني من القرن العشرين بوجه أخص تعرض هذا الإطار لهزة عنيفة، فقد أدى التقدم الباهر، الذي أحرزته المعارف العلمية وتطبيقاتها التكنولوجية، الى مضاعفة سيطرة الإنسان على بيئته، وتزايد سرعة التغيرات التي تعرضت لها. وفي يومنا هذا، تتغير البيئة الطبيعية والمبنية، في مختلف جوانبها، بسرعة بالغة، مما يسفر عن ظهور نظم إقتصادية وإجتماعية وثقافية جديدة، ومن تولد مشكلات جديدة دون إنقطاع. وأصبحت المعارف والتقنيات تتغير للمرة الأولى في تأريخ الإنسان خلال فترة تقل عن عمر الفرد..إذاً لا مناص لتربية تهدف الى حل مشكلات البيئة من ان تتسم في هذا السياق بطابع الإستمرار، ولكي لا تتخلف المعارف التي يكتسبها الناس ضماناً لأستمرار فاعلية الأنشطة الجارية يتعين على التربية البيئية ان تحرص دائماً على إعادة صياغة توجهاتها ومضمونها وأساليبها، وان تعنى في ذات الوقت بان ان تكون المعارف المتاحة لمختلف الفئات مستوفية بصورة دائمة مع تطويعها للأوضاع الجديدة بإستمرار.. وهي تتدرج بهذه الصفة في إطار التربية المستديمة.
المحاضرة السادسة:
أشكال التربية البيئية وبرامجها.
يعتبر الأستاذ راتب السعود أن واحدة من أهم الأسس التي ترتكز إليها التربية البيئية هي الإستمرارية، بمعنى ان تكون التربية البيئية عملية مستمرة مدى الحياة، تبدأ من بواكير الطفولة، من خلال برامج التربية النظامية، وغير النظامية.وعليه فليس ثمة جمهور محدد مستهدف في التربية البيئية، بل على العكس فان هذا الجمهور يشمل الناس كافة، بغض النظر عن العمر او الجنس او العرق او اللغة او غير ذلك.إنه جمهور متنوع متغير علىالدوام.ومن أجل ذلك كان لابد من مواجهة مشكلة إتساع الجمهور المستهدف وتنوعه، ليس بشكل واحد من أشكال التعليم، ولا من خلال مؤسسة واحدة من مؤسسات المجتمع، بل بشكلي التعليم الرئيسيين: التعليم النظامي ( الرسمي) والتعليم غير النظامي ( غير الرسمي)، وعبر مؤسسات المجتمع كافة.
تبدأ التربية البيئية اليوم من مستوى رياض الأطفال، وتسير قدماً حتى تغطي باقي مراحل التعليم.ولما كانت التربية البيئية في مفهومها الأساسي، وفي تطبيقها، تجمع بين شتى فروع العلم، فأنها تدمج البرامج الدراسية المختلة على كل مستوى من مستويات التدريس.ففي مراحل التعليم العام تتضمن المناهج الدراسية، فيما تتضمنه، مواد تثير عند الناشئة ملكات الفضول، والملاحظة، والتفسير، وتتضمن أيضاً المعارف الأساسية عن ترابط جميع عناصر البيئة، ووقع هذا الترابط على حياة الإنسان الإجتماعية والثقافية..وتتضمن المناهج الدراسية أيضاً الإدراك العلمي للبيئة الطبيعية ولما لها من وقائع ووظائف.كما تتضمن المناهج تبصيراً بالمنهج السليم في الإغتراف من الموارد الطبيعية سواء فيها ما يتجدد وما لا يتجدد.. والموارد التي تتجدد يكون لها، بلا شك، أهمية خاصة.
لقد بدأ التعليم النظامي ( المدرسي) يلتفت الى مشكلات البيئة ويستوعبها في القرارات الدراسية المختلفة على أساس الإقتناع بأن التربية البيئية في إطار الأنظمة التربوية المدرسية تساعد على فهم أفضل للجوانب الإنسانية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية للحياة..
يقسم السعود برامج التربية البيئية النظامية ( التعليم النظامي) الى 4 مؤسسات رئيسية، وهي: رياض الأطفال والمدارس ( مؤسسات التعليم العام)، والجامعات، وكليات المجتمع ( مؤسسات التعليم العالي).على ان المدارس والجامعات تمثل العمود الفقري في التعليم النظامي، بسبب ضخامة جمهورها، وطول فترتها الزمنية، قياساً برياض الأطفال ومؤسسات التعليم المتوسط.
أما برامج التربية البيئية غير النظامية ( التعليم غير النظامي)، والبعض يطلق على التربية البيئية في التعليم غير النظامي( غير الرسمي):"الإعلام البيئي" أو " الثقافة البيئية" أو "التوعية البيئية،فانها تتم من خلال مؤسسات المجتمع كافة، كالأسر، والنوادي، والجمعيات، والهيئات، والمتاحف، والمعارض، ودور العبادة، ووسائل الإعلام، والمنظمات غير الحكومية، وغيرها. ونظراً لشدة تأثرها وخطورة برامجها وطول مدة تأثيرها الزمنية، فان الأسرة، ودور العبادة، ووسائل الإعلام، تشكل هي الأخرى العمود الفقري لمؤسسات التعليم البيئي غير النظامي.
المحاضرة السابعةة:
دور الاسرة في غرس التربية البيئية وحماية البيئة
من المعروف ان الأسرة تمثل الجماعة الإنسانية الأولى التي يتعامل معها الطفل، والتي يعيش معها السنوات التشكيلية الأولى من عمره، هذه السنوات التي لها- كما يؤكد علماء التربية وعلم النفس- أكبر الأثر في تشكيل شخصية الطفل تشكيلاً يبقى معه بشكل من الأشكال وعلى مدى طويل.
والمعروف أيضاً ان عملية التطبيع الإجتماعي Socialization للطفل تتم من خلال كل مؤسسات المجتمع التي يتفاعل معها ، إلا ان أكثر هذه المؤسسات تأثيراً هي مؤسسة الأسرة.وتتضح أهمية الأسرة في تشكيل شخصية الطفل إذا ما تذكرنا المبدأ البيولوجي العام الذي يقول بإزدياد قابلية التشكيل او ازدياد المطاوعة كلما كان الكائن صغيراً.
والأسرة هي المسؤولة، خصوصاً في السنوات الخمس الأولى من عمر الطفل، عن كثير مما يرد للطفل من مؤثرات.كما أنها هي البيئة الإجتماعية الأولى التي يبدأ فيها الطفل بتكوين ذاته والتعرف على نفسه، عن طريق عملية التفاعل الإجتماعي المتمثلة في الأخذ والعطاء، والتعامل بينه وبين أعضاء الأسرة الآخرين.وفي هذه البيئة الإجتماعية يتلقى الطفل أول إحساس بما يجب القيام به، بالأعمال التي إذا قام بها حضي بالمديح والثناء، والأعمال الأخرى التي تلقى الذم والعقاب.
لقد تعارف المربون على أن الأسرة تقوم بثلاث وظائف أساسية هامة في المجتمع، وهي:
إنتاج الأطفال وإمدادهم بالبيئة الصالحة لتحقيق حاجاتهم البيولوجية والإجتماعية.
إعدادهم للمشاركة في حياة المجتمع وفي التعرف الى قيمه وعاداته وتقاليده.
تزويدهم بالوسائل التي تهيئ لهم تكوين ذواتهم داخل المجتمع.
ومن هنا تتضح خطورة الدور الذي تؤديه الأسرة تجاه الأبناء، والمنبثق أصلاً عن كونها البيئة الإجتماعية الأولى التي يتعامل معها الطفل، وتمثل له مصدر الأمن والطمأنينة والإستقرار وإشباع معظم حاجاته.
وتأسيساً على ما سبق، تصبح الأسرة أهم مؤسسات المجتمع في تهيئة الأفراد للحفاظ على البيئة، وحمايتها من كل مكروه، وبناء الإستعداد لديهم للنهوض بها، ودرء المخاطر عنها، وإستيعاب وتمثل قيم النظافة، وترشيد الإستهلاك، والتعاون، وغيرها مما ينعكس إيجابياُ على البيئة.
ولعل خير ما يوضح دور الأسرة في حماية البيئة، ولو بشكل رمزي،هو دورها في التصدي لمشكلات البيئة الرئيسية الثلاث: الإنفجار السكاني، والتلوث، وإستنزاف موارد البيئة.على ان ما ينبغي التذكير به هو ان دور الأسرة، كغيرها من مؤسسات المجتمع الأخرى، يتضمن بعدين رئيسيين:
أ- البعد الوقائي ( بهدف الحيلولة دون وقوع المشكلات البيئية).
ب-البعد العلاجي ( بهدف تخفيف حدة المشكلات البيئية والتصدي لها ومقاومتها)، وذلك على النحو التالي:
1- دور الأسرة في التصدي لمشكلة الأنفجار السكاني:
درسنا في الفصل المنصرم مشكلة الإنفجار السكاني بوصفها واحدة من المشاكل البيئية المعاصرة في العالم. ومن هنا لن نكرر ما درسناه، ونكتفي بالإشارة الى أن من أهم أسباب مشكلة الأنفجار السكاني هي: الجهل المعرفي،او نقص المعرفة، والجهل الديني، وعقدة الولد الذكر، التي تجعل بعض الأزواج يستمرون في الإنجاب إذا كان المولود أنثى حتى يطل المولود الذكر، بالإضافة الى العادات والتقاليد، وضعف التنظيم الأسري، وغير ذلك.
من هنا نقول أن الأسرة تُعدُ عملياً نقطة الأرتكاز في معالجة قضايا البيئة وفي مقدمتها التصدي لمشكلة الأنفجار السكاني،وذلك من خلال القيام ببعض النشاطات، مثل:
تنظيم الحمل
إطالة فترة الرضاعة،وتشجيع الرضاعة الطبيعية.
توعية الأبناء بخطورة مشكلة الإنفجار السكاني، ومناقشة هذه القضية معهم.
محاربة الزواج المبكر، وبالذات لدى الأناث.
تشجيع التعليم، وتسهيل فرصه، وبالذات للأناث، مما يقلل من فرص الزواج المبكر.
2- دور الأسرة في التصدي لمشكلة التلوث:
يكتسب الأبناء كثيراً من سلوكياتهم من خلال تعايشهم اليومي مع أسرهم، وبالذات مع أمهاتهم، وتتشكل كثيراً من إتجاهاتهم من خلال مشاهداتهم اليومية لممارسات الوالدين، والأخوة الكبار، وغيرهم من أفراد الأسرة الذين يقطنون معهم. وتكاد تكون التربية بالتقليد من أهم وسائل التربية التي يمكن أن تلجأ إليها الأسرة لبناء إتجاهات إيجابية عند الأبناء نحو البيئة، وتعزيز قيم المحافظة عليها.
وإذا كان دور الأسرة في وقاية البيئة من الأخطار التي تتهددها أساساً، فان دورها في معالجة ما إعترى البيئة من مشكلات لا يقل أهمية عن دورها الوقائي.وفي مجال التصدي لمشكلة التلوث بكافة أشكالها: تلوث الهواء، والماء، و التربة، والغذاء، والتلوث الكهرومغناطيسي، والتلوث السمعي، فان للأسرة دور هام.
ونورد فيما يلي بعض الأساليب التي يمكن للأسرة إستخدامها في سبيل بث الوعي البيئي لدى الأطفال حيال قضايا المياه والتصدي لمشكلة تلوث المياه، على سبيل المثال:
- أن يتعامل الأبوان مع المياه بإيجابية، فلا يسرفان، ولا يلوثان، وبالتالي فانه من غير المعقول ان ينهيان أبناءهما عن خلق الإسراف بالماء وتلويثه ويأتيان بمثله.
- أن لا يمل الأبوان من النصح والأرشاد الى مواطن الخلل في قضايا المياه، وأن يدلان الأبناء على مصادر تلوث المياه، ويوجهانهم الى سبل التصدي لذلك.
- أن يغرس الأبوان في نفوس الأبناء قيمة النظافة في كل شيء، ومنها نظافة الماء حيثما وجد.
- أن يُذَكِر الآباء الأبناء بان الإنسان هو مشكلة الماء، ذلك ان الإنسان قد إنحرف عن المنهج السليم في التعامل مع الماء، فأسرف ولوث وإستنزف، ولن يكون هناك حل لقضايا الماء إلا من خلال الإنسان نفسه.
- أن يشرك الأبوان الأبناء في عمليات تنظيف خزانات مياه الشرب وتعقيم المياه، ولو كان ذلك من خلال المشاهدة، إن تعذر ممارسة الفعل عملياً.
- أن يشرك الآباء الأبناء في عمليات تفقد شبكة المياه المنزلية وفحص العدادات ومراقبة التسرب ومعالجته.
- أن يشرك الأبوان الأبناء في عملية إبلاغ سلطة المياه عن أي تسرب للمياه من شبكة المياه الرئيسية.
- تقليل حجم خزان المرحاض، بوضع زجاجة ماء ممتلئة ومغلقة سعة لتر داخل الخزان، وإعلام الأبناء عن الحكمة من ذلك.
- إستخدام الدلو ( 20 لتراً) لغسل السيارة، بدلاً من الخرطوم ( الصوندة)، وشرح الحكمة من ذلك.
- تنظيم ري نباتات الحديقة المنزلية، وتصغير حجم حفائرها، وإستخدام طريقة الري بالتنقيط، وشرح هذه الإجراءات للأطفال.
3- دور الأسرة في التصدي لمشكلة إستنزاف موارد البيئة:
تمثل موارد البيئة بانواعها ينابيع خير ليحصل الإنسان منها على مقومات حياته.غير ان تعامل الإنسان غير العقلاني مع هذه الموارد البيئية قد أفسد بعضها، ولوث مجموعة أخرى، وتسبب في إنقراض بعض أنواع الكائنات الحية، وقلل من العمر الإفتراضي لكثير من مصادر الطاقة والمعادن.
وليس من شك أن للأسرة دور كبير في التصدي لمشكلة إستنزاف موارد البيئة بكافة إشكالها: الدائمة، والمتجددة، وغير المتجددة.فالأسرة تسهم في بناء إتجاهات إيجابية عند أطفالها نحو البيئة ومكوناتها، وتدعم قيم النظافة، والمشاركة والتعاون، وترشيد الإستهلاك، وغيرها، ذلك ان الأسرة تعتبر مفتاح عملية التعلم لدى الأطفال.والمنزل يعتبر من الأماكن المثالية للتطبيق العملي لمفاهيم البيئة. وعندما تمارس إحدى الأسس البيئية في نطاق الأسرة فانها ترتبط بعد ذلك بإسلوب حياة الفرد، وثمة كثير من مفاهيم التربية البيئية تعلم في المنزل.فعندما يوضح الآباء للأبناء كيفية التخلص من النفايات الصلبة، ومكافحة الحرائق ( الهواء مورد دائم)، أو الإعتناء بنباتات الحديقة، او بالحيوانات الأليفة( موارد متجددة)، أو الحفاظ على الطاقة الكهربائية ( موارد غير متجددة)، فهم بذلك يقدمون لأبنائهم قيماً بيئية تستهدف حماية موارد البيئة.
المحاضرة الثامنة:
دور المدرسة في حماية البيئة
معلوم أن التربية تبدأ من البيت، وعن طريق الأسرة، ولكن ظروف الحياة قد تغيرت، ومتطلباتها قد تعددت وتنوعت، وأعمال الأسرة قد تشعبت وإتسعت، فاصبحت غير قادرة على القيام بدورها في تربية الطفل دون مساعدة، فأوجب ذلك وجود مؤسسة أخرى تساعدها على نقل التراث الثقافي ومساعدة الطفل على حسن التكيف مع الحياة، وتعليمه العادات والتقاليد والقيم والنظم والمعتقدات والسلوك الإنساني الذي يرضى عنه المجتمع.ومن هنا جاءت المدرسة كمؤسسة إجتماعية تربوية، تقوم بمهمة التربية، جنباً الى جنب، مع الأسرة، وهذا يحتم على كلتا المؤسستين، الأسرة والمدرسة، ان يتعاونا حتى يصلا بتربية الطفل الى الهدف المنشود، وحتى لا يحدث بينهما تناقض يترتب عليه تفكيك في شخصية الطفل وفقدان الثقة بالأسرة، او المدرسة، او بكليهما.
وعلى الرغم من ان المدرسة تمثل المؤسسة الإجتماعية الرئيسية المختصة بشؤون التربية والتعليم، إلا أنها ليست الوحيدة، إذ بالإضافة الى الأسرة، هناك مؤسسات أخرى، كالجمعيات العلمية والهيئات المهنية والدينية والأدبية والرياضية ووسائل الإعلام وغيرها من الهيئات التي تشاطر المدرسة مهمتها التربوية الخطيرة.
وإزاء هذه المؤسسات الإجتماعية التي تسهم في عملية تربية النشئ يبرز للمدرسة 3 وظائف اساسية، وهي:
الوظيفة التكميلية، والوظيفة التصحيحية، والوظيفة التنسيقية، وذلك على النحو التالي:
1-المدرسة أداة إستكمال: إذ تقوم المدرسة بإستكمال ما بدأته المؤسسات الإجتماعية الأخرى، وفي مقدمتها الأسرة، من أعمال وتوجيهات تربوية.
2-المدرسة إداة تصحيح: إذ تقوم المدرسة بتصحيح الأخطاء التربوية التي قد ترتكبها المؤسسات والهيئات الإجتماعية الأخرى، فان كان هناك نقص تلافته، وإن كان هناك فراغ ملأته.
3-المدرسة أداة تنسيق: إذ تقوم المدرسة بتنسيق الجهود التي تبذلها سائر المؤسسات والهيئات الإجتماعية في سبيل تربية النشئ، وتظل على إتصال دائم بها لترشدها الى أفضل الأساليب التربوية. ومما لاشك فيه ان المدرسة هي المرجع الأساسي في كل ما يتعلق بعملية التربية.
على أن ما ينبغي التوكيد عليه ان المدرسة لن تستطيع ان تحقق أهدافها التربوية أو ان تؤدي رسالتها على خير وجه، إلا إذا إتقت شر الإنعزالية عن المجتمع، وركزت على خدمته، وإنفتحت على البيئة وأخذت بالجيد، وأمسكت بزمام المعاصرة، وهي ترتكز بقوة الى تراث مجتمعها وأصالته، وإهتمت بمستقبل الطفل وحاضره على حد سواء.إن مدرسة كهذه هي التي يعول عليها في صياغة الإنسان وإعداده وكسبه المعارف والمهارات والإتجاهات المناسبة والمرغوب فيها، ليكون تكيفه مع بيئته على خير ما يرام.
مداخل تضمين التربية البيئية في المناهج الدراسية
أشرنا بأن البيئة تعتبر جزءا اساسيا وهاما من مكونات المنهج المدرسي التربوي، وتعد صحة البيئة المدرسية اهم عامل في خفض نسبة انتشار الامراض.ويمكن التحكم في انتشار كثير من الامراض عن طريق الاهتمام بصحة البيئة المدرسية،بما يعني كل ما يحيط بالمعلم والمتعلم من عوامل، سواء كانت حية او غير حية طبيعية او عكس ذلك.
هناك 3 مداخل لتضمين التربية البيئية في المناهج الدراسية، وهي: مدخل الوحدات الدراسية، والمدخل الإندماجي، والمدخل المستقل.وفيما يلي توضيح لكيفية توظيف هذه المداخل الثلاثة في المناهج الدراسية على مستوى المدرسة:
مدخل الوحدات المستقلة
يعتمد على هذا المدخل على تضمين وحدة دراسية او فصل دراسي Chapter في أحدى المواد الدراسية، أو توجيه منهاج مادة دراسية بكامله توجيهاً بيئياً.ومن الأمثلة على تضمين المناهج وحدة دراسية وحدة البيئة والتكييف في كتاب الأحياء للصف التاسع الأساسي، ووحدة البيئة- مواردها، مشكلتها في كتاب الأحياء الأساسي للصف العاشر الأردني، ووحدة المشكلة السكانية، ووحدة مشكلة الطاقة، في كتاب الجغرافيا، وغيرها.على ان بعض وزارات التربية والتعليم في العالم قد إستحدثت منهاجاً دراسياً كاملاً يناقش قضايا البيئة في الصفوف الثانوية، ومنها على سبيل المثال مادة علوم الأرض والبيئة للصف الأول ثانوي علمي في الأردن.
المدخل الإندماجي
ويتمثل هذه المدخل بتضمين البعد البيئي في المواد الدراسية التقليدية، عن طريق إدخال معلومات بيئية، أو ربط المضمون بقضايا بيئية مناسبة.وليس من شك في ان فاعلية مثل هذا التوجه يعتمد بشكل أساسي على إتجاهات المعلمين وجهودهم وفعاليتهم، غير مقللين من جهود الإدارات المدرسية والإشراف التربوي.
وتعد كل المباحث التعليمية لكل الصفوف الدراسية في المدرسة مؤهلة لتنفيذ هذا المخل، إذ يمكن تضمين مناهج اللغات نصوصاً بيئية وتوجيه الطلبة في حصص التعبير للكتابة عن موضوعات بيئية، وفي مبحث الرياضيات يمكن إستخدام أمثلة للعمليات الحسابية المختلفة من واقع البيئة ومكوناتها وعناصرها، وذكلك الحال في باقي المباحث.
المدخل المستقل
ويتمثل هذا المدخل في برامج دراسية متكاملة للتربية البيئية كمنهاج دراسي مستقل.وإذا كان مثل هذا المدخل مناسباً لمرحلة التعليم قبل المدرسي( رياض الأطفال) فانه يناسب أيضاً مرحلة التعليم الإبتدائي (الصفوف الأساسية الستة ألأولى)، ذلك لأن التلاميذ في هاتين المرحلتين غير معنيين بتفريغ المعرفة، وينظرون الى الظاهرة او المشكلة نظرة كلية شمولية، كما ان المعلمين أيضاً يستطيعون تدريس ذلك المنهاج بسهولة، لأن المضمون لا يشتمل على عمق علمي.وعلى الرغم من ذلك تجدر الإشارة الى ان هذا المدخل غير منتشر في مناهج التعليم العام، ولكنه أخذ في الإنتشار في مجال التعليم العالي.
المحاضرة التاسعة:
دور الاعلام في نشر الوعي البيئي وحماية البيئة
تطورت وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية في العقدين الأخيرة بشكل كبير، وأصبحت تلعب، خاصة المرئية والمسموعة معاً، دوراً كبيراً في نشر الوعي والثقافة الجماهيرية.وأضحى للإعلام دور متميز في حماية البيئة، لكن هذا الدور ما يزال بارزاً،لأسباب عديدة ومعروفة، في الدول المتقدمة فقط..على أنه ثمة خطوات بسيطة بدأ الإعلام في الدول النامية يخطوها في هذا الإتجاه، في السنوات الأخيرة، مع بوادر الإنفتاح على الحياة الديمقراطية، نأمل ان تتعزز وتتسع..
الإعلام و الوعي البيئي :
يوكد الخبير البيئي الأستاذ الدكتور عصام الحناوي بأن الإعلام عن قضايا البيئة ليس جديداً، فمنذ أكثر من 100 عام أنشئت جمعيات أهلية للحفاظ على الحياة البرية، وكان من نشاطاتها إعلام الناس عن فوائد الحياة البرية وضرورة صونها.وإتخذت تلك الجمعيات من الصحافة والمجلات العامة وسائط لنشر رسالتها ،وأصدر البعض منها المجلات العلمية العامة، التي أولت البيئة الطبيعية إهتماماً خاصاً، مثل مجلة "الجغرافيا الوطنية" ،التي صدرت في أمريكا.ومنذ منتصف القرن العشرين، ومع تزايد نشاط الحركة البيئية، خاصة في أمريكا وأوربا، إهتمت وسائل الإعلام الأخرى، مثل الإذاعة والتلفزيون، إهتماماً متزايداً بقضايا البيئة المختلفة.
ويختلف إسلوب معالجة قضايا البيئة في وسائل الإعلام إختلافاً كبيراً، فبينما تركز بعض المجلات العلمية العامة على طرح قضايا البيئة بصورة دورية، بتعمق وإسلوب علمي، تتوقف تغطية وسائل الإعلام العامة لهذه القضايا على الأحداث أو التطورات المثيرة، التي يمكن تقسيمها الى قسمين رئيسيين:
الكوارث البيئية ( مثل حوادث الضباب القاتل، الذي حدث في لندن 1952، وفي نيويورك عام 1963،أو حادث الإنفجار في مصنع كيمياويات سيفيزو في ايطاليا عام 1976،أو غرق ناقلة النفط أموكوكاديس عام 1978،أو حادث بوبال في الهند عام 1984،أو حادث تشرنوبيل عام 1986، أو حادث ناقلة النفط أكسون فالديز عام 1989).
والأحداث السياسية أو العلمية المستجدة، مثل عقد بعض المؤتمرات، كمؤتمر إستوكهولم عام 1972، وقمة الأرض عام 1992، والقمة العالمية للتنمية المستدامة في جوهانسبورغ 2002.
وتحكم وسائل الإعلام على القيمة الأخبارية للكارثة او الحادث من عدد ضحاياه وأضراره المادية. فعادة يتم التركيز على الكوارث النادرة الوقوع بالرغم من أن ضحاياها في معظم الأحوال أقل بكثير من الحوادث العادية الكثيرة الوقوع.فمثلاً تصبح حوادث السيارات ذات قيمة إخبارية عند وقوع حادث تتصادم فيه عدة سيارات مرة واحدة، بينما لا تشكل حوادث السيارات الفردية أكبر من عدد ضحايا الحادثة التي تصادمت فيها عدة سيارات.
ويعتمد التلفزيون في عرض الكوارث البيئية على المؤثرات الدرامية ( مثل النيران المشتعلة، والإنفجارات، والمحن الإنسانية). كما تعتمد وسائل الإعلام الأخرى على الجوانب الدرامية للأحداث أكثر من الجوانب الموضوعية.ويؤدي هذا الميل الى الإشارة الى عدم دقة الأخبار التي تقدمها وسائل الإعلام عن المخاطر البيئية.ففي معظم الأحوال لا توضع المخاطر في منظورها السليم، وهذا من شأنه ترك المجال للتكهنات والتفسير غير السليم، ولاسيما في غياب المعلومات الأساسية.
ففي أعقاب حادث بوبال في الهند عام 1984 كشف تحليل لـ 953 خبراً مطبوعاً ومذاعاً عن الحادث في الولايات المتحدة الأمريكية ان معظم ما ذكر ركز على الحادث نفسه، دون تعليق علمي،أو مناقشة للعوامل الإجتماعية والإقتصادية التي أدت الى نقل هذه التكنولوجيا الى الهند وإذا ما كانت هذه التكنولوجيا مناسبة أو لا.
ولا تدل خطورة الكارثة البيئية،بالضرورة، على قيمتها الأخبارية.فهناك عوامل إقتصادية وسياسية تتدخل في عملية التغطية الإعلامية.فوسائل الإعلام تريد ان تعرف أولاً اين وقعت الكارثة ومن هم ضحاياها.فحادثة في دولة غربية تلقى تغطية إعلامية أطول وأشمل من حادثة تقع في دولة شرقية أو نامية، إلا إذا كانت الحادثة ستؤثر على دول او مصالح غربية ( مثل حادثة تشرنوبيل). من ناحية أخرى تختلف التغطية الإعلامية للحوادث البيئية من المناطق الحضرية الى المناطق الريفية داخل الدولة نفسها، فيتم التركيز والتغطية الأشمل للحوادث التي تقع في المناطق الحضرية.
على أنه ،بالرغم من هذه السلبيات، لعبت وسائل الإعلام دوراً كبيراً في تقوية إهتمام الجماهير بقضايا البيئة. ومن ناحية أخرى، لعب إهتمام الجماهير بقضايا البيئة دوراً هاماً في تحريك الإعلام للإهتمام بهذه القضايا.ويحسب للإعلام دوره في الضغط على الحكومات في بعض الدول للتعامل مع بعض المشكلات البيئية القومية والأقليمية( مثل تدفق المساعدات على الدول الأفريقية التي تعرضت للجفاف الشديد في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي).
ولقد تطور الأعلام كثيراً، فأصبح الآن يعتمد على الإنترنيت والإذاعة والتلفزيون، الخ.وأصبح الإعلام البيئي أحد المقومات الأساسية في الحفاظ على البيئة.وأهم أهداف الأعلام البيئي هو تحقيق الوعي وتنمية الحس بالبيئة.
وتتمثل مهمة الإعلام البيئي في إستخدام وسائل الإعلام جميعها لتوعية الإنسان، ومده بكل المعلومات التي ترشد سلوكه، وترتقي به الى مسؤولية المحافظة على البيئة.وتعتبر وسائل الإعلام بكافة أشكالها المصدر الرئيس للمعلومات حول البيئة، ولها أثر كبير.
الباحثون يصنفون وسائل الإعلام الى ما يلي:
- وسائل الإعلام المقروءة: الصحف والمجلات.
- وسائل الإعلام المسموعة: الإذاعة.
- وسائل الإعلام المرئية: التلفاز والإنترنيت.
- وسائل الإتصال الشخصي، كالمقابلات الشخصية والمحاضرات.
- المتاحف والمعارض وتجارب المشاهدات التوضيحية.
برامج واستراتيجيات الأعلام البيئي
لقد أصبح واضحاً بإن حماية وسلامة الموارد البيئية والتراث هي مسؤولية كل مواطن، وهذا يتطلب وعياً إعلامياً بيئياً تربوياً، لذلك يجب تطوير الوعي البيئي عند المواطن للتعامل مع البيئة بحكمة ورشد. فلابد من وجود أستراتيجية للتوعية البيئية لكي تسعى لتطوير القدرات البيئية في مجالات التعليم والتوعية والإتصال البيئي لغايات المحافظات على عناصر البيئة، والعمل معها بعقلانية لتحقيق تنمية مستدامة تسهم في تحسين نوعية الحياة للمواطن، والرفاه للأجيال.
أهمية الحملات الإعلامية
منذ نحو ثلاثة عقود دعا مؤتمر تبليسي الدولي الحكومي للتربية البيئية الى إيلاء أهمية خاصة لبرامج واستراتيجيات الإعلام البيئي، موصياً الدول الأعضاء بان تنظم حملة إعلامية بشأن المشكلات البيئية التي لها أهمية على الصعيدين الوطني والأقليمي، مثل المياه العذبة، لتعزيز التوعية العامة للجمهور..وان تقدم الحكومات المساندة المطلوبة لأنشطة التعليم البيئي غير النظامي..وأن تضع الحكومات برامج للتربية البيئية، وأن تشجع وضعها على مستوى التعليم النظامي وغير النظامي، وان تستعين في ذلك بالهيئات والمنظمات المعنية حيثما أمكن، وان تتضمن استراتيجيات التربية البيئية في الدول الأعضاء إعداد برامج تقدم معلومات عن الأنشطة الراهنة والمستقبلية التي قد يكون لها تأثير كبير على البيئة، وينبغي لهذه البرامج ان تبرز أهمية مشاركة عامة المواطنين والمنظمات غير الحكومية في عملية إتخاذ القرارات في هذا الصدد.
وركز المؤتمر على إستخدام وسائل الإعلام الجماهيري الواسعة، من صحافة وإذاعة وتلفزيون، لتشجيع نشر المعارف عن حماية البيئة وتحسينها، وتنظيم الدورات التدريبية للمحررين لهذا الغرض.
وفي يومنا هذا،أصبحت المحطات التلفزيونية الفضائية، والبث الفضائي المباشر، تشكل عصب الاتصالات الدولية، بعد ان الغت المسافات، وحولت العالم بالفعل الى قرية عالمية، اذ غدا الاعلام يشكل قضية سياسية في عصر تكنولوجيا الاتصال الجماهيري، حيث اتاحت اجهزة الاتصال الالكترونية الاتصال السريع والمباشر، ومعايشة الاحداث لحظة بلحظة، بعد ان تحقق ما يسمى بـ (البث التلفزيوني الفضائي المباشر)..
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا هو الى اي مدى باتت هذه القنوات الفضائية تسهم في نشر وتعزيز الوعي البيئي لمجموع مشاهديها ؟ وهل يتناسب ما تسهم به هذه القنوات في هذا المجال بما تحضى به من قدرات وامكانات وخصائص؟..
المحاضرة العاشرة:
التربية البيئية بين الواقع والأمل
معالم أستراتيجية عربية للتربية البيئية.. دون فعل جاد
قبل ثلاثين عاماً عقدت في الكويت "الندوة العربية للتربية البيئية"، خلال الفترة من 21 – 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1976، وذلك من أجل وضع أستراتيجية عربية للتربية البيئية إستعداداً للمؤتمر الدولي الحكومي للتربية البيئية، الذي ينعقد في تبليسي في أكتوبر 1977.وتمخضت الندوة عن نتائج أعتبرت من الوثائق ذات الأهمية في مؤتمر تبليسي. ومما جاء فيها:
لما كان النمو الصناعي والزراعي والإجتماعي في العالم قد أدى الى تدهور مكونات البيئة، فأصبحت حمايتها وتطويرها وتحسينها من الأمور الملحة والعاجلة، الأمر الذي يبقى قاصراً ما لم تتبن الدول استراتيجية تربية بيئية توجه الى جمهور المواطنين، سواء في القطاع المدرسي أو في القطاع غير المدرسي .. واَخذاً في الإعتبار الخطوات السابقة في هذا المضمار،والتي تتمثل في التوصية 96 الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة في ستوكهولم عام 1972، وبرنامج المشروع المشترك بين برنامج الأمم المتحدة للبيئة واليونسكو المتعلق بالتعليم الخاص بالبيئة ، في مطلع عام 1975، وندوة بلغراد الخاصة بالتربية البيئية في أكتوبر 1975،والتي صدر عنها ميثاق بلغراد، الذي يعتبر أساس كل عمل مستقبلي في مجال التربية البيئية، وجهود المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والتي أكدت جميعها ضرورة إيجاد نظام تعليمي يهتم بالبيئة يشمل كل درجات التعليم، ويتوجه للجميع من أجل تعريفهم بالبيئة، وبالعمل البسيط الذي يمكن ان يقوموا به وفي حدود طاقاتهم لتدبير أمور بيئتهم وحمايتها، سواء أكانت بيئة مادية او إجتماعية..وإنطلاقاً من الإحساس بالحاجة الملحة الى ضرورة بناء خطة عربية للتربية البيئية، فقد توصل المجتمعون الى منطلقات لأستراتيجية عربية، يمكن تلخيص أهم معالمها وسماتها في ما يلي:
أولاً- تطعيم مناهج التعليم بمختلف أنواعه ومراحله بالتربية البيئية بشكل متكامل مع المقررات الدراسية المختلفة في التعليم العام، وبشكل منفصل في مراحل التعليم الجامعي.
ثانياً- إمداد المواطنين في جميع الأعمار، وعلى مختلف المستويات، بالقدر المناسب من التربية البيئية، وذلك عن طريق وسائل الإعلام ونشاط الجمعيات المعنية.
ثالثاً- الأخذ في الإعتبار برامج التنمية الشاملة في العالم العربي.
رابعاً- الأخذ في الإعتبار الأمكانات العربية المتاحة للتربية البيئية.
خامساً- الأخذ بعين الأعتبار ان البيئة كل لا يتجزأ،ولذا يجب ان تشمل التربية البيئية كل مجالات البيئة الإقتصادية، والتكنولوجية، والإجتماعية، والتشريعية، والثقافية، والجمالية.
سادساً- التأكيد على أهمية قيام مشاركة فاعلة في توقي حدوث الأضرار والأخطار التي تتعرض لها البيئة.
سابعاً-البحث في قضايا البيئة بنظرة قومية وعالمية، مع مراعاة الفوارق الأقليمية.
ثامناً- التوجه الى الأوضاع الحالية والمستقبلية بالبيئة.
تاسعاً- البحث في جميع قضايا التنمية من منظور بيئي.
عاشراً- التمسك بقيمة وضرورة التعاون والتنسيق المحلي والقومي والدولي في حل مشكلات البيئة.
لقد مرت ثلاثة عقود كاملة على صياغة هذه المنطلقات الأستراتيجية المهمة،وهي تتسم بالموضوعية، وقابلة للتحقيق، لو رافقها فعل وجهود رسمية جدية وفاعلة لتنفيذها،ولتحققت في الوطن العربي طفرة نوعية في المسألة البيئية، وفي التنمية الوطنية، ولأزدهرت التربية البيئية..
في إفتتاحيته الشهرية،يعرض الباحث البيئي نجيب صعب- رئيس تحرير مجلة " البيئة والتنمية"- حادثة ذات دلالة تؤكد ما ذهبنا إليه.يقول:كنا في المنامة مع مجموعة من الخبراء لبحث المساهمة العربية في تقرير توقعات البيئة العالمية الرابع (جيوـ4) الذي يحضّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة لاصداره سنة 2007. فلاحظنا أن التقرير الثالث, الذي صدر عام 2002, تضمن أربعة سيناريوهات كانت نتائجها جميعاً كارثية على العالم العربي. وحاولنا اقتراح أسس لاتجاه إيجابي, يضع المنطقة العربية على الطريق الصحيح نحو تحقيق تنمية قابلة للاستمرار..أحد الزملاء اقترح أن تكون "مبادرة" جامعة الدول العربية إلى مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة في جوهانسبورغ عام 2002 أساساً للمساهمة العربية في التقرير العالمي الجديد. فعدنا الى نص هذه "المبادرة", التي لم تتجاوز إعلان النيات والمواقف العمومية, ولم تضع أي خطة عمل أو آليات للتنفيذ. ولاحظنا أن "المبادرة" حددت, في فقرتها الأخيرة, 3 مجالات ذات أولوية, هي الموارد المائية ومكافحة التصحر وادارة المناطق الساحلية, ووعدت بأن "البرامج الثلاثة والمشاريع ستكون جاهزة للاعتماد من خلال الآليات الاقليمية في أواخر تشرين الأول / اكتوبر 2002".وحين طلبنا مراجعة البرامج والمشاريع الموعودة, فوجئنا أنه بعد مرور سنتين على الموعد, لم يتم إعداد أي برنامج أو مشروع لتحويل النص العام الى مبادرات فعلية. فهل تقتصر المساهمة العربية في تقرير سنة 2007 على تمنيات خطابية, تقودنا من كارثة الى أخرى؟ وتساءل بعضنا: لماذا لا تتجاوز مؤسساتنا البيئية, المحلية والاقليمية, العناوين العامة إلى التفاصيل ؟..
ويضيف:فيما تغرق مؤسساتنا البيئية في العموميات, يستمر التدهور البيئي على مدى العالم العربي. على الأقل, فلتجمع هذه المؤسسات أرقام البنك الدولي عن التدهور البيئي, من خلال الدراسات التي نشرت في السنتين الماضيتين. فهي تظهر أن العالم العربي يخسر سنوياً أكثر من 20 مليار دولار لأسباب بيئية, بخاصة تلوث الهواء والتربة والمياه وتدهور المناطق الساحلية. الخسارة الاقتصادية من التدهور البيئي تتجاوز 3 مليارات دولار في مصر وحدها, أي نحو 5 في المئة من مجمل الناتج القومي. وهي تصل الى 700 مليون دولار في سورية، و500 مليون دولار في لبنان. هكذا, فخسارة العرب الاقتصادية من اهمال البيئة تتجاوز كل معدلات النمو. إذاً, نحن واقعياً في حال إفلاس.
ويختتم صعب:آن الأوان لنضع الأصبع على الجرح, ونطوّر خططاً عملية تكون بديلاً للواقع المخزي والسيناريوهات السقيمة.
ولو راجعت إجتماعات مجلس الوزراء العرب المسؤولين عن شؤون البيئة لوجدت ان نجيب صعب لم يكن قاسياً في طرحه.فالوزراء ناقشوا قضايا ساخنة كثيرة، وأصدروا قرارات عديدة.. ولكن، أين التنفيذ ؟
خذ مثالاً: قرر وزراء البيئة في ختام اجتماع دورتهم الـ16، في 8/12/2004، عقد اجتماع خاص لتقييم الوضع البيئي في العراق، وتحديد متطلبات واحتياجات الدعم التقني وبناء القدرات البيئية فيه. وقرر مجلسهم، بعد دراسته تقرير حول الحروب في العراق وتحقيق التنمية المستدامة، دعوة برنامج الامم المتحدة للبيئة، واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب اسيا (اسكوا) بتنسيق جهودهما حيال انشطة متعلقة بالعراق،والاستفادة من خبرات المنظمات العربية المتخصصة واشراكها في هذه الانشطة لاعادة اعمار وتاهيل ما دمرته الحروب في العراق.. وفي الشان الفلسطيني اتخذ المجلس قرارا باعداد دراسة حول المخاطر البيئية والصحية الناجمة عن مفاعل ديمونه واثرها على المنطقة العربية وجدوى وضع خطة عربية لمواجهة اي احتمالات لكارثة قد تقع نتيجة وجود المفاعل، وتكليف برنامج الامم المتحدة للبيئة اجراء دراسة ميدانية حول التدهور البيئي الناتج عن الممارسات الاسرائيلية في الاراضي المحتلة.. فما الذي تحقق ؟ وهل تابع أحد تنفيذ هذه القرارات وغيرها ؟
واقع الحال والتطلعات
أكدت التجارب بأن التربية البيئية قد تطورت في بعض المجتمعات المتقدمة قبل الحركة التي نشطت عقب الأعلان العالمي للبيئة، الذي صدر عن مؤتمر البيئة البشرية في ستوكهولم عام 1972، وذلك إستجابة للمشكلات البيئية الملحة، التي بكرت في الظهور في هذه المجتمعات..إلا ان التربية البيئية لم تتبلور كفكر متكامل وإتجاه واضح المعالم إلا بعد الجهود المنسقة التي أعقبت المؤتمر المذكور.
وعلى الرغم من ان التربية البيئية قد إجتازت مرحلة الجدل والإقناع، إلا أنها لا زالت في الكثير من المجالات، والكثير من البلدان، خططاً واَمالاً لم تدخل في حيز الواقع.. فالكثير من قادة الدول لا زالوا ينظرون الى الأدخنة فوق عواصمهم ببهجة وسرور على اساس ان الأدخنة علامات للتقدم.. وما زال الكثير من المعماريين يبشرون ببناء المصانع بالقرب من المناطق السكنية.. ولا زالت مطارات تقام على مشارف المجمعات السكنية.. ولا زالت سدود تقام دون إعتبار للآثار البيئية الجانبية التي يمكن ان تنشأ. وقصة السد العالي، على سبيل المثال، قد دخلت المراجع الحديثة في العلوم البيئية. فالبعض يرى ان التخطيط لبناء السد لم يضع في الإعتبار الآثار الجانبية التي حدثت فعلاً..والأسماك لا زالت تلاحق بالمفرقعات ووسائل الصيد التي لا تفرق بين كبيرها وصغيرها الذي لازال في طور النمو..والطيور وحيوانات البر الأخرى لا زالت تتعرض للملاحقة المكثفة بتقنيات متطورة لا تراعي حرمة مواسم التكاثر، ولا ترتدع بالتشريعات التي تسنها الدول لحماية الأحياء وبخاصة النادرة منها.. ولا زالت الحرائق المقصودة تُشعل في الغابات والحدائق والمتنزهات دون إعتبار للأذى الذي يلحق بالنباتات والتشويه الذي يصيب أماكن الترويح التي هي رئات للمدن..والكثير من الصناعيين لا زال همه إزدهار منتوجاته، ولو كان على حساب نوعية حياة الناس.ولعل الدليل على ذلك التشريعات الكثيرة التي تسنها الحكومات من أجل حماية البيئة من الملوثات المتنوعة التي تنجم عن العمليات الصناعية.ولاشك ان الأفضل من التوسع في سن التشريعات إتاحة الفرصة لرجال الصناعة بالإنخراط في برامج خاصة للتربية البيئية تبصرهم بما تفعله مصانعهم في البيئة البشرية.
وبالمقابل، هناك حركة نشطة تغذ الخطى نحو بناء مناهج وبرامج للتربية البيئية في كل المجالات ولكل قطاعات المجتمع البشري.. فالكثير من المناهج الدراسية اليوم تستوعب قضايا البيئة في نسيج المواد الدراسية بالمراحل التعليمية المختلفة، لأن البيئة ليست بحثاً او مقرراً دراسياً منفصلاً عن المقررات الدراسية المعروفة، بل على العكس فان تحقيق وتعميق أهداف التربية البيئية لا يتأتى إلا بتطعيم مختلف المواد الدراسية من لغات وإنسانيات وفنون وعلوم وغيرها بقضايا بيئية.. ولعل الأفضل ان تأخذ المناهج الدراسية البيئية إتجاه لها.وهذا هو الفكر الذي بدأ يأخذ طريقه الى المقررات الدراسية في مراحل التعليم، بما فيها الجامعة أحياناً.. فيدرس الأبناء اليوم مقررات محورها الإنسان، وإتجاهها البيئية، فمنهاج الإنسان والبيئة، الذي أعدته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم للمرحلة المتوسطة على مستوى الوطن العربي بدأ يؤثر في مناهج الكثير من الدول العربية لأنه يطرح البيئة بمفهومها الشامل المتكامل بهدف تنمية وعي بيئي لدى الناشئة يمكنهم من التعامل مع البيئة من منطلق حمايتها وتحسينها.. والإنسان والطاقة منهج دراسي يدرسه الأبناء في الكثير من دول العالم. والطاقة مشكلة ، بل لعلها أزمة، والمناهج تطرح للأبناء مفهوم الطاقة وأهميتها ومصادرها وترشيد إستهلاكها والبدائل المتاحة.. والتربية الصحية اليوم تطرح بمنطوق بيئوي لأن غالبية الأمراض تنشأ من ملوثات بايولوجية.. ومشكلات البيئة الرئيسية أصبحت تطرحها المناهج الدراسية من خلال اَثارها الإجتماعية والأقتصادية.فالتلوث له اَثار إجتماعية ، وكذلك نقص الغذاء، وتزايد السكان، والنقل ، وغيرها..
وخلاصة القول فان التعليم النظامي ( المدرسي ) بدأ يلتفت- كما أشرنا- الى مشكلات البيئة ويستوعبها في المقررات الدراسية المختلفة على أساس الإقتناع بان التربية البيئية في إطار الأنظمة التربوية المدرسية تساعد على فهم أفضل للجوانب الإنسانية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية للحياة.. والتربية البيئية اليوم تبدأ من مستوى رياض الأطفال وتسير قدماً حتى تغطي باقي مراحل التعليم.ولما كانت التربية البيئية في مفهومها الأساسي، وفي تطبيقها معاً، تجمع بين شتى فروع العلم، فأنها تدمج في البرامج الدراسية المختلفة على كل مستوى من مستويات التدريس.. ففي مراحل التعليم العام تتضمن المناهج الدراسية فيما تتضمنه مواد تنبه عند الناشئة ملاكات الفضول والملاحظة والتفسير، وتتضمن أيضاً المعارف الأساسية عن ترابط جميع عناصر البيئة وواقع هذه الترابط على حياة الإنسان الإجتناعية والثقافية.. وتتضمن المناهج الدراسية أيضاً الإدراك العلمي للبيئة الطبيعية ولما فيها من وقائع ووظائف، كما تتضمن تبصيراً بالمنهج السليم في الأغتراف من الموارد الطبيعية، سواء منها ما يتجدد وما لا يتجدد.. والموارد التي تتجدد، يكون لها بلا شك، أهمية خاصة.
ولا يفوتنا ان نشير الى إجتماع خبراء التربية البيئية العرب، الذي إنعقد في الكويت،أبريل 1978، بالتعاون بين المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، واللجنة الوطنية الكويتية للتربية والثقافة والعلوم،وكان هدفه بناء وحدات مرجعية في التربية البيئية توجه الى مخططي البرامج ومصممي الوسائل التعليمية وواضعي برامج أعداد المعلمين في الوطن العربي للإسترشاد بها في إستيعاب أهداف التربية البيئية في المقررات الدراسية.
وقد عرف الخبراء العرب الوحدة المرجعية على إنها كل متكامل من الخبرات والنشاطات المتعلقة بالبيئة يربط بينهما محور معين.وقد أختير "وطني" محور لوحدة مرجعية للمرحلة الإبتدائية تتكامل فيها مختلف المقررات الدراسية في إطار أهداف التربية البيئية التي تسعى أساساً الى ترشيد سلوك الإنسان في البيئة.وفي المرحلة المتوسطة أختيرت " الموارد الطبيعية" محوراً للوحدة المرجعية، تتناول المقررات الدراسية المختلفة ضمن العلاقة المتبادلة بين الإنسان وموارد البيئة ( الدائمة والمتجددة وغير المتجددة) في إطار ملامح رئيسية خمسة، هي: تأثير حياة الإنسان بموارد البيئة المختلفة، وتأثير توزيع الجماعات البشرية بموارد البيئة، وتأثير الثقافة البشرية بالموارد الطبيعية، وتأثير الثورة الصناعية على الموارد الطبيعية، وإرتباط بقاء الإنسان بحسن إستغلال الموارد الطبيعية.
أما في المرحلة الثانوية فقد أختيرت " الطاقة والإنسان" كمحور للوحدة المرجعية، تتناول مختلف المقررات الدراسية ضمن العلاقة بين الإنسان والطاقة وذلك في إطار تنمية إتجاهات إيجابية للطلاب نحو البيئة وحسن إستثمار الطاقة والتغلب على المشكلات الناجمة عن إستخدامها.
وأما التربية البيئية في التعليم غير النظامي ( غير المدرسي) والذي يطلق عليه البعض " الإعلام البيئي" أو " الثقافة البيئية" او " التوعية البيئية"- كما أسلفنا- فتتعدد أجهزتها وبرامجها ونشاطاتها.. فالى جانب الهيئات الرسمية التي تخصص جزءا كبيراً من نشاطها للتربية البيئية بكافة صورها تنشط حركة للتربية البيئية على مستوى القطاعات غير الرسمية.. فإتحاد التربية البيئية الذي أسس في أوائل السبعينيات بالولايات المتحدة هو تحالف لثلاثين منظمة كبيرة تهتم بمجال أو اَخر من مجالات التربية البيئية، وقد بلغت ميزانية الإتحاد في السنوات الخمس الأخيرة حوالي 14 مليون دولار،خصص نصفها للتربية البيئية في التعليم النظامي، والباقي صرف على نشر المعلومات، وتدريب المعلمين، والتخطيط لمراكز الدراسات البيئية، وبرامج التربية للمواطنين، وفي إختبار وتقييم النشاطات البيئية.. وفي الولايات المتحدة أيضاً ظهرت منظمات بيئية متحمسة، منها:" أصدقاء الأرض"، و" جماعة النمو السكاني الصغرى"، و " منظمة حماية الطبيعة"، والتي هدفها شراء الأراضي للمحافظ على مناطق ترويحية للأطفال..
وفي ألمانيا ظهر في إحدى المقاطعات حزب أخضر يضم أنصار حماية البيئة، وقد حصل هذه الحزب على نسبة مئوية عالية من الأصوات في إنتخابات البرلمان ( ألبوندستاغ) مما يعني أن أنصار حماية البيئة أصبحوا يضغطون على السياسيين لأخذ حماية البيئة وتحسينها في الإعتبار عند مناقشة قضايا البيئة، وإلا فانه سوف يحرمون من الأصوات مستقبلاً. وتكمن قوة " حزب الخضر" في العدد الضخم من العناصر الشابة، التي إنظمت الى صفوفه مؤخراً..
وفي الإتحاد السوفياتي السابق كانت هناك حركة أهلية واسعة لحماية الموارد الطبيعية تكثر من عقد الندوات وإصدار النشرات وإعداد البرامج في الأذاعة التلفزيون بهدف توعية المواطنين بالمشكلات التي تمزق البيئة والتي غدت تشكل خطراً على مستقبل الإنسان..
وفي دول شمال أوربا هناك المجلس الأعلى للتربية البيئية الذي يخطط سياسة التربية البيئية لكل مستوياتها.وتعتبر دول شمال أوربا من أكثر الدول إهتماماً بالبيئة، كما ان شعوبها تتمتع بمستوى عالي من الوعي البيئي..
وفي الدول العربية هناك جهود تبذل لتوعية المواطنين بكافة مستوياتهم بقضايا البيئة حتى يمكن لكل منهم ان يساهم بحدود موقعه وإمكاناته.غير أن ما يؤخذ على برامج التربية البيئية الكثيرة التي تقدم للجماهير في العديد من الأقطار العربية مأخذين:
- التخصص الدقيق في طرح بعض قضايا البيئة، وعدم تبسيطها، وتحليل عناصرها بشكل يجذب الناس. مثال ذلك ما نقرأ أو نسمع عن الربط بين البيئة والتنمية، او البيئة والصناعة، او البيئة والتخطيط الشامل، وغيرها.ومع أهمية هذه القضايا إلا ان الكثير من الناس لا يستطيعون تبين موقعهم ودورهم مع هذه القضايا، وهذا بلا شك يفسر عزوف الكثيرين عن متابعة البرامج التي تقع ضمن هذا الإطار لأنهم يشعرون أنها لا تخصهم، بل هي موجهة لغيرهم.
- التبسيط المفرط في طرح الكثير من قضايا البيئة،الذي يفصم عرى إرتباطها بالإطار التكاملي للبيئة. فعندما تسعى بعض الجهات الى توعية وتبصير الناس كافة ان يساهموا به في مجال حماية البيئة تحجم هذا الدور ليصبح رديفاً للنظافة. وحتى تناول موضوع النظافة بالوسائل المسموعة والمقروءة والمرئية، يحجم ليصبح رديفاً للعناية في إلقاء وجمع القمامة.فالنظافة لا ترتبط فقط بالقمامة، فهناك الحرائق وصيد الطيور والأسماك والرعي والطعام والضجيج..
إن برامج التربية البيئية المتخصصة يجب ان تبسط وتحلل وتوضح دور كل فرد فيها.. والبرامج المبسطة يجب ان تكون أكثر تنويعاً، وتوضح موقعها في الإطار الشمل المتكامل للبيئة.
لعله من المفيد تكرار ما أشرنا إليه في فصل اَخر، وهو ان التربية البيئية إتجاه وفكر وفلسفة تهدف الى تسليح الإنسان في شتى أرجاء العالم( بخلق بيئي) او ( ضمير بيئي) يحدد سلوكه وهو يتعامل مع البيئة في أي مجال من مجالاتها.. الخلق البيئي يجب ان يكون العامل المؤثر في إتخاذ القرارات البيئية مهما كان مستواها.. بناء مدينة او إنشاء جسر أو شق طريق أو بناء سد او إقامة مصنع أو إصطياد سمك في نهر او التخلص من القمامة المنزلية او التنزه على شاطئ البحر او في حديقة عامة.. وحتى القرارات الأكبر على المستوى السياسي والإقتصادي يجب ان تحسب حساباً للبيئة في أطارها العالمي لأن المصالح البشرية واحدة، ومستقبل الجنس البشري واحد.." الخلق البيئي" معناه أن يعي الإنسان الوحدة والتكامل البيئي في عالمنا المعاصر، حيث يمكن ان تترتب على القرارات التي تتخذها البلاد المختلفة، وعلى مناهج سلوكها، اَثار على النطاق الدولي.. والمشكلة البيئية التي تحدث في بلد معين كثيراً ما تؤثر في بلاد أخرى بعيدة عنها.ولعلنا نذكر أزمة السكر التي نشأت في العالم جراء تعرض مزارع قصب السكر في كوبا لإعصار شديد.. وأزمة الرز التي عاشتها دول كثيرة عندما عطشت حقول الأرز في الدول الآسيوية المنتجة له بسبب الجفاف.. وأزمة البن التي عاشها العالم لأن المحصول في الدول المنتجة تدنى بسبب عوامل بيئية مختلفة..وحادثة تشرنوبيل التي طالت اَثار الإشعاع دولاً عديدة، مسببة لشعوبها السرطان والتشوهات الولادية..الخلق البيئي معناه التصرف بروح المسؤولية الشخصية والعامة لأن مسبب مشكلة ما ربما يكون هو أول المعرضين لأذاها.. وأخيراً وليس اَخراً، فان الخلق البيئي أو الضمير البيئي، الذي تهدف التربية البيئية الى إيجاده او تنميته عند كل إنسان في المجتمع العالمي، يعني ان يتكيف الإنسان من أجل البيئة لا أن يستمر في تكييف البيئة من أجله.. الخلق البيئي بإختصار معناه " التعايش مع البيئة"، وبذلك تسهم التربية البيئية في حماية البيئة.
المراجع:
العربية:
1- جورج شهلا وعبد السميع حربلي والماس شهلا حنانيا، الوعي التربوي ومستقبل البلاد العربية، بيروت، مكتبة رأس بيروت، 1972.
2- سميح أبو مغلي واَخرون، قواعد التدريس في الجامعة،عمان، دار الفكر، 1977
3- رشيد الحمد و محمد سعيد صباريني،البيئة ومشكلاتها،عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت،1979.
4-محمد عدس وعدنان مصلح، رياض الأطفال، عمان، 1980
5- كليفورد نايت، المفاهيم الأساسية لعلم البيئة، ترجمة:قيصر نجيب، طارق محمد، وسهيلة الدباغ، وزارة التعليم العالي، الجمهورية العراقية، بغداد، 1983.
6- د. غازي أبو شقرا، في: الإنسان والبيئة في لبنان، منشورات اللجنة الوطنية اللبنانية للتربية والعلوم والثقافة( اليونسكو).
7-المحامي جوزف مغيزل- رئيس الجمعية اللبنانية لحقوق الإنسان،مقدمة كتاب:" البيئة وحقوق الإنسان"
8-مكتب اليونسكو الأقليمي للتربية في الوطن العربي، كتاب مرجعي في التربية السكانية( الجزء الخامس: السكان والبيئة في الوطن العربي)، عمان، 1990
9- د. مصطفى طلبة،التحديات والآمال:حالة البيئة 1972 – 1992، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1992.
10- د. راتب السعود، الإنسان والبيئة ( دراسة في التربية البيئية)، دار الحامد، عمان، 2004.
11- د.عصام الحناوي، قضايا البيئة في مئة سؤال وجواب، البيئة والتنمية، بيروت، 2004
12- التربية البيئية- مرجع عن البيئة العالمية-برنامج التعليم البيئي، مركز علوم صحة البيئة والمهنة، جامعة بير زيت.
الأجنبية :
1- Baes, C.F; H.G.Goeller, J.S.Olson and R.M.Rotty, The Global Carbon Dioxide Problem, ORNL, 5194, 1976
2-Ananichev, K.Environment: International Aspects, Current Problems, Progress,Moscoww, 1976
3-Carbon Dioxide and Climate, A Scientufic assessment, National Academy of Science, Washington D.C; 1979.
4- UNEP,Global Environmental Monitoring System,Geneva,1984
5-Meadows,D. Harvesting One Hundred Fold, Key Concepts and Case Studies in Environmental Education, Nairopi, UNEP,1989..
- Enseignant: ATTAB HAMIMI
- Enseignant: RIAL FAIZA
تربية خاصة مقرر افقي موجه لطلبة التربية الخاصة في سنة التخرج
- Enseignant: SI MOHAMED SADIA
مقياس تكنولوجيا التربية موجه إلى طلبة السنة الثالثة تخصص تربية خاصة وتعليم مكيف، حيث يتناول كل ما يتعلق باستخدام التطبيقات التقنية الحديثة في العمل وفي جميع المؤسسات التربوية لخدمة غايات تربوية محددة
- Enseignant: MERAKCHI Salah
- Enseignant: BEN HAMED LAKHDAR
- Enseignant: BEN HAMED LAKHDAR